LOGINإلينور فانسكنت أظن أن الأيام القليلة المقبلة ستمر بهدوء، خصوصًا بعد تلك الليلة التي انتهت بمصالحة جوليان وأنا. لكنني، على ما يبدو، كنت أطلب المستحيل حين يتعلق الأمر بزوجي.فجوليان لم يكن رجلًا يسمح للملل بالتسلل إلى حياتنا، حتى في الأيام التي يبدو فيها كل شيء على ما يرام.كنت أجلس في غرفة المعيشة، أراقب الأطفال الثلاثة وهم يلعبون على السجادة أمامي. كان أحدهم يحاول انتزاع لعبة من الآخر، بينما انشغل الثالث بتفكيك برج من المكعبات كنت قد أمضيت عشر دقائق في بنائه معه.تنهدت وأنا أعيد ترتيب المكعبات للمرة الثالثة."أعتقد أنني سأحتاج إلى إجازة من وظيفتي كأم."جاءني صوت جوليان من خلفي، مصحوبًا بضحكته الخافتة."وهل توجد وظيفة أخرى تتقاضين أجرًا مقابلها وتسمح لكِ بإلقاء اللوم على ثلاثة أطفال صغار طوال اليوم؟"التفتُّ إليه، فرأيته يخلع ساعته ويضعها على الطاولة الجانبية، وقد ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة المستفزة التي أصبحت أعرفها جيدًا."أنت محظوظ لأنهم أطفالك أيضًا، وإلا لكنت تركتهم لك ورحلت."اقترب مني، وانحنى ليطبع قبلة سريعة على جبيني."أنتِ لن تذهبي إلى أي مكان، يا حبيبتي.""هذا ما تقوله
إلينور فانسلم ينطق جوليان بكلمة واحدة منذ أن أمسك بيدي وقادني نحو سيارته.كان صمته أسوأ بكثير من أي صراخ قد يوجّهه إليّ؛ فملامحه الجامدة ونظراته الباردة كانتا كفيلتين بإشعاري بأنني ارتكبت خطأً فادحًا، وأن العاصفة التي تنتظرني لم تبدأ بعد.جلست إلى جواره، أحاول أن أبدو هادئة، بينما كانت أصابعي تعبث بحافة فستاني القصير. تمنيت لو أستطيع العودة بالزمن إلى الوراء، لا لأنني ندمت على الذهاب إلى حفلة إيفي، بل لأنني كنت أعرف تمامًا أن جوليان لن يسمح للأمر بالمرور بسهولة.ألقى نظرة خاطفة عليّ، ثم أعاد عينيه إلى الطريق."هل استمتعتِ بوقتك؟"ابتلعت ريقي."جوليان...""سألتك سؤالًا يا إلينور.""نعم، استمتعت."ارتفع أحد حاجبيه، وكأن إجابتي لم تكن سوى إضافة أخرى إلى قائمة الأسباب التي ستجعله يفقد أعصابه."رائع. يسعدني أنك قضيتِ وقتًا ممتعًا بينما كنتِ تكذبين عليّ.""لم أكذب عليك!"ضغط على المقود بيده، ثم التفت إليّ للحظة."حقًا؟ إذًا، ماذا تسمّين خروجك من المنزل متأنقة بهذا الشكل، وذهابك إلى حفلة لم تخبريني عنها بكلمة واحدة؟"احمرّ وجهي."إنها حفلة توديع عزوبية إيفي! لم أذهب إلى مكان سيئ، ولم أفعل ش
إلينورفي السابعة وخمس وعشرين دقيقة، كنت أقف أمام مرآة الحمام، وقد انتهيت من وضع مكياجي وتصفيف شعري.ارتديت فستانًا أسود أنيقًا يصل إلى منتصف فخذيّ، وانتعلت حذاءً بكعب عالٍ، ثم وضعت أقراطًا لامعة أكملت إطلالتي.تأملت نفسي في المرآة، وابتسمت بفخر.لم أخرج مع صديقاتي منذ وقت طويل، ولم أحضر حفلة حقيقية منذ زواجي من جوليان.