Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-10-28 04:34:40

الفصل الثالث: عرضٌ لا يُرفض

جاء يوم الجمعة ثقيلًا على بيت السيوفي. منذ الصباح الباكر كانت منى تنظّف الصالون للمرة الثالثة، وتغيّر وضع الأطباق، وتسأل عن عدد أكواب الشاي، وكأن زيارة عزت الكيلاني اختبار تُقيَّم فيه العائلة كلها.

«ماما، الرجل لم يأتِ ليراقب الغبار على الأرفف»، قالت جوري وهي تحمل صينية الحلويات.

«أعرفه جيدًا، لن يقول شيئًا. لكن ليس معنى ذلك أن أقابله ببيت مهمل.» عدّلت منى الوشاح على رأسها. «ثم إنني لا أفهم لماذا تأخرتِ في الاستعداد. ألن تبدلي ثيابك؟»

نظرت جوري إلى بنطالها الجينز وقميصها الأبيض البسيط:

«أنا في بيتي. ولن أتغير لأي أحد.»

لكنها غيّرت قميصها في النهاية إلى آخر أنيق بلون الزيتون، دون أن تعترف لنفسها بأنها فعلت ذلك لإرضاء أمها وحدها.

وصلت سيارة سوداء فارهة بعد العصر بقليل. نزل منها سائق شاب فتح الباب الخلفي، وخرج عزت الكيلاني متكئًا على عصا من الأبنوس، يرتدي جلبابًا رماديًا فاخرًا وعباءة خفيفة. وخلفه نزل رجل طويل القامة في بدلة سوداء، يرتدي نظارة شمسية رغم أن الشمس كانت تميل إلى المغيب.

وقفت جوري خلف النافذة تتفرج، ولاحظت أن الرجل الأطول يتأمل البيت من الخارج بنظرة باردة فاحصة، كأنه يقدّر ثمنه. شعرت بشيء من الضيق يتسلل إلى صدرها.

«من هذا؟» سألت أمها.

«لا أعرف. ربما أحد أحفاد الحاج.»

دخل الضيفان الصالون، وأقبل فؤاد يستقبلهما بابتسامة مصطنعة ودفء كبير. عانق الحاج عزت طويلًا، وقال له:

«كل هذه السنين يا عزت! أين كنت؟»

«كنت أنتظر أن تزورني أنت، لكنك أصبحت رجلًا مهمًا ولا وقت عندك للأصدقاء القدامى.»

«وأنت تعلم أن هذا ليس صحيحًا.»

جلس الجميع. وقفت جوري عند الباب تحيّي الضيفين، فرفع الحاج عزت عينيه إليها وابتسم:

«ماشاء الله! أهذه جوري؟ كيف كبرتِ هكذا يا بنتي؟ كنت أراك طفلة بضفيرتين!»

«حفظك الله يا عمّي. أهلًا بك في بيتنا.»

مدّت يدها بمصافحة مهذبة، ثم التفتت إلى الرجل الواقف خلفه. كان قد خلع نظارته الآن، فظهرت عيناه الرماديتان الهادئتان الباردتان، وبدا وجهه جامدًا كأنه نُحت من صخرة.

«ليث، حفيدي»، قال الحاج بنبرة عفوية. «أظنك لا تذكرينه.»

«لا أذكره.» قالتها جوري بصراحة تامة.

«ولا أنا أذكرك.» كانت نبرة ليث خالية من أي تعبير. مدّ يده بمصافحة قصيرة جافة، لم تدم سوى ثانيتين. وفي هذه الثانيتين لاحظت جوري أن كفه دافئ على عكس ما توقعت، لكن نظرته كانت أبرد من الجليد.

دار الحديث أول الأمر حول الماضي والأصدقاء المشتركين وأحوال السوق، بينما انشغلت منى بتقديم الشاي والحلويات. جلست جوري على أريكة جانبية، تتظاهر بالإنصات وتختلس النظر إلى ليث. كان جالسًا معتدلًا، يمسك فنجانه بأطراف أصابعه، ولا يتكلم إلا حين يُسأل. وحين كان يتكلم، كانت جمله قصيرة وواضحة كأنها قرارات.

