Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-10-28 04:35:56

الفصل الرابع: شروط جوري

مرّ أسبوع كامل لم يُذكر فيه اسم الكيلاني في بيت السيوفي. تظاهر الجميع بأن شيئًا لم يحدث، لكن الصمت كان أعلى من أي حديث. وفي كل ليلة كانت جوري تسمع من غرفتها خطوات أبيها وهو يتمشى في الممر الطويل حتى الفجر.

وجاء الخبر الثاني يوم الأربعاء.

عادت جوري من اجتماع مع مصوّرها الصديق، فوجدت أمها جالسة في المطبخ وأمامها ورقة رسمية في يدها. كانت منى تقرأ السطور ذاتها للمرة العاشرة، ووجهها ممتقع.

«ماما، ما هذا؟»

مدّت منى الورقة بلا كلام. أخذتها جوري وقرأت: إنذار أخير من البنك، بسداد القرض في موعد أقصاه تسعة أيام، وإلا تبدأ إجراءات الحجز على أصول الشركة والبيت المرهون ضمانًا.

«بابا يعرف؟»

«وصلني خطاب مثله باسمي لأن البيت مسجل باسمينا معًا. أخفيته عنه ثلاثة أيام لأنني لا أعرف كيف أخبره.» انهمرت دموع منى دون صوت. «أنا لا أبكي على الجدران يا جوري. أبكي لأنني لا أستطيع مساعدته.»

جلست جوري بجانب أمها واحتضنتها. وفي تلك اللحظة، أدركت أن الكبرياء الذي ورثته من أبيها قد يصير ثمنه بيتًا كاملًا. وتذكرت كلمات الحاج عزت: «عرض عليّ مساعدة دون أن يطلب شيئًا». هل كان صادقًا؟ أم أن الزواج هو الثمن الخفي لكل شيء؟

مضت ساعات وهي تفكر. وحين جاء الليل، فتحت دفترها القديم وكتبت تحت جملتها الأولى جملة جديدة: «ماذا لو كان الحل الوحيد هو ما أرفضه؟»

في صباح اليوم التالي، رنّ هاتفها برقم غير مسجّل. ردّت بتردد:

«مرحبًا؟»

«آنسة جوري؟ معك ناهد، مديرة مكتب الأستاذ ليث الكيلاني. يريد مقابلتك اليوم إن أمكن، في أي مكان تختارينه.»

كادت جوري تغلق الخط من الدهشة:

«لماذا؟»

«قال إنكِ ستعرفين.»

صمتت قليلًا، ثم قالت بصوت حازم:

«في مقهى قرب النيل. الساعة الرابعة.»

كان المقهى هادئًا، شبه خالٍ في ذلك الوقت. اختارت جوري طاولة في الزاوية الأبعد، تطل على النهر. وصلت قبل الموعد بربع ساعة لتعتاد المكان، وطلبت لنفسها عصير ليمون دون أن ترغب فيه. وحين وصل ليث في الرابعة تمامًا، كان يلبس بدلة داكنة وقميصًا أبيض بلا ربطة عنق، وفي يده ملف رفيع. جلس أمامها دون أن يبتسم.

«شكرًا لأنك قبلتِ.»

«لم أقبل شيئًا بعد. أنا أستمع فقط.»

«هذا يكفي.» وضع الملف على الطاولة ولم يفتحه. «قبل أن نبدأ، أريد أن أسألك سؤالًا بصراحة: هل تعلمين بوضع شركة والدك؟»

شدّت جوري أصابعها على كوب العصير:

«ولماذا تسأل؟»

«لأنني أعلم به. وأعلم أن الموعد النهائي بعد ثمانية أيام.»

تغيّر لون وجهها:

«كيف عرفت؟»

«لأن العالم الذي أعيش فيه صغير، والأخبار تُباع فيه كالخبز.» قالها دون تباهٍ. «جدي يعرف أيضًا، وربما هذا ما دفعه لطلب يدك الآن. لكنني لا أريدك أن تتخذي قرارك وأنت مخدوعة بأي شكل.»

