LOGINالفصل الثاني: فتاة لا تنحني
«ثلاث دقائق فقط تتبقى لك يا آنسة جوري.» قالتها المنسّقة وهي تنظر إلى ساعتها، ثم أشارت إلى باب القاعة الزجاجي. وقفت جوري السيوفي في الممر الضيق خارج القاعة، تضم إلى صدرها مجلدًا أزرق أنيقًا طبعته بنفسها في الثالثة فجرًا، وتحاول أن تهدّئ قلبها الذي يخفق كطبل في صدرها. كانت ترتدي بدلة رمادية فاتحة اشترتها خصيصًا لهذا اليوم بمدخراتها الخاصة، ووشاحًا بلون الخوخ يليّن صرامة المظهر، وشعرها البني الطويل مرفوعًا في كعكة بسيطة. وقفت أمام انعكاسها في زجاج الباب وهمست لنفسها: «أنتِ تعرفين كل كلمة. لا تتلعثمي.» دخلت القاعة. كان أمامها ثلاثة رجال وامرأة يجلسون خلف طاولة مستطيلة، وجوههم محايدة كوجوه القضاة. لم تكن هذه مجرد جلسة تقديم مشروع. كانت محاولتها الأخيرة لإقناع شركة «أفق» للتمويل الفني بدعم أول فيلم وثائقي طويل تنتجه بنفسها، عن النساء اللواتي يعملن في ورش الخزف القديمة بحي الفسطاط ويحافظن على مهنة توشك أن تندثر. بدأت بصوت متماسك: «سيداتي وسادتي، في حي الفسطاط تعمل سبعون امرأة في ورش صغيرة تحمل حرفةً عمرها ألف عام. ولا يعرف عنهن أحد شيئًا، لأن الكاميرات لا تذهب إلى هناك. وأنا أريد أن أذهب.» تحدثت عشرين دقيقة بلا توقف. عرضت مشاهد تجريبية صوّرتها بكاميرا استعارتها من صديقة، وأرقامًا دقيقة للميزانية، وخطة التوزيع على المهرجانات. وعندما انتهت، ساد صمت قصير، ثم سألها أحد الرجال، وكان رجلًا كبيرًا في السن بنظارة سميكة: «ما اسم والدك يا آنسة جوري؟» تجمدت ابتسامتها لحظة: «ولماذا يهم ذلك؟» «لأن الاسم الأخير في ملفك يشبه اسمًا نعرفه في عالم الأعمال.» «نعم، أنا ابنة فؤاد السيوفي. لكن هذا المشروع مشروعي أنا وحدي، ولا علاقة لأبي به ولا بتمويله ولا بأي شيء فيه. وإن كان هذا سيؤثر على قراركم، فأفضّل أن تقولوا لي الآن.» تبادل أعضاء اللجنة نظرات قصيرة. قالت المرأة الجالسة في المنتصف بلطف: «سنُعلمك بالنتيجة خلال أسبوع. شكرًا لك.» خرجت جوري من المبنى وتنفست بعمق. كان هواء أكتوبر لطيفًا، لكن توترها لم يهدأ. جلست على حافة رصيف قرب سيارتها الصغيرة القديمة، وأخرجت هاتفها فوجدت أربع مكالمات فائتة من صديقتها «ريم»، وخمس رسائل متتالية. اتصلت بها فورًا: «كيف كان العرض؟ حدثيني!» «لا أعرف يا ريم، ربما جيد، وربما لا. سألوني عن اسم أبي.» «وما المشكلة؟ ربما يكون هذا في صالحك.» «المشكلة أنني لا أريد أن يكون في صالحي. أريدهم أن يقبلوني لأن فكرتي جيدة، لا لأنني ابنة فلان.» وضعت يدها على جبينها. «أنا متعبة. لم أنم منذ يومين.» «تعالي نتغدى. على حسابي، وأنت تعرفين أنني لا أدعو أحدًا إلا نادرًا.» ضحكت جوري ضحكة قصيرة: «لا أستطيع. وعدت أمي أن أمر البيت عصرًا. هي قلقة على أبي منذ أيام، وهو لا يخبرنا بشيء.» كان بيت