登入الفصل الثلاثون:من تحت الرماد
فتحتُ الباب فوجدتُه واقفًا أمامي، مبللًا بالمطر، وعيناه تحملان توسلًا لم أره فيهما من قبل. لم يتكلم للحظات، فقط وقف يحدّق فيّ كأنه يتأكد أنني ما زلتُ هناك، حقيقية، لم أختفِ كسراب. — ليلى، — قال أخيرًا بصوت متصدع، — أتيتُ لأعتذر. عرفتُ بأمر وصية جدي، وأدركتُ أنني كنتُ على وشك أن أخسر كل شيء بسبب خوفي، لا بسبب أي دليل حقيقي ضدك. وقفتُ في الباب، لا أدعوه للدخول بعد، وقلتُ بصوت هادئ لكنه حازم: — آدم، لا أريدالفصل التاسع والثلاثون؛ الإعترافبعد سقوط سلمى وانكشاف حقيقة أبي، شعرتُ وكأن عاصفة كبرى بدأت تهدأ أخيرًا في حياتي. لكن عاصفة أخرى، أكثر حميمية وشخصية، كانت لا تزال تنتظر أن تجد طريقها إلى السطح: علاقتي المعلّقة مع آدم.دعاني في مساء هادئ إلى الشرفة الخاصة نفسها التي اعترف لي فيها أول مرة بمشاعره، وحين وصلتُ، وجدتُ الشرفة مضاءة بشموع بسيطة أنيقة، بعيدة عن أي مبالغة استعراضية، بل بدت أقرب إلى دفء حقيقي صادق.وقفتُ عند الباب لحظة أتأمل المشهد: الشموع الصغيرة المتناثرة بعناية غير مصطنعة، وكأس نبيذ فارغين ينتظران، ومدينة تلمع تحتنا كما لمعت في أول ليلة جلسنا فيها هنا معًا. شعرتُ بأن الدائرة بدأت تكتمل، وأن كل ما مررنا به من ألم وشك وخيانة كان يقودنا، رغمًا عنا أحيانًا، إلى هذه اللحظة بالذات.— ليلى، — بدأ بصوت هادئ لكنه واثق تمامًا، مختلف عن ترددات الأشهر الماضية، — مرّت أشهر منذ وقّعنا ذلك العقد البارد في مكتبي، عقد بدأ كصفقة مصلحة متبادلة بيننا. لكنني أريد الليلة أن أعترف لك بشيء لم أقله بوضوح كافٍ من قبل.انتظرتُ بصمت، وقلبي يخفق بقوة.
الفصل الثامن والثلاثون:سقوط الأختبعد يومين فقط من إفادة أبي الموثقة، وصل إلى مكتب آدم مغلف بريدي مجهول، يحتوي على نسخة من الوثيقة السرية التي كانت سلمى تخطط لاستخدامها، مرفقة برسالة قصيرة غير موقعة تقول: «فكرتُ في الأمر مليًّا، ولا أريد أن أكون جزءًا من دمار عائلة أخرى كما دُمرت عائلتي». عرفنا لاحقًا، من خلال تحقيق سامر الدقيق، أن المرسل كان كريمًا نفسه، الذي تمكن من الحصول على نسخة إضافية من الوثيقة قبل أن تتحرك سلمى بخطتها.لكن الأهم من ذلك، أن كريمًا أرفق أيضًا تسجيلًا صوتيًّا سريًّا لمحادثة بينه وبين سلمى، سجّله بهاتفه دون علمها، تكشف فيه بوضوح تام نيتها الابتزاز الصريحة، وتفاصيل تحالفها القديم مع فادي قبل أن تنقلب عليه لصالح سالم الحمداني، وحتى اعترافها الصريح بأنها دبّرت خيانتها الأولى لي بأمر مباشر من أبي منذ البداية.قرر آدم، بالتشاور معي ومع الجدة نورة، ألا نستخدم هذه الأدلة قانونيًّا ضد سلمى مباشرة، بل بطريقة أكثر ذكاءً: أرسل آدم نسخة من التسجيل، بشكل مجهول تمامًا عبر قناة قانونية غير قابلة للتتبع، إلى سالم الحمداني نفسه، تاركًا له أن يستمع بنفس
الفصل السابع والثلاثون :مواجهة الأبذهبتُ إلى بيت أبي القديم في صباح اليوم التالي، بصحبة آدم الذي أصرّ على مرافقتي رغم توتري الواضح. لم أزر ذلك البيت منذ ليلة هروبي الأولى تحت المطر، وشعرتُ بغرابة الوقوف أمام بابه من جديد، بعد كل ما تغيّر في حياتي منذ ذلك الحين.فتح أبي الباب بنفسه، وبدا متفاجئًا ومرتبكًا لرؤيتنا معًا، خاصة أن أخبار خلافي المؤقت مع آدم كانت قد وصلته عبر وسائل الإعلام. دخلنا صالة البيت المألوفة، وجلستُ أمامه بثبات لم أعرفه من قبل في حضرته.نظرتُ حولي إلى الصالة التي شهدت طفولتي كلها، فرأيتُ الأثاث نفسه، والستائر نفسها، لكن كل شيء بدا أصغر وأكثر بهتانًا مما تذكرته، كأن البيت الذي كان يومًا يمثل كل عالمي قد تقلّص فجأة أمام كل ما اكتشفته عن نفسي وعن العالم خارج جدرانه.— أبي، أريد الحقيقة الكاملة عن برج النخيل. كل التفاصيل، دون تجميل أو تبرير.شحب وجهه، وتجنب النظر إليّ مباشرة:— أخبرتك آدم بالفعل ما حدث. كانت ظروفًا صعبة، ضغوطًا من المستثمرين، أخطاء بشرية تحت وطأة المواعيد النهائية القاسية…— لا، — قاطعته ب