رفعت جوري عينيها إليه، وقد خُيّل إليها أنها رأت في كلماته صدقًا غير متوقع. وبينما هي تفكر، أكمل:

«لن أقول لك إنني أريد هذا الزواج. أنا لا أريده. لكنني أحترم جدي، وأعرف أنه لا يطلب شيئًا إلا لسبب. وأنا مستعد لنقاش الموضوع كاتفاق واضح ومحدد، لا كحكاية رومانسية.»

«اتفاق؟»

«نعم. عقد، إن شئتِ تسميته. شروط معلنة من الطرفين، تحفظ حقوق كل منا. إذا وافقتِ عليها، فنكمل. وإذا لم توافقي، ننسحب معًا، ويفهم جدي أن الأمر لا يمكن فرضه.»

ظلت جوري صامتة. كانت ملامحه جادة لدرجة جعلتها تدرك أنه لا يمزح. ثم ابتسمت ابتسامة مريرة:

«أنت تتحدث عن الزواج كأنه صفقة شراء شركة.»

«لأن هذا أقصى ما أعرفه عنه.»

«وأنا أعرف شيئًا آخر. الزواج الذي رأيته في بيتي هو اثنان يسندان بعضهما حين يسقط أحدهما.» ثم هزّت رأسها. «لكنني لست في موقف يسمح لي بالرومانسية. حسنًا. إن كان اتفاقًا، فاسمع شروطي.»

أخرجت من حقيبتها ورقة طويلة مطوية بعناية، كتبتها ليلة أمس على سبيل الاحتياط، دون أن تعلم أنها ستحتاج إليها بهذه السرعة.

«أولًا»، قرأت بصوت ثابت، «أحتفظ بحقي الكامل في العمل. لن أترك مشروعي ولن أقلل من ساعات عملي بسبب أي التزام اجتماعي أو عائلي.»

«موافق.»

«ثانيًا: لا تتدخل في عملي ولا في قراراتي المهنية ولا في اختيار فريقي. لا بالمال ولا بالنفوذ.»

مرّ لحظة قبل أن يجيب، وفكه يشتد قليلًا:

«موافق.»

«ثالثًا: أحتفظ باستقلالي المالي. لا أقبل منك مصروفًا ولا مساعدة ولا هدية مالية. وسأدفع نصيبي من أي نفقات مشتركة.»

رفع حاجبه:

«هذا غير ضروري.»

«ضروري بالنسبة إليّ.»

«موافق.» قالها على مضض.

«رابعًا: لا أطيع أوامر. إن أردت شيئًا فاطلبه، وسأقرر أنا إن كان يناسبني أم لا. وأنا أيضًا لن أفرض عليك شيئًا.»

ابتسم ليث ابتسامة قصيرة جافة:

«سيكون هذا الأصعب.»

«هل هو مشكلة؟»

«ليس مشكلة. سأتعلمه.»

«خامسًا»، توقفت جوري لحظة، ثم أكملت بنبرة أخفض، «علاقتنا ستكون علاقة احترام وصراحة. لا كذب بيننا، ولا إخفاء شيء يمس الآخر. إن كان هناك ما يجب أن أعرفه، فأريد أن أعرفه منك أنت لا من غيرك.»

لم يجب ليث على الفور. ظل ينظر إلى الورقة في يدها، وللحظة بدا أن شيئًا مر في عينيه، ظل كظل طائر يعبر نافذة. ثم قال:

«موافق.»

انتبهت جوري إلى أن الإجابة جاءت أبطأ من الأخريات، لكنها لم تقف عندها طويلًا.

«أخيرًا»، قالت وهي تطوي الورقة، «إذا شعر أي منا في أي وقت بأن هذا الاتفاق لا يصلح، فنفترق باحترام، وبلا فضائح، وبلا أن يعاقب أحدنا عائلة الآخر.»

«وإن قلنا لا بعد الزواج؟»

«فنقولها بهدوء. العقد يُنهى كما يبدأ، بالصدق.»

هزّ ليث رأسه:

«موافق على كل ما قلتِ. وعندي أنا أيضًا شروط.»

«تفضل.»

فتح الملف أخيرًا، وأخرج ورقة واحدة مكتوبة بخط منظم:

«أولًا: أمام العائلة والناس، نبدو زوجين طبيعيين. لا خلافات علنية ولا إحراج لجدي. ثانيًا: نقيم في قصر الكيلاني، لأن جدي مريض ولا أترك مسؤوليته. ثالثًا: لا أحد في الخارج يعرف تفاصيل هذا الاتفاق. وأخيرًا...» رفع عينيه إليها، «أن تخبريني فورًا إن حدث لك أي ضرر أو تهديد، مهما كان مصدره.»