السيوفي في مدينة نصر، فيلا من ثلاثة طوابق بحديقة جميلة تعتني بها الأم بنفسها. استقبلتها رائحة الخبز الطازج، فعرفت أن أمها «منى» كانت تحاول أن تبدو طبيعية. هذه عادتها حين يضيق بها الهم: تخبز. «أهلًا يا حبيبتي. تعالي، ذوقي العجينة.» قبّلتها جوري على خدها: «أين أبي؟» «في المكتب منذ الفجر. لم يتغدَّ ولم يشرب قهوته. أخبريه أنت أن يأكل، فهو يسمع كلامك أكثر.» صعدت جوري السلم ببطء. كان باب مكتب أبيها مواربًا، ومن الداخل يتسلل صوت متقطع، صوت رجل يتحدث على الهاتف بنبرة مختنقة لم تسمعها منه قط. «لا يا سامي، لا أستطيع. أعطني أسبوعين فقط... أعرف أن الموعد النهائي بعد أيام، لكن البنك لن يوافق على تمديد القرض ما دام الحساب بهذا الشكل... كيف تسحب أنت أمواله الآن وأنت شريكي منذ عشرين عامًا؟» توقفت جوري عند الباب. كانت هذه أول مرة تسمع فيها أباها يتوسل. «سامي، أرجوك. لا أطلب منك مالًا. أطلب منك فقط ألا تفعل هذا في الوقت الخطأ.» ثم صمت طويل. ثم همس بصوت مكسور: «حسنًا. فهمت.» أنهى المكالمة ووضع الهاتف على المكتب، ثم أسند رأسه بين كفيه. كان ظهره العريض ينحني كما لم تره من قبل. لأول مرة رأت جوري أن أباها شيخ كبير. دفعت الباب بهدوء: «بابا؟» رفع رأسه بسرعة، وارتسمت على وجهه ابتسامة لم تصل إلى عينيه: «جوري! متى جئتِ؟ لم أسمع الباب.» «الآن.» اقتربت وجلست على حافة مكتبه كما كانت تفعل طفلة. «سمعتك.» «ماذا سمعتِ؟» «كل شيء يا بابا. أو على الأقل ما يكفي.» ساد صمت. نظر إليها أبوها طويلًا ثم قال بنبرة متعبة: «هذه أمور رجال يا بنتي، لا تشغلي بالك.» «أنا لست طفلة. ولا أحب أن أُعامل كأنني طفلة.» وضعت كفّها على يده. «أخبرني. من سامي؟» تنهد فؤاد السيوفي، وبدا فجأة أن الكلمات التي كان يحبسها تتدفق دفعة واحدة: «سامي الحداد. شريكي منذ بدأنا الشركة. كنا نأكل من طبق واحد. وفي الأشهر الأخيرة بدأت أرقام الشركة تتغير بطريقة لا أفهمها: شحنات تتأخر، وعقود تُلغى فجأة، وعملاء قدامى يتجهون إلى منافسين. حاولت أن أفهم، وكلما اقتربت من الحقيقة وجدت بابًا مغلقًا.» «وهو الآن يسحب أمواله؟» «يسحب كل ما يستطيع سحبه قانونيًا. وفي الوقت نفسه، يطلب البنك سداد القرض الكبير الذي أخذناه لتوسيع المخازن. وإن لم نسدد خلال ثلاثة أسابيع، فسيحجزون على الشركة، وربما على البيت أيضًا.» جمدت جوري. كلمة «البيت» سقطت في صدرها كحجر. تذكرت الحديقة التي تعتني بها أمها، وغرفتها القديمة في الطابق العلوي، والشجرة التي زرعها أبوها يوم ولادتها. «لماذا لم تخبرنا؟» «لأنني ظننت أنني سأحل الأمر قبل أن تعلموا. وأنا لا أريد أن أرى الخوف في عيني أمك، ولا الشفقة في عينيك.» «لا شفقة يا بابا، بل غضب.» وقفت جوري وقد احمرّ وجهها. «سامي هذا يجب أن يُحاسب. سنجد محاميًا، وسنوثق كل شيء، وأنا مستعدة أن