الفصل السادس والثلاثون:عودة كريمفي مساء ممطر خفيف، وبينما كنتُ أغادر مكتبي متأخرة، وجدتُ كريم ينتظرني بجوار سيارتي، بملامح قلقة ومتوترة بشكل غير معتاد حتى بالنسبة له.— ليلى، أحتاج أن أتحدث معك، الأمر عاجل جدًّا.جلسنا في مقهى قريب هادئ، فأخبرني بصوت خافت مرتجف:أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يواصل، وكأنه يجمع كل شجاعته المتبقية ليقول كلمات طالما خشي أن ينطق بها.لاحظتُ التغيّر الكبير في ملامحه منذ آخر لقاء بيننا؛ فقد بدا كريم أكثر نحولًا، وعيناه تحملان قلقًا حقيقيًّا لا يشبه أبدًا ذلك الرجل الواثق المتفاخر الذي عرفته يوم خطبتنا الأولى. جلس أمامي يعبث بكوب قهوته دون أن يشرب منه، كأنه يجمع شجاعته لقول ما جاء من أجله.طلبتُ له كوب شاي بالنعناع بدلًا من القهوة التي لم يلمسها، فابتسم ابتسامة خافتة شكرًا على تلك اللفتة الصغيرة، وبدا كمن لم يعتد أن يُعامَل بلطف منذ وقت طويل.— سلمى تخطط لشيء خطير جدًّا. سمعتُها الليلة الماضية تتحدث مع سالم الحمداني عن «الوثيقة الأخيرة» التي طالما تحدثت عنها، وهي، كما فهمتُ، مستندات تخص علاقة والدك ا
الفصل الخامس والثلاثون :حرب الاسعار لم يستسلم طارق بسهولة بعد خسارته في المزاد. خلال أسبوعين فقط، بدأت أسمع من عملائي عن عروض مغرية غير مسبوقة تصلهم من مكاتب استشارية أخرى، عروض بأسعار زهيدة جدًّا لدرجة يستحيل معها أن تكون مربحة لأصحابها، ما جعلني أدرك على الفور أن يدًا خفية تمول هذه الحملة لتجفيف منابع عملاء الياسمين قبل أن تكتمل عامها الأول. جلستُ مع فريقي الصغير في اجتماع طارئ، ووجوههم تحمل قلقًا واضحًا. قال محاسبي الشاب بصوت متوتر: — سيدة ليلى، خسرنا عميلين هذا الأسبوع فقط لصالح مكتب جديد يُدعى «النخبة للاستشارات»، يعرض أسعارًا أقل من تكلفتنا التشغيلية بنسبة أربعين بالمئة. لا يمكننا منافسة هذا دون أن نخسر المال في كل عقد نوقعه. بحثتُ في سجلات الشركة الجديدة، ووجدتُ، كما توقعت، خيطًا رفيعًا يقود إلى استثمار غير مباشر من شركة تابعة لعائلة الحمداني، مموَّل بسخاء لا يمكن تفسيره تجاريًّا إلا كخطوة انتقامية مدروسة يقف طارق خلفها بلا شك. شعرتُ بثقل الموقف: كيف تنافس شركة ناشئة صغيرة عملاقًا ماليًّا مستعدًّا لخسارة الملايين فقط لتحطيم اسم ليلى المنصور؟ فكرتُ طويلًا في تلك الليلة، أست
الفصل الرابع والثلاثون : المزادجاء يوم المزاد الكبير في قاعة مؤتمرات فخمة تابعة لهيئة الاستثمار الحكومية، وحضره كبار رجال الأعمال في المدينة. جلستُ في الصف المخصص لممثلي شركة الأفق الجديد، بصفتي مستشارتهم القانونية والمالية، بينما جلس آدم في الصف المقابل ممثلًا لمجموعة الراوي، بعد أن أُعلن رسميًّا عن تحالفنا المشترك قبل المزاد بيومين فقط، في مفاجأة أربكت المنافسين تمامًا.في الصف الآخر، جلس طارق بجانب سالم الحمداني، ووجهه يحمل توترًا واضحًا حين رأى إعلان التحالف الجديد الذي لم يتوقعه إطلاقًا. حاول أن يبدو هادئًا، لكن يديه كانتا تعبثان بقلمه بتوتر ملحوظ.بدأ المزاد بجولات تصاعدية سريعة، وارتفعت الأسعار بوتيرة محمومة بين المتنافسين الرئيسيين. في كل مرة يرفع فيها ممثل الحمداني رقمه، كنتُ أتبادل نظرة سريعة مع آدم، نحسب معًا الحد الأقصى الذي يمكن أن نصل إليه دون أن نخاطر بخسارة مالية غير محسوبة تضر بمصلحة الطرفين.في الجولة قبل الأخيرة، وحين اقترب السعر من الحد الذي اتفقنا عليه سابقًا، لاحظتُ تفصيلًا مثيرًا للقلق في وثائق المزاد المحدثة المعروضة على ا