LOGINكانت فى العاشرة من عمرها عندما عادت الى مصر مع والداها 《 كرم الشربينى 》و والدتها 《 ليلى 》.
كانوا قد امضوا سنوات عمرها فى بلد خليجية حيث كان والدها يعمل مهندسا و قد تعرف على امها هناك فقد كانت قد حضرت لتلك البلد فى عطلة مع اسرتها لزيارة شقيقها الذى كان يعمل بتلك البلد و تعرفت على والدها فى حفلة كان يقيمها ثرى عربى كان صديقا لوالد ملك و فى نفس الوقت كان مديرا لخالها ... كان 《كرم》 والد ملك قد امضى عدة سنوات فى تلك البلد قبل تعرفه على والدتها و وضع يده على بداية طريق الثراء بفضل عقليته الهندسية المتطورة ، لذلك كان يعتبر عريسا كالحلم بالنسبة لأسرة والدتها المتواضعه ... و وافقوا على الفور على زواج ابنتهم منه ، و بالفعل تم الزواج و اقامت والدتها معه و انجبوا ملك .. كانت طفولة ملك غير سعيدة ، الا فى لحظات قليلة تلك التى كانت أمها تحاول فيها أسعادها ... فقد كانت أمها ذات حس مرهف تعشق الفن و الرسم و القراءة ...على النقيض من والدها الذى كان ذو طبع فظ قاسى .. كانت أمها تحاول تعويضها عن كل ما ينقصها. تجلس معها ليلًا، تمشط شعرها برفق . كانت تصنع لها الحلوى التي تحبها، وتترك لها رسائل صغيرة قرب سريرها، وتبتكر أسبابًا بسيطة لتجعلها تضحك. و تحكى لها القصص الجميلة حتى تغفو، و تجعلها ترى الصور فى الكتب و ترسم معها صور ملونة .. و تخبرها انها ستكون أميرة جميلة عندما تكبر فقد كانت ملك تمتلك وجها غاية فى الجمال و الجاذبية و البراءة فى نفس الوقت ، و عيونها زرقاء ساحرة كعيون أمها ، و شعرها بلون بنى فاتح ناعم يصل الى خصرها و يشبه شعر والدتها تماما ، فقد كانت ملك نسخه متطابقة و ان كانت اكثر جمالا من امها ... و لكن لم تكن طفولة ملك تشبه الطفولة التي قرأت عنها في القصص. لم تكن تعرف معنى أن تركض إلى والدها لتخبره بما حدث معها في يومها، أو أن تلقي بنفسها بين ذراعيه حين تخاف، أو أن تتباهى أمام الآخرين بأنه يحبها أكثر من أي شيء في العالم. فوالدها لم يكن رجلًا يسهل الاقتراب منه. كان حضوره وحده كافيًا ليتبدل الجو داخل المنزل، وكأن عليهم ان يتذكروا فجأة أن عليهم الانتباه إلى كل كلمة، وكل حركة، وحتى الطريقة التي يتنفسون بها. و تعلمت ملك منذ سنواتها الأولى أن تراقب وجهه قبل أن تتحدث. إن كان حاجباه معقودين، التزمت الصمت. وإن وضع جريدته جانبًا بعنف، أسرعت إلى غرفتها. وإن ناداها بغضب و صوته حاد يمده بنطق اسمها ، شعرت بقلبها يهبط إلى قدميها، لأنها لم تكن تسمع اسمها بهذه الطريقة إلا حين تكون قد ارتكبت خطأ، أو حين يكون هو قد قرر أن شيئًا ما لا يعجبه. حتى خطواته كانت