أترك مشروعي وأعمل في الشركة...» «لا.» قاطعها أبوها بحزم لم تتوقعه. «لن تتركي حلمك بسببي. هذه آخر ما أقبله.» «لكن...» «لا يا جوري. أنتِ أحلامك ملكك، وأنا لن أسمح لأخطائي أن تحطمها.» احتضنته جوري وهي تحاول ألا تبكي. شمّت فيه رائحة العطر القديم نفسها التي عرفتها طوال عمرها، ورأت لأول مرة تجاعيد جديدة حول عينيه. على مائدة العشاء، كانت الأجواء متكلفة. أمها تتحدث عن الجيران وأسعار الخضار، وأبوها يومئ بين الحين والآخر دون أن يسمع شيئًا، وجوري تحرك الملعقة في الحساء. وحده «يوسف»، أخوها الصغير ذو السادسة عشرة، كان يأكل بشهية ويحكي عن مباراة كرة القدم في مدرسته، ولا يلاحظ أن البيت كله يتظاهر. وحين انتهوا من الطعام ورن الهاتف الأرضي، التقط فؤاد السماعة بتثاقل: «نعم؟... يا مرحبًا بك يا حاج عزت! أهلًا أهلًا، كيف حالك؟» رفعت جوري رأسها. اسم عزت الكيلاني لم تسمعه منذ سنوات، ومع ذلك لم تنسه. كان هو الرجل الوقور الذي يزور بيتهم في الأعياد، ويعطيها عيدية من الورق الأخضر الجديد وهي طفلة، ويقول لها مبتسمًا: «هذه البنت ستصير شيئًا عظيمًا يومًا ما.» أنهى أبوها المكالمة، وجلس وعلى وجهه تعبير غريب لم تفهمه جوري: «الحاج عزت سيزورنا يوم الجمعة بعد صلاة العصر.» «ما هذا الشرف المفاجئ؟» قالت منى بدهشة. «من عشر سنوات لم يفعل.» «قال إن عنده أمرًا يريد أن يحدثني فيه.» نظر فؤاد إلى ابنته نظرة سريعة ثم أبعدها. «أمر يخصنا جميعًا.» في غرفتها تلك الليلة، جلست جوري على سريرها وبسطت أمامها دفترًا قديمًا تدوّن فيه أفكار أفلامها. قلّبت الصفحات بأصابع شاردة، وتوقفت عند صفحة كتبت في أعلاها قبل عامين: «ثلاثة أشياء أريدها من الحياة: أن أصنع أفلامًا تُشاهد، وألا أعتمد على أحد، وألا يقرر أحد مكاني.» أمسكت القلم، وشعرت برعشة غريبة في أصابعها. لماذا شعرت أن زيارة عزت الكيلاني ليست زيارة عادية؟ ولماذا نظر إليها أبوها هكذا؟ وفي الطابق الأسفل، كان فؤاد السيوفي يقف في الشرفة الخلفية وحيدًا، يحدّق في الشجرة التي زرعها يوم ولد طفله الأول، ويتمنى لو لم يكن قد وصل إلى هذه اللحظة. كان يعرف لماذا سيأتي صديقه القديم. ويعرف أيضًا أن هذا الباب إن فُتح فلن يُغلق بسهولة. أما جوري، فقد وضعت الدفتر جانبًا وأطفأت الضوء، ولم تكن تدري أن حياتها التي خطّطت لها بعناية كانت تتغير في هذه اللحظة بالذات، في مكان بعيد، بكلمات قالها رجل عجوز على كرسي خشبي في شرفة قديمة.الفصل الخامس: القصر الباردتمّ الزواج في ثلاثة أسابيع. لم تكن هناك قاعة فاخرة ولا مئات المدعوين ولا فرقة موسيقية، بل حفل صغير في حديقة قصر الكيلاني، بحضور العائلتين وبضعة أصدقاء مقربين وشيخ يعقد العقد في هدوء. أصرّ الحاج عزت على أن يكون كل شيء بسيطًا ووقورًا، وقال لمن سأله عن السبب: «الزواج الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج.»