لاحظت أن أباها كان متوترًا أكثر مما ينبغي، وأن الجد عزت يحاول أن يبدو مسترخيًا لكنه يراقب الجميع. ثم وضع الحاج فنجانه فجأة وقال:

«فؤاد، أنا لم آتِ لأشرب الشاي فقط.»

ساد صمت مفاجئ. شعرت جوري بدقات قلبها تتسارع بلا سبب.

«قل ما عندك يا عزت.»

«أنت تعلم أنني أعتبرك أخًا لا مجرد صديق. وأنا رجل كبير، والأيام تمر، وأريد أن أطمئن على مستقبل أحفادي قبل أن أرحل.» وضع يده على كتف ليث. «ليث هو آخر من تبقى لي، وأريده أن يبني بيتًا وأسرة. وأنا لا أعرف بيتًا يستحق أن ينتسب إليه حفيدي أفضل من بيتك.»

تجمد الهواء في الصالون. نظرت جوري إلى أبيها فرأت وجهه شاحبًا، ثم إلى ليث الذي لم يتحرك فيه شيء، ثم إلى الحاج عزت الذي أكمل:

«جئت أطلب يد ابنتك جوري لحفيدي ليث.»

سقط فنجان من يد منى وانكسر على الأرض بصوت حاد. ركضت إلى المطبخ تبحث عن قطعة قماش وهي تتمتم باعتذار، بينما ظلت جوري جالسة في مكانها كتمثال، لا تستطيع تحريك ساقيها أو فكّيها.

«عذرًا؟» خرجت الكلمة من فمها مبحوحة. «ماذا قلتَ يا حاج؟»

«قلت إنني أطلب يدك يا بنتي، لحفيدي.»

نهضت جوري ببطء:

«أنا آسفة يا عمّي، لكن هذا مستحيل.»

«جوري!» قال أبوها بصوت خافت يحذّرها.

«لا يا بابا. أنا لا أتكلم بوقاحة، لكنني لن أصمت.» التفتت إلى الحاج عزت باحترام ثابت. «أنا أقدّرك كثيرًا، وأقدّر ما تحمله لنا من مودة. لكنني لا أتزوج بهذه الطريقة. لا أعرف حفيدك، وهو لا يعرفني، وأنا لا أقبل أن يتقرر مصيري في صالون بيتنا بين فنجاني شاي.»

«وأنا أحترم صراحتك»، قال الحاج بهدوء مدهش. «لكنني لم أطلب جوابًا الآن.»

«جوابي لن يتغير.»

كان الصمت التالي أثقل من الذي قبله. ثم سمعت جوري صوتًا غير متوقع، صوتًا هادئًا ساخرًا قليلًا:

«أنا أيضًا لا أتزوج بهذه الطريقة.»

التفتت إلى ليث. كان قد وضع فنجانه على الطاولة ونظر إليها لأول مرة نظرة مباشرة. قال بنبرة فاترة:

«يبدو أننا متفقان على أمر واحد على الأقل يا آنسة جوري. جدي يتخذ قراراته دون استشارة أحد.»

«وهل كنتَ تعلم بما سيقوله اليوم؟»

«علمت قبل خمسة أيام، ورفضت أيضًا.»

«ولماذا أنت هنا إذًا؟»

«لأنني لا أترك جدي يذهب إلى أي مكان وحده.» وقال ذلك بجفاف، لكن جوري التقطت في صوته نغمة لم يقصد إظهارها. كان يحب جده، رغم كل هذا البرود.

وقف الحاج عزت متكئًا على عصاه:

«يا أولادي، لا أحد يفرض عليكم شيئًا. أنا شيخ كبير يقول ما في قلبه، وأنتم أحرار. فكروا في الأمر. فؤاد، هل نكمل حديثنا في المكتب؟»

بقيت جوري وليث وحدهما في الصالون للحظات. وقفت هي قرب النافذة، وجلس هو في مكانه ينظر إلى السقف، كأنه ينتظر أن ينتهي هذا اليوم.

«تبدو مرتاحًا جدًا لرفضي»، قالت بنبرة حادة.

«لست مرتاحًا ولا منزعجًا.» نظر إليها. «أنا فقط أتساءل: لماذا ترفضين؟ أنا لا أسألك استنكارًا، بل فضولًا.»