كنت أحبه، ولم أكن أمانع قضاء الوقت معه، لكن جزءًا مني اشتاق إلى الضحك بحرية، والرقص، والتصرف بجنون قليلًا من دون أن أشعر بأنني مطالبة بتفسير كل خطوة أخطوها.أمسكت حقيبتي الصغيرة، ثم خرجت من غرفة النوم على أطراف أصابعي.كان جوليان في مكتبه، يتحدث عبر الهاتف.ألقيت نظرة خاطفة نحو الباب المفتوح، وحين لم أره في الممر، أسرعت إلى المدخل.لم يتبقَّ سوى أن أخرج.مددت يدي إلى مقبض الباب..."إلينور؟"تجمدت في مكاني.أغمضت عينيّ للحظة، ثم استدرت ببطء.كان جوليان يقف عند مدخل المكتب، وقد عقد ذراعيه أمام صدره.وقعت عيناه على فستاني، ثم انتقلتا إلى حذائي، قبل أن تستقرا على حقيبتي.ساد الصمت.صمت مخيف للغاية."إلى أين تذهبين؟" سأل أخيرًا.ابتسمت ابتسامة متكلفة."إلى منزل إيفي.""بهذه
إلينورلم أكن أخشى شيئًا في حياتي بقدر ما كنت أخشى أن يكتشف جوليان الأسرار التي أحاول إخفاءها عنه.فزوجي ليس رجلًا يسهل خداعه، وعيناه الحادتان لا تفوّتان أدق التفاصيل، حتى تلك التي قد يظنها الآخرون تافهة ولا تستحق الانتباه. إنه يعرف متى أكذب، ومتى أتوتر، ومتى أحاول التهرب من سؤال بسيط. والأسوأ من ذلك كله أنه يمتلك قدرة مستفزة على انتزاع الاعترافات مني بمجرد أن يرفع حاجبه وينظر إليّ بصمت.لكن هذه المرة، كان الأمر يستحق المخاطرة.اتصلت بي أختي إيفي في وقت مبكر من الصباح، وكان صوتها مليئًا بالحماس وهي تخبرني عن حفلة توديع عزوبيتها التي ستُقام تلك الليلة.وبالطبع، كان هناك شرط واحد لا يقبل النقاش.يجب أن أحضر من دون أن أخبر جوليان."أنتِ تمزحين، أليس كذلك؟" همست وأنا أتلفت حولي، كأن جوليان قد يظهر فجأة من خلف الباب.جاءني صوت إيفي عبر الهاتف حازمًا:"لا أمزح إطلاقًا! إنها حفلة توديع عزوبيتي، يا إلينور! لن أسمح لكِ بالاختباء في المنزل لأن زوجكِ الوسيم يحب أن يعرف كل شيء تفعلينه."أغمضت عينيّ للحظة."إنه لا يحب معرفة كل شيء."ساد الصمت على الطرف الآخر.ثم قالت إيفي بتهكم: "حقًا؟ وماذا تسمين
إلينوررفع جوليان يده ولمس خدي بإبهامه، ثم مرر أصابعه على شعري بحركة بطيئة."يا صغيرتي، لا أريدكِ أن تثبتي لي أو لأي شخص أنكِ أم جيدة من خلال مقدار التعب الذي تتحملينه."كانت نبرته هادئة، لكنها حملت قدرًا من الجدية جعلني أرفع رأسي عن كتفه."أنتِ أم جيدة بالفعل. أراكِ كل يوم، وأرى كيف تنظرين إليهم، وكيف يتغير وجهكِ عندما يبكون، وكيف تنسين نفسكِ تمامًا بمجرد أن يحتاج أحدهم إليكِ. لا تحتاجين إلى أن تنهكي جسدكِ حتى تثبتي أنكِ تحبينهم."تسللت الدموع إلى عينيّ رغمًا عني. لم تكن كلماته قاسية، بل كانت حنونة إلى حد جعلني أشعر بأنه يرى تعبي الذي أحاول إخفاءه، ويفهم أن رفضي للمساعدة لا يعني أنني لا أحتاج إلى الراحة، بل يعني أنني أخشى أن أفقد شيئًا لا يمكن تعويضه.ابتسمت له، ثم رفعت يده إلى شفتيّ وقبّلتها برقة."أنا لا أحاول إثبات شيء لأحد، جوليان. أنا فقط أريد أن أكون معهم. أريد أن أعيش هذه التجربة بكل ما فيها، حتى التعب والبكاء والليالي الطويلة. ربما سأشتكي أحيانًا، وربما سأبكي لأنني لا أعرف ماذا أفعل، لكنني لا أريد أن أستيقظ يومًا وأشعر بأنني فوّتُّ طفولتهم لأنني كنت أبحث عن طريقة تجعل كل شيء