وقفت جوري أمام المرآة في غرفتها القديمة صباح ذلك اليوم، تنظر إلى الفتاة التي ترتدي فستانًا أبيض هادئًا بأكمام طويلة. لم تكن تشبه نفسها. بدت لها كممثلة تؤدي دورًا لا تحفظ حواره.«أنت جميلة يا جوري»، قالت أمها وقد اغرورقت عيناها.«لا تبكي يا ماما، سأفسد المكياج.»«سأبكي رغم أنفك.» عانقتها منى طويلًا. «وإن ضاقت بك الحياة هناك، فبيتك هنا مفتوح. دائمًا.»«أعرف.»وفي الركن كان فؤاد يقف صامتًا يحدّق في ابنته بعينين تحبسان شيئًا أكبر من الكلام. اقترب ببطء وقال بصوت منخفض:«سامحيني.»«على ماذا؟»«على أنني لم أستطع حمايتك من هذا كله.»أمسكت جوري بوجهه بين كفيها، وقالت بحزم رقيق:«لم تفشل يا بابا. أنت الذي علّمتني ألا أخاف. وها أنا لا أخاف.»كذبت في الجملة الأخيرة قليلًا، لكنها لم
الفصل الرابع: شروط جوريمرّ أسبوع كامل لم يُذكر فيه اسم الكيلاني في بيت السيوفي. تظاهر الجميع بأن شيئًا لم يحدث، لكن الصمت كان أعلى من أي حديث. وفي كل ليلة كانت جوري تسمع من غرفتها خطوات أبيها وهو يتمشى في الممر الطويل حتى الفجر.وجاء الخبر الثاني يوم الأربعاء.عادت جوري من اجتماع مع مصوّرها الصديق، فوجدت أمها جالسة في المطبخ وأمامها ورقة رسمية في يدها. كانت منى تقرأ السطور ذاتها للمرة العاشرة، ووجهها ممتقع.«ماما، ما هذا؟»مدّت منى الورقة بلا كلام. أخذتها جوري وقرأت: إنذار أخير من البنك، بسداد القرض في موعد أقصاه تسعة أيام، وإلا تبدأ إجراءات الحجز على أصول الشركة والبيت المرهون ضمانًا.«بابا يعرف؟»«وصلني خطاب مثله باسمي لأن البيت مسجل باسمينا معًا. أخفيته عنه ثلاثة أيام لأنني لا أعرف كيف أخبره.» انهمرت دموع منى دون صوت. «أنا لا أبكي على الجدران يا جوري. أبكي لأنني لا أستطيع مساعدته.»جلست جوري بجانب أمها واحتضنتها. وفي تلك اللحظة، أدركت أن الكبرياء الذي ورثته من أبيها قد يصير ثمنه بيتًا كاملًا. وتذكرت كلمات الحاج عزت: «عرض عليّ مساعدة دون أن يطلب شيئًا». هل كان صادقًا؟ أم أن الزواج
الفصل الثالث: عرضٌ لا يُرفضجاء يوم الجمعة ثقيلًا على بيت السيوفي. منذ الصباح الباكر كانت منى تنظّف الصالون للمرة الثالثة، وتغيّر وضع الأطباق، وتسأل عن عدد أكواب الشاي، وكأن زيارة عزت الكيلاني اختبار تُقيَّم فيه العائلة كلها.«ماما، الرجل لم يأتِ ليراقب الغبار على الأرفف»، قالت جوري وهي تحمل صينية الحلويات. «أعرفه جيدًا، لن يقول شيئًا. لكن ليس معنى ذلك أن أقابله ببيت مهمل.» عدّلت منى الوشاح على رأسها. «ثم إنني لا أفهم لماذا تأخرتِ في الاستعداد. ألن تبدلي ثيابك؟»نظرت جوري إلى بنطالها الجينز وقميصها الأبيض البسيط:«أنا في بيتي. ولن أتغير لأي أحد.»لكنها غيّرت قميصها في النهاية إلى آخر أنيق بلون الزيتون، دون أن تعترف لنفسها بأنها فعلت ذلك لإرضاء أمها وحدها.وصلت سيارة سوداء فارهة بعد العصر بقليل. نزل منها سائق شاب فتح الباب الخلفي، وخرج عزت الكيلاني متكئًا على عصا من الأبنوس، يرتدي جلبابًا رماديًا فاخرًا وعباءة خفيفة. وخلفه نزل رجل طويل القامة في بدلة سوداء، يرتدي نظارة شمسية رغم أن الشمس كانت تميل إلى المغيب.وقفت جوري خلف النافذة تتفرج، ولاحظت أن الرجل الأطول يتأمل البيت من الخارج بن