«ولماذا ترفض أنت؟»

«سألتك أولًا.»

عقدت ذراعيها على صدرها:

«لأنني لا أحب أن يُتخذ قراري نيابة عني. ولأنني أبني حياتي بنفسي. ولأن الزواج بالنسبة إليّ ليس وسيلة لمجاملة أحد أو إنقاذ أحد.»

التقطت عينا ليث كلمة «إنقاذ» فتغير شيء طفيف في ملامحه. قال ببطء:

«إنقاذ؟ وهل تظنين أن جدي يريد إنقاذ أحد؟»

«لا أعرف. ربما يريد إنقاذك أنت من العزلة، أو ربما...» ترددت، ثم هزّت رأسها. «لا شيء. المهم أنني رفضت.»

أدار ليث رأسه نحو الباب الذي دخل منه الرجلان إلى المكتب، وقال بصوت منخفض:

«قد يكون للأمر أسباب لا نعرفها نحن الاثنان.»

«ماذا تقصد؟»

«لا شيء.» نهض وأغلق زر سترته. «سعدت بلقائك يا آنسة جوري. لا أظنك ستكونين سهلة على أي أحد.»

«وأنت لا تبدو سهلًا على أحد أيضًا.»

لمعت في عينيه شرارة سريعة، ربما كانت ضحكة لم تكتمل. ثم خرج من الصالون وهو يضع نظارته الشمسية على عينيه.

حين غادر الضيفان، دخلت جوري إلى المكتب فوجدت أباها جالسًا وحيدًا، يحدّق في كأس الماء الفارغ.

«ماذا قال لك؟»

«لا شيء مهم.»

«بابا!» اقتربت ووضعت يديها على المكتب. «لا تكذب عليّ. أنت تعرف أنني أعرف أن هناك شيئًا. لماذا طلب الحاج عزت يدي الآن بالذات، وأنت على حافة انهيار الشركة؟»

رفع أبوها رأسه ببطء، وعيناه تتجنبان عينيها:

«يا بنتي، هذه مصادفة.»

«أنا لا أؤمن بالمصادفات.»

صمت فؤاد طويلًا، ثم قال بصوت متعب:

«الحاج عزت عرض عليّ مساعدة. عرض أن يشتري حصة سامي، وأن يسدد جزءًا من القرض، دون أن يطلب شيئًا في المقابل. وأنا رفضت.»

«لماذا؟»

«لأنني لا أقبل مالًا من صديقي يشعرني بأنني أستجدي. وأنا لا أبيع ابنتي مقابل أي شيء في الدنيا يا جوري.» رفع نظره أخيرًا ووضع يده على يدها. «الزواج الذي تريدينه، أريده لك أنا أيضًا. اختاري ما تشائين، ولن أضغط عليك.»

كانت هذه الكلمات لتريحها لو كانت قد سمعتها قبل يومين. لكنها الآن، وهي ترى اليأس يتسرب من كل ملامح أبيها، لم تشعر بالراحة. شعرت بثقل جديد يستقر على كتفيها، ثقل لا اسم له.

أمسكت بيده وقالت:

«لن أتزوج رجلًا لا أعرفه من أجل أي شيء.»

«أعرف.»

«لكنني لن أتركك تغرق وحدك أيضًا.»

ابتسم أبوها ابتسامة حزينة وقال:

«ليس هذا ما أريده منك.»

خرجت جوري من المكتب ووقفت في الحديقة تحدّق في الشجرة التي كبرت معها. هبّت نسمة باردة حركت أوراقها، فشعرت بقشعريرة. وفي ذهنها ظل يتردد سؤال لا تعرف جوابه: لماذا نظر إليها ذلك الرجل البارد، وهو يقول «قد يكون للأمر أسباب لا نعرفها»، بنظرة من يعرف أكثر مما يقول؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الخامس

