Masukبعد أيام قليلة ومع انتهاء ليلةٍ باردة من ليالي تشرين الأول وإشراق شمس الصباح الدافئ، كان شارع بوابة الجامعة ينساب تحت أضواء النهار الصافية. وكانت قطرات المطر الخفيفة تسقط ببطء وتضرب الأرصفة المبتلة، بينما يتصاعد ضباب رقيق في الهواء.
كان كريم يسير ببطء على طول الرصيف، يداه غاطستان في جيبي بنطاله الجينز، وسيجارة تتراقص بين شفتيه. كان يرتدي نظارته الطبية، وعيناه العسليتان الداكنتان تطالعان الأرض بفراغ. مر يومان فقط على خروجه من مركز الشرطة وعلى حديثه مع طارق عن رغبته في التغيير، لكنه كان يشعر وكأنها أعوام مرت عليه وهو يبحث عن أي شيء ينقذه من الأفكار التي تنهش عقله. وفجأة، توقفت نظراته. عند لوحة الإرشادات قرب بوابة الجامعة، كانت تقف فتاة تحمل بعض الدفاتر إلى صدرها، وتبدو حائرة وتائهة وهي تتأمل المكان تحت ضوء الصباح. كانت ليان؛ فتاة في بداية العشرينيات، ذات بشرة فاتحة ناعمة تتأثر سريعًا بالانفعالات، وشعر بني كستنائي ينسدل بحرية على كتفيها المبتلتين برذاذ المطر. وكانت أزرار قميصها الخفيف مفتوحة قليلاً عند أعلى العنق، لتظهر بوضوح شامة بنيّة داكنة بارزة أعلى ثديها الأيسر، كعلامة جمالية مميزة تباينت مع بشرتها الساطعة. تردد كريم للحظة، ثم ضبط نظارته على عينيه واقترب منها قائلاً بصوت هادئ: ـ عذرًا... هل تحتاجين إلى مساعدة؟ التفتت إليه بسرعة، وبدا الارتباك خفيفًا على ملامح وجهها البيضاوي الناعم وعينيها الواسعتين، قبل أن ترتسم ابتسامة خجولة على شفتيها الرقيقتين، وتعدل من قميصها: ـ نعم... هذه أول مرة آتي فيها إلى الجامعة، ولا أعرف أين تقع المكتبة المركزية. ابتسم كريم ابتسامة هادئة وقال: ـ أنا طالب في السنة الأخيرة هنا.. تعالي، سأدلك على الطريق. سارا معًا بخطوات هادئة فوق الأسفلت المبتل، وطوال الطريق دار بينهما حديث بسيط عن التخصصات والمدينة التي جاءت منها. وعند مدخل مبنى المكتبة، التفتت إليه بابتسامة دافئة: ـ بالمناسبة.. اسمي ليان. رد بتعجب وهو ينظر إليها عبر عدسات نظارته: ـ وأنا كريم. لم يكن يدرك في تلك اللحظة أن تلك المصادفة العابرة تحت رذاذ المطر ستكون نقطة التحول الأولى في حياته. في الأيام التالية، تكررت اللقاءات؛ مرة بين أرفف المكتبة الخشبية، وأخرى في المقصف الجامعي الداخلي، وأحيانًا بعد انتهاء المحاضرات عند أغصان الأشجار. كانت ليان فتاة هادئة، مجتهدة، تملك طريقة مريحة في الحديث تجعل من حولها يشعرون بالطمأنينة. أما كريم، فكان يجد نفسه يبتسم دون إرادة كلما رآها تقترب. عندما علم طارق بهذا التغير وبدء كريم بقضاء وقته في المكتبة، جلس معه في المقصف وضحك بسخرية وهو يجذب سيجارته: ـ ما الأمر يا كريم؟ كل حين تذهب إلى المكتبة والمقصف مع تلك الفتاة ونسيت أصدقاءك وسهراتنا؟ لا تكن قد صدقت أنك ستصبح رجلًا تقيًا ومحترمًا بهذه السرعة؟ نظَر إليه كريم بهدوء وثبات وقال: ـ هذه الفتاة مختلفة يا طارق... ليست مثل من نعرفهن. هز طارق رأسه الحاد وابتسم بذكاء: ـ حسناً.. غداً نرى إلى أين ستصل مع هذه الفتاة المحترمة... شيئًا فشيئًا، بدأت الجدران العازلة التي بناها كريم حول قلبه تتداعى. لم يخبرها شيئًا عن ماضيه المظلم، لكن ليان كانت ترى فيه شابًا جاداً، يحاول بصدق أن يكون أفضل. وفي مساء ممطر آخر، وبعد انتهاء المحاضرات، دعاها إلى احتساء القهوة في مقهى صغير هادئ مقابل الجامعة. جلسا لساعات أمام النافذة الزجاجية والمطر يتساقط في الخارج، تحدثت هي عن أحلامها ورغبتها في أن تصبح معلمة تصنع فارقًا في حياة الأطفال، بينما اكتفى هو بالاستماع باهتمام شديد. وبعد لحظة صمت، نظر إليها وقال بهدوء: ـ أنتِ مختلفة يا ليان. ابتسمت ليان ونظرت في عينيه بثقة: ـ وأنت... لست كما تبدو للناس. كنت أسمع عنك الكثير من الكلام والثرثرة، لكنني اكتشفت أن كل ذلك كذب. توقف كريم للحظة، وعيناه العسليتان تتأملانها بصمت. لأول مرة منذ سنوات، شعر أن هناك من يراه من الداخل، لا كما يظنه الشارع وأصدقاؤه. مرت الأشهر، وبدأ كريم يبتعد تمامًا عن العادات القديمة، صار يدرس الإنجليزية بجد، ويطور من نفسه، بينما كانت ليان تشجعه بكلمات بسيطة منحته دافعًا جديدًا كل صباح. ورغم سخرية طارق المستمرة، إلا أنه كان يسانده أحيانًا ويراقبه بذهول وهو يتحول أمام عينيه. شعر كريم أن حياته بدأت تستقيم أخيرًا، وكأن يد ليان انتشلته من الغرق... دون أن يدري أن السكون الذي يعيشه الآن ما هو إلا الهدوء الذي يسبق عاصفة الوحش الكامن في أعماقه.سحبها كريم ببطء من يديها نحو غرفة النوم.كانت العتمة تسود المكان، باستثناء شعاع خافت يتسلل من الممر، يضيء طرف السرير العريض. كانت رؤى تسير خلفه بخطوات ثقيلة ومترددة، وقلبها يخفق في صدرها بجنون، مشاعر متضاربة من الخوف، الشغف، والاستسلام التام يحاصرها من كل جانب. كل خطوة كانت تخطوها داخل هذه الغرفة المظلمة تعني ابتعاداً أعمق عن عالمها القديم والغرق مع كريم.توقف كريم بجانب السرير، واستدار إليها ببطء شديد.لم يقل شيئاً في البداية. اكتفى بالنظر إلى عينيها الخائفتين والمليئة بالرغبة في نفس الوقت، يتأمل اضطراب أنفاسها وتوجسها الذي يزيد المكان حرارة. امتدت يداه إلى كتفيها بحركة مسيطرة، وبدأ يرفع قميصها الأبيض القطني الخفيف ببطء شديد، ملامساً بشرة بطنها المكشوفة بأصابعه الدافئة التي كانت تترك أثراً حارقاً مع كل رفعة للقماش فوق جسدها.شهقت رؤى بخفوت، واهتز جسدها بالكامل عندما لامست برودة الهواء بشرتها، ويليها فوراً دفء كفيه اللتين ارتفعتا لينزعا القميص بالكامل ويقذفاه على الأرض بعيداً.وقفت أمامه تتنفس بصعوبة وتغطي صدرها المكشوف بيديها المرتجفتين بخجل طفولي لم تستطع إخفاءه.انحنى كريم نحوها، و