تحفظها. كانت تعرف وقع حذائه في الممر، وتستطيع من صوت الباب أن تدرك إن كان غاضبًا أم لا يزال هادئًا. لم يكن أحد قد طلب منها أن تتعلم كل ذلك، لكنها تعلمته وحدها، مثلما يتعلم المرء طريق النجاة في مكان لا يشعر فيه بالأمان. كان طبع والدها مخيفا قاسيا غاضبا على الدوام يجعلها ترتجف هلعا و رعبا ، كانت تخشى فعل اي شيء لاغضابه دوما ما كانت تختبئ منه ، ما ان تسمع صوته يدوي في المنزل وكم كانت تحزن لاجل والدتها ، فعلى الرغم من ان والدها استطاع في فتره بسيطه بسبب ذكائه الحاد ومهاراته العلميه المبهرة ، حيث كان مهندس عبقرى ، في الارتقاء بسرعه في العمل بل وامتلاك شركه هندسيه كبيرة استطاع في عده سنوات كسب اموال طائله من خلالها ، الا انه كان معهما سيء الطباع الى ان قرر عندما اصبحت ملك في العاشره من عمرها الرجوع لمصر. ما ان عادوا حتى قام بشراء عدة فدادين لوالده فى بلدهم رغم عدم اقامتهم فيها الان و لكن ليعوض والده و يرفع من شأنه و يعوضه عن سنوات التعب و الشقاء . و قام ايضا بشراء فيلتين فى نفس المدينة الجديدة الذى كان زوج عمتها 《دلال》 والد سليم 《سالم الجوهرى 》قد أقام قصر فخم لأسرته المكونه من عمتها و خمسة اولاد بها ، فقد كان 《سالم الجوهرى 》زوج عمتها دلال ، رجل اعمال من عائلة عريقة ثرية . كانت احدى الفيلتين كبيرة بعدة ادوار أعطاها والد ملك لوالده و اخوته و زوجاتهم ليقيموا فيها فقد اختارها كبيرة لتكفى العائله الكبيرة بأكملها فقد كانت ظروف اخواته ليست جيدة و اماكن سكنهم كذلك ، فاراد ان يجمعهم جميعا فى مكان واحد كما كان والده يحلم . أما الفيلا الثانية كانت صغيرة انيقة بجوار الفيلا الكبيرة و اقام فيها مع ملك و ليلى زوجته .وذات يوم، وجدت احد الكتب المفضله لديها ، كان يخص والدتها و الذى كان فى غرفتها فلم يحرقه والدها مع بقية كتب امها ممزق الصفحات... كانت قد احتفظت به من مكتبة أمها، ولم يكن أحد يعرف قيمته عندها. سألت الفتاتين عما حدث، فابتسمت الصغرى وقالت: - الكتب القديمة دي أصلًا ما تستاهلش. التفتت ملك إلى زوجة أبيها، تنتظر منها أن تطلب من ابنتها الاعتذار. لكن المرأة قالت بلامبالاة: - كان لازم تحافظي على حاجتك بدل ما تسيبيها في مكان الكل بيدخله. - أنا كنت مخبياه في درج مكتبي. - يبقى اتعلمي تقفلي درجك كويس. لم يكن في صوتها ما يوحي بأنها ستبحث عمن فعل ذلك. ومنذ تلك اللحظة، توقفت ملك عن الشكوى إليها.. لم يكن والدها أكثر رحمة. على العكس، بدا وجود الأسرة الجديدة وكأنه منحه مزيدًا من الأسباب ليعامل ابنته بجفاء. كان يصدق رواية زوجته وابنتيها قبل أن يسمع ملك، وإذا حاولت الدفاع عن نفسها اتهمها بإثارة المشكلات. تعودت ان تسكت و لا تحاول الدفاع عن نفسها ، مع اكتشافها أن الحقيقة لا قيمة لها إن كان الجميع قد قرروا مسبقًا أنها المخطئة. ومع الأيام، ازدادت معامله والدها قسوة. صار ينتقد طريقة كلام