استغربت جوري الشرط الأخير:

«تهديد؟»

«لقب الكيلاني يجلب أعداء أكثر مما تتخيلين.»

عبرت الكلمات في ذهنها كالرعشة، لكنها هزّت رأسها:

«موافقة.»

ساد الصمت. كان النيل أمامهما يتلألأ بضوء الظهيرة الأخيرة، وفي الخلفية يتردد رنين أكواب من داخل المقهى. قال ليث بصوت أقل رسمية:

«لم تسأليني لماذا وافقت.»

«قلت إن جدك يطلب لسبب، وإنك تحترمه.»

«هذا جزء من الحقيقة.» تردد، ثم أضاف: «والجزء الآخر أنني لا أريد أن أترك جدي يرحل وهو يظن أنني خذلته. هذا كل شيء.»

نظرت إليه جوري طويلًا، ثم قالت بحذر:

«ليث، سأسألك سؤالًا أخيرًا، وأريد جوابًا صادقًا. هل كان لك دخل في أزمة أبي؟»

لم يتحرك في وجهه شيء، لكن أصابعه توقفت عن النقر على الطاولة:

«لا.»

«وهل كنت على علم بها قبل أن يحدثك جدك؟»

كانت هذه اللحظة التي صمت فيها ليث أطول من اللازم، قبل أن يقول بنبرة بلا تعبير:

«لم أكن أعرف التفاصيل.»

لم تنتبه جوري إلى أن الجواب لم يكن «لا». كانت مشغولة بالتفكير في خطوتها التالية. مدّت يدها بالمصافحة:

«إذن اتفقنا.»

صافحها بقبضة دافئة قصيرة:

«اتفقنا.»

وبينما غادرت المقهى، لم تلتفت لتراه يجلس طويلًا بلا حراك أمام فنجان لم يلمسه. كان ليث الكيلاني قد كذب لأول مرة على امرأة لم يمضِ على معرفته بها سوى ساعة، وشعر أن ثمن هذه الكذبة سيكون أكبر مما يظن.

في الليل، دخلت جوري على والديها في غرفة الجلوس. كان أبوها يشاهد نشرة الأخبار دون اهتمام، وأمها تطرّز مفرشًا قديمًا.

«بابا، ماما... أريد أن أقول لكما شيئًا.»

أطفأ فؤاد التلفاز. نظر إلى وجه ابنته وفهم قبل أن تتكلم:

«لا يا جوري.»

«لم أقل شيئًا بعد.»

«ولا حاجة لأن تقولي. لا أريدك أن تفعلي هذا من أجلي.»

«لست أفعله من أجلك فقط.» جلست أمامه ووضعت كفيها على ركبتيه. «أنا لست ضحية يا بابا. تحدثتُ إليه وكتبتُ شروطي، ووافق على جميعها. إن لم أحب الحياة هناك فسأقولها بصراحة وأخرج. هذا حقي.»

«ولماذا وافقتِ؟» سألت منى بصوت مرتعش.

نظرت جوري إلى أمها، وإلى الشجرة خلف زجاج النافذة، وإلى أخيها الذي ظهر على الدرج متثائبًا ثم تجمّد حين رأى الوجوه. وقالت بابتسامة صغيرة متعبة:

«لأنني أحب هذا البيت. ولأنني أحب من فيه. وهذه ليست تضحية، بل قرار.»

لم يقل أحد شيئًا. وفي صمت الغرفة، أدركت جوري أنها لأول مرة في حياتها وافقت على أمر لم يكن ضمن أحلامها، ولم تكن متأكدة إن كانت قد اتخذت أحكم قرار في حياتها... أم أكثرها جنونًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الخامس