    الفصل الخامس: القصر الباردتمّ الزواج في ثلاثة أسابيع. لم تكن هناك قاعة فاخرة ولا مئات المدعوين ولا فرقة موسيقية، بل حفل صغير في حديقة قصر الكيلاني، بحضور العائلتين وبضعة أصدقاء مقربين وشيخ يعقد العقد في هدوء. أصرّ الحاج عزت على أن يكون كل شيء بسيطًا ووقورًا، وقال لمن سأله عن السبب: «الزواج الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج.»وقفت جوري أمام المرآة في غرفتها القديمة صباح ذلك اليوم، تنظر إلى الفتاة التي ترتدي فستانًا أبيض هادئًا بأكمام طويلة. لم تكن تشبه نفسها. بدت لها كممثلة تؤدي دورًا لا تحفظ حواره.«أنت جميلة يا جوري»، قالت أمها وقد اغرورقت عيناها.«لا تبكي يا ماما، سأفسد المكياج.»«سأبكي رغم أنفك.» عانقتها منى طويلًا. «وإن ضاقت بك الحياة هناك، فبيتك هنا مفتوح. دائمًا.»«أعرف.»وفي الركن كان فؤاد يقف صامتًا يحدّق في ابنته بعينين تحبسان شيئًا أكبر من الكلام. اقترب ببطء وقال بصوت منخفض:«سامحيني.»«على ماذا؟»«على أنني لم أستطع حمايتك من هذا كله.»أمسكت جوري بوجهه بين كفيها، وقالت بحزم رقيق:«لم تفشل يا بابا. أنت الذي علّمتني ألا أخاف. وها أنا لا أخاف.»كذبت في الجملة الأخيرة قليلًا، لكنها لم

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الرابع

    الفصل الرابع: شروط جوريمرّ أسبوع كامل لم يُذكر فيه اسم الكيلاني في بيت السيوفي. تظاهر الجميع بأن شيئًا لم يحدث، لكن الصمت كان أعلى من أي حديث. وفي كل ليلة كانت جوري تسمع من غرفتها خطوات أبيها وهو يتمشى في الممر الطويل حتى الفجر.وجاء الخبر الثاني يوم الأربعاء.عادت جوري من اجتماع مع مصوّرها الصديق، فوجدت أمها جالسة في المطبخ وأمامها ورقة رسمية في يدها. كانت منى تقرأ السطور ذاتها للمرة العاشرة، ووجهها ممتقع.«ماما، ما هذا؟»مدّت منى الورقة بلا كلام. أخذتها جوري وقرأت: إنذار أخير من البنك، بسداد القرض في موعد أقصاه تسعة أيام، وإلا تبدأ إجراءات الحجز على أصول الشركة والبيت المرهون ضمانًا.«بابا يعرف؟»«وصلني خطاب مثله باسمي لأن البيت مسجل باسمينا معًا. أخفيته عنه ثلاثة أيام لأنني لا أعرف كيف أخبره.» انهمرت دموع منى دون صوت. «أنا لا أبكي على الجدران يا جوري. أبكي لأنني لا أستطيع مساعدته.»جلست جوري بجانب أمها واحتضنتها. وفي تلك اللحظة، أدركت أن الكبرياء الذي ورثته من أبيها قد يصير ثمنه بيتًا كاملًا. وتذكرت كلمات الحاج عزت: «عرض عليّ مساعدة دون أن يطلب شيئًا». هل كان صادقًا؟ أم أن الزواج

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الثالث

    الفصل الثالث: عرضٌ لا يُرفضجاء يوم الجمعة ثقيلًا على بيت السيوفي. منذ الصباح الباكر كانت منى تنظّف الصالون للمرة الثالثة، وتغيّر وضع الأطباق، وتسأل عن عدد أكواب الشاي، وكأن زيارة عزت الكيلاني اختبار تُقيَّم فيه العائلة كلها.«ماما، الرجل لم يأتِ ليراقب الغبار على الأرفف»، قالت جوري وهي تحمل صينية الحلويات. «أعرفه جيدًا، لن يقول شيئًا. لكن ليس معنى ذلك أن أقابله ببيت مهمل.» عدّلت منى الوشاح على رأسها. «ثم إنني لا أفهم لماذا تأخرتِ في الاستعداد. ألن تبدلي ثيابك؟»نظرت جوري إلى بنطالها الجينز وقميصها الأبيض البسيط:«أنا في بيتي. ولن أتغير لأي أحد.»لكنها غيّرت قميصها في النهاية إلى آخر أنيق بلون الزيتون، دون أن تعترف لنفسها بأنها فعلت ذلك لإرضاء أمها وحدها.وصلت سيارة سوداء فارهة بعد العصر بقليل. نزل منها سائق شاب فتح الباب الخلفي، وخرج عزت الكيلاني متكئًا على عصا من الأبنوس، يرتدي جلبابًا رماديًا فاخرًا وعباءة خفيفة. وخلفه نزل رجل طويل القامة في بدلة سوداء، يرتدي نظارة شمسية رغم أن الشمس كانت تميل إلى المغيب.وقفت جوري خلف النافذة تتفرج، ولاحظت أن الرجل الأطول يتأمل البيت من الخارج بن