الفصل الثاني: فتاة لا تنحني«ثلاث دقائق فقط تتبقى لك يا آنسة جوري.»قالتها المنسّقة وهي تنظر إلى ساعتها، ثم أشارت إلى باب القاعة الزجاجي. وقفت جوري السيوفي في الممر الضيق خارج القاعة، تضم إلى صدرها مجلدًا أزرق أنيقًا طبعته بنفسها في الثالثة فجرًا، وتحاول أن تهدّئ قلبها الذي يخفق كطبل في صدرها.كانت ترتدي بدلة رمادية فاتحة اشترتها خصيصًا لهذا اليوم بمدخراتها الخاصة، ووشاحًا بلون الخوخ يليّن صرامة المظهر، وشعرها البني الطويل مرفوعًا في كعكة بسيطة. وقفت أمام انعكاسها في زجاج الباب وهمست لنفسها:«أنتِ تعرفين كل كلمة. لا تتلعثمي.»دخلت القاعة. كان أمامها ثلاثة رجال وامرأة يجلسون خلف طاولة مستطيلة، وجوههم محايدة كوجوه القضاة. لم تكن هذه مجرد جلسة تقديم مشروع. كانت محاولتها الأخيرة لإقناع شركة «أفق» للتمويل الفني بدعم أول فيلم وثائقي طويل تنتجه بنفسها، عن النساء اللواتي يعملن في ورش الخزف القديمة بحي الفسطاط ويحافظن على مهنة توشك أن تندثر.بدأت بصوت متماسك:«سيداتي وسادتي، في حي الفسطاط تعمل سبعون امرأة في ورش صغيرة تحمل حرفةً عمرها ألف عام. ولا يعرف عنهن أحد شيئًا، لأن الكاميرات لا تذهب إلى
الفصل الأول: رجلٌ لا يخسرلم يكن «ليث الكيلاني» يؤمن بالمصادفات. كان يؤمن بالأرقام والعقود والرجال الذين يقولون «نعم» حين يريد، ويصمتون حين لا يريد. وفي الساعة التاسعة وخمس دقائق من صباح ذلك الثلاثاء الرمادي، كان يجلس على رأس طاولة اجتماعات طويلة من خشب الجوز في الطابق الثاني والأربعين من برج الكيلاني، يستمع إلى مدير المشتريات وهو يتلعثم في تبرير خسارة ثلاثة ملايين جنيه في صفقة أسمنت.كان المدير يتحدث وعيناه معلّقتان بالأوراق أمامه، وكأن الحروف ستنقذه. أما ليث فكان يسند ظهره إلى الكرسي الجلدي، وأصابعه متشابكة أمام فمه، ونظرته ثابتة كالحجر. لم يرفع صوته مرة واحدة منذ بدأ الاجتماع، وهذا ما كان يرعب موظفيه أكثر من الصراخ.قال أخيرًا بصوت هادئ منخفض:«انتهيت يا أستاذ مجدي؟»ابتلع الرجل ريقه:«أقصد فقط يا فندم أن السوق كان...»«السوق لا يخطئ. نحن من نخطئ.» قاطعه ليث دون أن يتحرك. «الصفقة وُقّعت دون مراجعة قانونية، ومن وقّعها قال إنه فعل ذلك بسبب الاستعجال. والاستعجال ليس سببًا، إنه اعتراف.»ساد صمت ثقيل. ألقى الجميع نظرات خاطفة نحو بعضهم، ثم نحو الباب كأن أحدهم يتمنى أن يدخل أي شيء ينقذ ال