    الفصل الخامس: القصر الباردتمّ الزواج في ثلاثة أسابيع. لم تكن هناك قاعة فاخرة ولا مئات المدعوين ولا فرقة موسيقية، بل حفل صغير في حديقة قصر الكيلاني، بحضور العائلتين وبضعة أصدقاء مقربين وشيخ يعقد العقد في هدوء. أصرّ الحاج عزت على أن يكون كل شيء بسيطًا ووقورًا، وقال لمن سأله عن السبب: «الزواج الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج.»وقفت جوري أمام المرآة في غرفتها القديمة صباح ذلك اليوم، تنظر إلى الفتاة التي ترتدي فستانًا أبيض هادئًا بأكمام طويلة. لم تكن تشبه نفسها. بدت لها كممثلة تؤدي دورًا لا تحفظ حواره.«أنت جميلة يا جوري»، قالت أمها وقد اغرورقت عيناها.«لا تبكي يا ماما، سأفسد المكياج.»«سأبكي رغم أنفك.» عانقتها منى طويلًا. «وإن ضاقت بك الحياة هناك، فبيتك هنا مفتوح. دائمًا.»«أعرف.»وفي الركن كان فؤاد يقف صامتًا يحدّق في ابنته بعينين تحبسان شيئًا أكبر من الكلام. اقترب ببطء وقال بصوت منخفض:«سامحيني.»«على ماذا؟»«على أنني لم أستطع حمايتك من هذا كله.»أمسكت جوري بوجهه بين كفيها، وقالت بحزم رقيق:«لم تفشل يا بابا. أنت الذي علّمتني ألا أخاف. وها أنا لا أخاف.»كذبت في الجملة الأخيرة قليلًا، لكنها لم

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الرابع

    الفصل الرابع: شروط جوريمرّ أسبوع كامل لم يُذكر فيه اسم الكيلاني في بيت السيوفي. تظاهر الجميع بأن شيئًا لم يحدث، لكن الصمت كان أعلى من أي حديث. وفي كل ليلة كانت جوري تسمع من غرفتها خطوات أبيها وهو يتمشى في الممر الطويل حتى الفجر.وجاء الخبر الثاني يوم الأربعاء.عادت جوري من اجتماع مع مصوّرها الصديق، فوجدت أمها جالسة في المطبخ وأمامها ورقة رسمية في يدها. كانت منى تقرأ السطور ذاتها للمرة العاشرة، ووجهها ممتقع.«ماما، ما هذا؟»مدّت منى الورقة بلا كلام. أخذتها جوري وقرأت: إنذار أخير من البنك، بسداد القرض في موعد أقصاه تسعة أيام، وإلا تبدأ إجراءات الحجز على أصول الشركة والبيت المرهون ضمانًا.«بابا يعرف؟»«وصلني خطاب مثله باسمي لأن البيت مسجل باسمينا معًا. أخفيته عنه ثلاثة أيام لأنني لا أعرف كيف أخبره.» انهمرت دموع منى دون صوت. «أنا لا أبكي على الجدران يا جوري. أبكي لأنني لا أستطيع مساعدته.»جلست جوري بجانب أمها واحتضنتها. وفي تلك اللحظة، أدركت أن الكبرياء الذي ورثته من أبيها قد يصير ثمنه بيتًا كاملًا. وتذكرت كلمات الحاج عزت: «عرض عليّ مساعدة دون أن يطلب شيئًا». هل كان صادقًا؟ أم أن الزواج

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الثالث

    الفصل الثالث: عرضٌ لا يُرفضجاء يوم الجمعة ثقيلًا على بيت السيوفي. منذ الصباح الباكر كانت منى تنظّف الصالون للمرة الثالثة، وتغيّر وضع الأطباق، وتسأل عن عدد أكواب الشاي، وكأن زيارة عزت الكيلاني اختبار تُقيَّم فيه العائلة كلها.«ماما، الرجل لم يأتِ ليراقب الغبار على الأرفف»، قالت جوري وهي تحمل صينية الحلويات. «أعرفه جيدًا، لن يقول شيئًا. لكن ليس معنى ذلك أن أقابله ببيت مهمل.» عدّلت منى الوشاح على رأسها. «ثم إنني لا أفهم لماذا تأخرتِ في الاستعداد. ألن تبدلي ثيابك؟»نظرت جوري إلى بنطالها الجينز وقميصها الأبيض البسيط:«أنا في بيتي. ولن أتغير لأي أحد.»لكنها غيّرت قميصها في النهاية إلى آخر أنيق بلون الزيتون، دون أن تعترف لنفسها بأنها فعلت ذلك لإرضاء أمها وحدها.وصلت سيارة سوداء فارهة بعد العصر بقليل. نزل منها سائق شاب فتح الباب الخلفي، وخرج عزت الكيلاني متكئًا على عصا من الأبنوس، يرتدي جلبابًا رماديًا فاخرًا وعباءة خفيفة. وخلفه نزل رجل طويل القامة في بدلة سوداء، يرتدي نظارة شمسية رغم أن الشمس كانت تميل إلى المغيب.وقفت جوري خلف النافذة تتفرج، ولاحظت أن الرجل الأطول يتأمل البيت من الخارج بن