مر شهرين اخران على هروب امها، ككابوس مرعب مخيف ...... كان والدها قد تحول لوحش هائج ، وطبعا قام اخواته ووالده بزياده غضبه وهياجه. كانوا ينعتون امها بابشع الصفات واخبروه ان يطلقها وان يخلص من عارها فهى من وجهه نظرهم لم تكن مناسبة له .. وبالفعل قام بتطليقها برعونة ، ولكن علمت ملك بعد ذلك من الداده فاطمه التي كانت تعمل في الفيلا عندهم، وكانت هي الوحيده التي تعطف على ملك _ ان خالها اخو والدتها ، قد حضر بعد هروب امها مطالبا باخذ ابنتها او حتى السماح لاخته برؤيتها ولكن بدون فائده و عاد مجددا بعد طلاق اخته ..و لكن قام والدها بطرده شر طرده و قام أيضا بتهديده ولم يسمح خالها لوالدها بمعرفه مكان امها ، خوفا عليها من بطشه.... و بعد ذلك لم تعد ملك تتحدث عن أمها، ولم تعد تسأل متى ستعود، ولم تعد تجرؤ على نطق اسمها ... لكنها لم تنسَ. كانت تخبئ المنديل أسفل المرتبة، وتخرجه أحيانًا حين تكون وحدها، فتفرد قطع الصور الصغيرة وتحاول تذكّر شكلها كاملًا. كانت تخشى أن تفقد ملامح أمها من ذاكرتها كما فقدتها من الصور. أما والدها، فكان كلما نظر إليها شعر بالغضب يتسلل إلى وجهه. لم تكن ملك تفهم ا
خرجت صرختها صغيرة ومذعورة. قفزت من السرير، وحاولت جمع القطع من يده، لكنه دفعها بعيدًا عن الصورة وألقاها على الأرض. انحنت ملك بسرعة، وراحت تجمع الأوراق المرتعشة بأصابعها الصغيرة. كانت تحاول ضم الأجزاء إلى بعضها، وكأنها تستطيع إعادة الصورة بمجرد أن تضع كل قطعة في مكانها. - خلاص يا بابا، مش هوريها لحد... والله مش هوريها لحد تاني، بس سيبها لي! لم يجبها. التقط بقية الصور التي كانت مخبأة اسفل وسادتها ... صوره لها مع أمها في الحديقة، وأخرى وهما تقرآن كتابًا، وصورة كانت أمها تحملها فيها وهي رضيعة. كل ما استطاعت ملك الاحتفاظ به من أيامها السعيدة. مزقها واحدة تلو الأخرى. وفي كل مرة، كانت الصغيرة تندفع نحوه، ثم تتوقف عندما يلتفت إليها بنظرته القاسية. لم تكن تخاف أن تفقد الصور فقط. كانت تخافه هو. تخاف أن يصرخ أكثر، أن يغضب أكثر، أن يعاقبها لأنها أحبت أمها. وحين انتهى، انحنى نحوها وقال بصرامة: - اسمعيني كويس يا ملك.. من النهارده، مش عايز أسمع اسمها على لسانك. لا صور، ولا كتب..... الست دي انتهت من حياتنا . هى مش هترجع! انسيها !!! هي سابتك بإرادتها، وإنتِ لازم تنسيها ..