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الثاني

    الفصل الثاني: فتاة لا تنحني«ثلاث دقائق فقط تتبقى لك يا آنسة جوري.»قالتها المنسّقة وهي تنظر إلى ساعتها، ثم أشارت إلى باب القاعة الزجاجي. وقفت جوري السيوفي في الممر الضيق خارج القاعة، تضم إلى صدرها مجلدًا أزرق أنيقًا طبعته بنفسها في الثالثة فجرًا، وتحاول أن تهدّئ قلبها الذي يخفق كطبل في صدرها.كانت ترتدي بدلة رمادية فاتحة اشترتها خصيصًا لهذا اليوم بمدخراتها الخاصة، ووشاحًا بلون الخوخ يليّن صرامة المظهر، وشعرها البني الطويل مرفوعًا في كعكة بسيطة. وقفت أمام انعكاسها في زجاج الباب وهمست لنفسها:«أنتِ تعرفين كل كلمة. لا تتلعثمي.»دخلت القاعة. كان أمامها ثلاثة رجال وامرأة يجلسون خلف طاولة مستطيلة، وجوههم محايدة كوجوه القضاة. لم تكن هذه مجرد جلسة تقديم مشروع. كانت محاولتها الأخيرة لإقناع شركة «أفق» للتمويل الفني بدعم أول فيلم وثائقي طويل تنتجه بنفسها، عن النساء اللواتي يعملن في ورش الخزف القديمة بحي الفسطاط ويحافظن على مهنة توشك أن تندثر.بدأت بصوت متماسك:«سيداتي وسادتي، في حي الفسطاط تعمل سبعون امرأة في ورش صغيرة تحمل حرفةً عمرها ألف عام. ولا يعرف عنهن أحد شيئًا، لأن الكاميرات لا تذهب إلى

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الأول

    الفصل الأول: رجلٌ لا يخسرلم يكن «ليث الكيلاني» يؤمن بالمصادفات. كان يؤمن بالأرقام والعقود والرجال الذين يقولون «نعم» حين يريد، ويصمتون حين لا يريد. وفي الساعة التاسعة وخمس دقائق من صباح ذلك الثلاثاء الرمادي، كان يجلس على رأس طاولة اجتماعات طويلة من خشب الجوز في الطابق الثاني والأربعين من برج الكيلاني، يستمع إلى مدير المشتريات وهو يتلعثم في تبرير خسارة ثلاثة ملايين جنيه في صفقة أسمنت.كان المدير يتحدث وعيناه معلّقتان بالأوراق أمامه، وكأن الحروف ستنقذه. أما ليث فكان يسند ظهره إلى الكرسي الجلدي، وأصابعه متشابكة أمام فمه، ونظرته ثابتة كالحجر. لم يرفع صوته مرة واحدة منذ بدأ الاجتماع، وهذا ما كان يرعب موظفيه أكثر من الصراخ.قال أخيرًا بصوت هادئ منخفض:«انتهيت يا أستاذ مجدي؟»ابتلع الرجل ريقه:«أقصد فقط يا فندم أن السوق كان...»«السوق لا يخطئ. نحن من نخطئ.» قاطعه ليث دون أن يتحرك. «الصفقة وُقّعت دون مراجعة قانونية، ومن وقّعها قال إنه فعل ذلك بسبب الاستعجال. والاستعجال ليس سببًا، إنه اعتراف.»ساد صمت ثقيل. ألقى الجميع نظرات خاطفة نحو بعضهم، ثم نحو الباب كأن أحدهم يتمنى أن يدخل أي شيء ينقذ ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status