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الثاني

    الفصل الثاني: فتاة لا تنحني«ثلاث دقائق فقط تتبقى لك يا آنسة جوري.»قالتها المنسّقة وهي تنظر إلى ساعتها، ثم أشارت إلى باب القاعة الزجاجي. وقفت جوري السيوفي في الممر الضيق خارج القاعة، تضم إلى صدرها مجلدًا أزرق أنيقًا طبعته بنفسها في الثالثة فجرًا، وتحاول أن تهدّئ قلبها الذي يخفق كطبل في صدرها.كانت ترتدي بدلة رمادية فاتحة اشترتها خصيصًا لهذا اليوم بمدخراتها الخاصة، ووشاحًا بلون الخوخ يليّن صرامة المظهر، وشعرها البني الطويل مرفوعًا في كعكة بسيطة. وقفت أمام انعكاسها في زجاج الباب وهمست لنفسها:«أنتِ تعرفين كل كلمة. لا تتلعثمي.»دخلت القاعة. كان أمامها ثلاثة رجال وامرأة يجلسون خلف طاولة مستطيلة، وجوههم محايدة كوجوه القضاة. لم تكن هذه مجرد جلسة تقديم مشروع. كانت محاولتها الأخيرة لإقناع شركة «أفق» للتمويل الفني بدعم أول فيلم وثائقي طويل تنتجه بنفسها، عن النساء اللواتي يعملن في ورش الخزف القديمة بحي الفسطاط ويحافظن على مهنة توشك أن تندثر.بدأت بصوت متماسك:«سيداتي وسادتي، في حي الفسطاط تعمل سبعون امرأة في ورش صغيرة تحمل حرفةً عمرها ألف عام. ولا يعرف عنهن أحد شيئًا، لأن الكاميرات لا تذهب إلى

  • زوجة تحت الاختبار    الفصل الأول

    الفصل الأول: رجلٌ لا يخسرلم يكن «ليث الكيلاني» يؤمن بالمصادفات. كان يؤمن بالأرقام والعقود والرجال الذين يقولون «نعم» حين يريد، ويصمتون حين لا يريد. وفي الساعة التاسعة وخمس دقائق من صباح ذلك الثلاثاء الرمادي، كان يجلس على رأس طاولة اجتماعات طويلة من خشب الجوز في الطابق الثاني والأربعين من برج الكيلاني، يستمع إلى مدير المشتريات وهو يتلعثم في تبرير خسارة ثلاثة ملايين جنيه في صفقة أسمنت.كان المدير يتحدث وعيناه معلّقتان بالأوراق أمامه، وكأن الحروف ستنقذه. أما ليث فكان يسند ظهره إلى الكرسي الجلدي، وأصابعه متشابكة أمام فمه، ونظرته ثابتة كالحجر. لم يرفع صوته مرة واحدة منذ بدأ الاجتماع، وهذا ما كان يرعب موظفيه أكثر من الصراخ.قال أخيرًا بصوت هادئ منخفض:«انتهيت يا أستاذ مجدي؟»ابتلع الرجل ريقه:«أقصد فقط يا فندم أن السوق كان...»«السوق لا يخطئ. نحن من نخطئ.» قاطعه ليث دون أن يتحرك. «الصفقة وُقّعت دون مراجعة قانونية، ومن وقّعها قال إنه فعل ذلك بسبب الاستعجال. والاستعجال ليس سببًا، إنه اعتراف.»ساد صمت ثقيل. ألقى الجميع نظرات خاطفة نحو بعضهم، ثم نحو الباب كأن أحدهم يتمنى أن يدخل أي شيء ينقذ ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status