في تلك الليلة، لم تذهب ملك إلى غرفتها حين أمرها والدها بذلك.انتظرت حتى هدأ صوته، ثم تسللت إلى غرفة أمها.كانت الغرفة باردة وغريبة، كأنها لم تعد المكان الذي تعرفه.انحنت وجمعت من الأرض بقايا إطار الصورة المكسور، واحتفظت بقطعها الصغيرة في يدها...و تحركت نحو الدولاب لترى بلوزة امها الزرقاء التى كانت تحبها ملقيه و قد سقطت خطئا من الخدم و هم يجمعون اشيائها لحرقها ..و وجدت توكة صغيرة لأمها التقطتها .. ثم جلست قرب السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها و عيونها تملؤها الدموع و هى تضم بلوزة امها لصدرها تستنشق رائحتها ...لم تستطع أن تفهم.كيف استطاعت أمها أن ترحل دون أن توقظها؟كيف خرجت من البيت دون أن تأخذها معها؟ألم تكن قد وعدتها بأنها ستظل بجانبها؟هل فعلت ملك شيئًا جعل أمها تتركها؟تلك الفكرة أخافتها أكثر من غضب والدها.فقد كانت صغيرة بما يكفي لتظن أن رحيل أمها قد يكون خطأ ارتكبته هي، وأنها لو كانت أكثر طاعة، أو أقل إزعاجًا، أو لم تطلب منها البقاء معها طويلًا في الليلة الماضية، لربما لم ترحل.وضعت رأسها على الوسادة التي كانت أمها تنام عليها، وحاولت أن تستعيد رائحتها قبل أن تختفي.همست في الظلام
أمسك بأحد الكتب، قلب صفحاته بعصبية، ثم ألقاه بعيدًا.وبعد دقائق، أمر الخدم بجمع الكتب والأوراق والصور التي تخص زوجته.حاولت 《دادة فاطمة》 أن تتحدث، لكن نظرة واحدة من الأب جعلتها تصمت وتنفذ ما أُمر به.وحين رأى ملك تقف عند الباب، أشار إليها بحدة:- إنتِ لسه هنا؟!ارتجفت، لكنها لم تستطع أن تبتعد.كانت عيناها معلقتين بكتاب صغير تعرفه جيدًا.ذلك الكتاب الذي كانت أمها تجلس معها كل مساء لتقرأ لها منه، وتتركها تقلب صفحاته وتختار الحكاية التي تحبها.رأت والدها يضع الكتب والأوراق في موقد الحديقة، ثم يشعل النار فيها.لم تصدق ما تراه.ظلت واقفة، تراقب ألسنة اللهب وهي تلتهم الصفحات، وتلتف حول الأغلفة التي حفظت شكلها وملمسها.كانت الأوراق تتغير أمام عينيها، والرسومات التي صنعتها أمها بيديها تختفي واحدة تلو الأخرى.حتى الصور التي احتفظت بها ملك في ذاكرتها، تلك التي كانت تجمعها بأمها في لحظات سعيدة، صار من الصعب عليها أن تتخيل أنها ستبقى موجودة في أي مكان.اقتربت خطوة دون أن تشعر.- بابا...لم يلتفت إليها.- بابا، دول كتب ماما.استدار إليها بعنف.- ارجعي مكانك!انتفضت، لكنها لم تستطع منع دموعها.- بس
لم تتذكر سوى أنها كانت تحضنها لفترة كبيرة فى مكانهما المفضل على مقعد كبير فى الحديقة بعد ان خرجت من غرفة والد ملك منكسرة حزينة كالعادة ، لتظل ملك فى حضنها صامته شاردة و كأنما تشاركها المها ..و عندما اتى المساء ، نامت وهي تستمع إلى صوت أمها تحكي لها قصة، و قبل أن تغفو شعرت بيدها تمسح على شعرها بحنان و الم و اعتقدت انها سمعتها تهمس باسمها و هى تبكى ...هزت رأسها مرة أخرى.- والله ما أعرف يا بابا.ترك شعرها و شد على ذراعيها دون أن ينتبه إلى ارتجافها.- فكري كويس! أمك ما كانتش هتمشي من غير ما تقولك حاجة!انهمرت دموع ملك.- أنا مش عارفة!- كدابة!خرجت الكلمة من فمه مدوية.شهقت الصغيرة، وحاولت سحب ذراعيها، لكنه ظل يحدق فيها بغضب.- هي قالتلك إيه قبل ما تمشي؟!- ماما ما قالتليش حاجة!- أمال هربت ليه؟!لم تكن تعرف الإجابة.ولم تكن تعرف أصلًا أن أمها هربت...كل ما عرفته أن أمها لم تعد موجودة، وأن والدها يسألها أسئلة لا تملك لها إجابات، وأنه غاضب منها لأنها لا تستطيع مساعدته...حدقت ملك به وكل جسدها يرتجف من الخوف وهي تحرك راسها وقد شعرت بكل عالمها يتهاوى فوالدتها كانت هي عالمها هي الحضن الداف