كانت شقة كريم هادئة بشكل مريب، بعيدة تماماً عن المدرسة وعن عيون الجميع.والإضاءة خافتة، تسطع برقة على أثاث الصالة الداكن، بينما يقف كريم بجوار الطاولة الصغيرة، يخلع ساعته ونظارته الطبية ببرود وثبات، ثم يضعها جانباً. كانت تحركاته البطيئة والمحسوبة تدل على ثقة مطلقة وسيطرة تامة على كل تفصيلة في هذا المكان المعزول عن العالم.بينما كانت رؤى تقف بالقرب من الباب، تلف ذراعيها حول جسدها المرتجف، وتتنقل بعينيها المتوترتين بين أركان الغرفة الفسيحة. كانت هذه هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدمها شقته الخاصة، بعيداً عن الجدران الضيقة لفصول المدرسة، وبعيداً عن الرعب من أن يلمحهم أحد الطالبات أو المعلمين. هنا، في هذا الملجأ المظلم، لم يكن هناك سواه الخوف الشديد الممزوج برغبة عارمة لم تستطع تفسيرها.لاحظ كريم ترقبها الخائف، فنظر إليها عبر العتمة بنظرة حادة تحمل الكثير من الغموض. اقترب منها بخطوات هادئة وبطيئة، وكأنه فهد يتربص بصيد استسلم له مسبقاً.وقفت هي في مكانها، تتنفس بصعوبة وشعور بالضياع يكتسح حواسها، وعيناها معلقتان بملامحه الحادة الداكنة التي تتضح أكثر كلما اقترب منها. كانت هيبته الباردة تسلبه
في صباح اليوم التالي، كان مركز الشرطة يعج بالحركة. أصوات الموظفين ورنين الهواتف كانت تملأ المكان، بينما جلس المحقق حسام خلف مكتبه المحاط بالملفات وكوب القهوة الباردة. كان يدخن سيجارته بصمت، ويعيد قراءة أوراق قضية المزرعة للمرة الأخيرة. كل ما وجدوه حتى الآن كان يقود إلى نتيجة واحدة: من خطط للحريق كان يعرف جيداً كيف يخفي آثاره. لكن اسماً واحداً ظل أمامه. «أنور». كان هذا الخيط الوحيد الذي يملكه. فُتح باب المكتب فجأة، ودخل ضابط المباحث وهو يحمل ملفاً أصفر جديداً. وضعه أمام حسام وقال بقلق: ـ سيدي، لدينا مشكلة في تتبع أنور. رفع حسام رأسه ونزع السيجارة من فمه. ـ ماذا حدث؟ هل سافر وهرب خارجاً؟ هز الضابط رأسه نافياً. ـ الأمر أغرب من ذلك. بحثنا عن الرقم الوطني والبيانات الموجودة في عقد ملكية المزرعة، ثم راجعنا السجل المدني وقاعدة البيانات المركزية. توقف للحظة، ثم تابع: ـ لا يوجد أي شخص بهذا الاسم أو بهذه البيانات. ثبت حسام نظره عليه. ـ ماذا تعني لا يوجد؟ المزرعة مسجلة رسمياً باسمه. جلس الضابط أمامه وفتح الملف. ـ هذا ما جعلنا نشك في الأمر. عقد الملكية مزور، والهوية المستخدمة في تس
مرّ شهر كامل على ليلة الحريق. كانت المزرعة المهجورة تتوسط الأرض الخالية، وقد تحولت إلى مكان أسود تحيط به آثار الدمار من كل جانب. ورغم مرور أسابيع وهطول أمطار الشتاء، بقيت رائحة الحريق عالقة في المكان، تختلط برائحة الرماد والخشب المحترق. كان الشريط الأصفر يحيط بالمزرعة، بينما يتحرك رجال الأدلة الجنائية بين الركام بحذر. بعضهم كان يفحص الأرض، وآخرون يجمعون عينات من الرماد وبقايا البناء، بحثاً عن أي شيء يمكن أن يساعدهم في معرفة ما حدث في تلك الليلة. توقفت سيارة سوداء بالقرب من المكان. نزل المحقق حسام وأغلق الباب خلفه بهدوء. كان في منتصف الأربعينيات، يرتدي معطف المحققين داكناً، ويحمل في يده دفتراً صغيراً اعتاد أن يسجل فيه كل ملاحظة مهمة. أشعل سيجارته، ثم وقف للحظات ينظر إلى المزرعة قبل أن يتجه نحو المدخل المنهار. اقترب منه أحد ضباط المباحث فور وصوله. ـ سيدي، التقرير المبدئي جاهز. فريق الأدلة الجنائية ينهي عمله الآن. أومأ حسام برأسه. ـ هل وجدتم شيئاً جديداً؟ ـ ليس كثيراً. معظم المكان تعرض لحرارة شديدة، لكن الطبيب الشرعي ينتظرك في الداخل. دخل حسام إلى المزرعة، وسار بين ا
كان الظلام داخل الشقة ثقيلاً كالكابوس، ولم يكن يقطعه سوى ضوء خافت يتسلل من الممر الداخلي.وقفت مي في منتصف الصالة، تتنفس بصعوبة وتسند ظهرها إلى الباب المغلق، بينما كان الرجل يقف أمامها على بعد خطوات، ينظر إليها بجمود تام. لم يبتسم، ولم يقل شيئاً، لكن عينيه كانتا تتحركان وتراقبات ملامحها وجسدها المرتجف بطريقة جعلت الدماء تتجمد في عروقها.خلع الرجل ساعته الذهبية ووضعها على الطاولة الخشبية، ثم التفت إليها وقال بصوت هادئ وخالٍ من أي عاطفة:ـ اخلعي وشاحكِ وتصرفي بهدوء. أنتِ هنا لتطيعي فقط.تراجعت مي خطوة إلى الخلف، وضغطت بيدها على الوشاح الأسود الملفوف حول رأسها وكتفيها، وهزت رأسها برعب:ـ أرجوك... أستاذ كريم قال لي إنك ستساعدني... دعني أذهب، أرجوك.لم يرد الرجل على توسلاتها. تقدم نحوها بخطوات بطيئة وثابتة، ثم ألقى بجاكيته جانباً. وعندما حاولت مي الالتفاف لتفادي خطوته، امتدت يده القوية وسحبت الوشاح بحدة من حول عنقها، لينسدل شعرها الأشقر على كتفيها دفعة واحدة.صرخت مي وحاولت الابتعاد، لكنه جذبها من معصمها بقوة وقسوة بدون رحمة، ثم دفعها نحو الأريكة الكبيرة في منتصف الصالة.سقطت مي عليها وهي
كانت زخات المطر الخفيفة تضرب زجاج السيارة، بينما ظل الصمت يملأ المقعد الخلفي.جلست مي قرب النافذة، تلف الوشاح الاسود حول جسدها المجهد وتحاول أن تمنع ارتجاف جسدها. كانت تراقب الشوارع من خلف الزجاج المعتم، وكلما ابتعدت السيارة، شعرت أنها تبتعد أكثر عن بيتها، عن حيها، وعن كل شيء تعرفه.كانت خائفة، لكنها كانت تحاول أن تتمسك بشيء واحد.الأمل.أخبرت نفسها أن كريم جاء لينقذها. أنه الشخص الوحيد الذي مد يده إليها عندما لم يقف معها أحد. وربما، بعد كل الضرب والعنف الذي عاشته، كانت مستعدة للتعلق بأي قشة تمنحها شعوراً بالأمان.رفعت عينيها المجهدتين إلى المرآة الوسطى، فالتقت بنظرات كريم لثوانٍ.ابتسم لها ابتسامة هادئة.فابتسمت هي بخجل وتوتر، وكأنها تطمئن قلبها المذعور بأن كل شيء سيكون بخير أخيراً.كان كريم يقود بهدوء قاتل. عدّل نظارته الطبية على أنفه، ثم أعاد عينيه إلى الطريق دون أن ترف له جفن.بعد دقائق، قال بصوت دافئ:ـ اهدئي يا مي... بقي القليل فقط.مسحت مي دمعة دافئة عن خدها الشاحب وقالت:ـ إلى أين سنذهب؟نظر إليها من المرآة وأجاب بنبرة مطمئنة:ـ إلى مكان أفضل بكثير. الرجل الذي سنذهب إليه يعرفن