إلينور ظننت أن النهايات السعيدة تنتهي بطفل وعائلة سعيدة ولكن ايقنت أن السعادة تنتهي بطفل.. نعم حقا يتحول الحب لشيء أكبر يسمي طفل. كنت أجلس على الأريكة في غرفة المعيشة، أحمل أحد التوأمين بين ذراعي، بينما كان الآخر نائمًا في سريره الصغير بالقرب مني. أما إلين، فكانت مستلقية على السجادة الناعمة أمامي، منشغلة بلعبتها المفضلة. ورغم الهدوء الذي ساد المنزل أخيرًا، فإن جسدي كان لا يزال مثقلًا بالتعب، وعيناي تحرقانني من قلة النوم، لكنني لم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتي كلما نظرت إلى أطفالي.كنت أُمرّر أصابعي برفق على ظهر صغيري، وأهمس له بكلمات هادئة حتى يغفو، حين جلس جوليان إلى جواري. كان قد راقبني لبعض الوقت بصمت، وعيناه تتنقلان بين وجهي الشاحب ويديّ اللتين تتحركان بحذر فوق جسد طفلنا الصغير. بدا وكأنه يفكر في شيء يشغل باله، لكنه لم يُرِد إزعاجي أو إثارة قلقي.مدّ يده نحو رأسي، وأزاح خصلة من شعري خلف أذني، ثم انحنى قليلًا ليطبع قبلة رقيقة على جبيني."حبيبتي، هل يمكنني التحدث معكِ في أمر ما؟"رفعت عينيّ إليه، ولاحظت نبرة صوته الهادئة التي اعتاد استخدامها كلما أراد مناقشة شيء مهم م
إلينور فانس انحنيتُ بجسدي، ألمس ببرودة أطراف أصابعي زجاجات الخمر المتناثرة التي ملأت المكان برائحة العفن متناثرة جوار جسد والدي المتهاوي أرضاً، مخموراً كما اعتدتُ عليه منذ خُلِقتُ.تنهدتُ بيأسٍ استعمر ثناياي من تكرار ذات المشهد طوال أعوامٍ طويلة؛ يأتي مخموراً فجراً بعد السهر في إحدى حانات الإيست إ
إلينور فانس تسمَّرتُ مكاني في ركن ذاك الحمام، بعدما لاحَ صَوت اللواء جوليان بلاك وود في الأرجاءِ مُعرِبًا عَن وجودِه. التفتتُ بِبُطء وكأن أطرافي قد تحولت إلى رصاص، حتى واجَهتُ عيناهُ العميقتانِ ؛ شعرتُ بهِ يُحَدِق داخِل روحي وليسَ عينايّ فحسب.مسحتُ بقايا دموعي العالِقةِ على حافةِ عَيني سريعًا، وع
إلينور فانس كان والدي قد اتصل عدة مرات أثناء حواري مع السيد جوليان، وها هو يتصل مرة أخرى، وقبل انتهاء رنين المكالمة؛ استنشقت أنفاسي أُجيبه على مضض:"ماذا تريد يا والدي؟""أهكذا تستقبل الابنة الصالحة مكالمة والدها؟ أحزنتني يا إلينور."صدح صوته المقيت يدلف مسامعي مسبباً امتعاض وجهي، مما جعلني أُضيق
إلينور فانس استيقظت مساءً بعد عدة ساعاتٍ، ولحسن حظي فلم تفوتني الحفلة بعد؛ فكان موعد الحفل التاسعة مساءً، فيما كانت الساعة لا تزال السابعة والنصف، لذا لا يزال أمامي ساعة ونصف.كنت أتمنى لو أستطيع رفض دعوة ذهابي، كحالها مع باقي الدعوات المرفوضة المتراكمة لديّ، ولكن وحسب علمي فهذا الحفل هو الأكبر وا







