LOGINتتذكر ملك ذلك اليوم جيدًا ، ليس لأنها كانت سعيدة بالعودة، بل لأنها ظلت طوال الرحلة تمسك بيد أمها، تسألها إن كان البيت الجديد سيعجبها، وإن كانت ستستطيع أن تزين غرفتها كما تريد.
وكانت أمها تجيبها بابتسامة دافئة: - طبعًا يا حبيبتي. هنخلي أوضتك أجمل أوضة في البيت كله ، و كمان هيكون فيه جنينة تلعبى فيها و هيكون معاكى قرايب من سنك ولاد اعمامك و عماتك و مش هتحسى انك لوحدك زى ما كنتى هنا . ابتسمت ملك يومها، وراحت تخبرها عن الستائر التي تريدها، والدمية التي ستضعها قرب سريرها، والرف الذي ستجمع عليه قصصها، و المكان الذى ستضع فيه دبها المفضل البنى و عروستها الجميلة .. وقبل رجوعهم لمصر ، اخذتها امها فى جولة لشراء عدة هدايا لأهلها و التقطت سيدة لطيفة لملك و والدتها صورة جميلة ، تظهر فيها ملك و هى تضحك بسعادة لا تظهر عليها ابدا لو كان معهما والدها و قد ارتدت ملابس مشابهه لملابس والدتها ... و طبعتها لها والدتها لتحتفظ بها ... انقبضت اصابع ملك و دموعها تسيل اكثر عندما تذكرت تلك الصورة ...و ارتعش ذقنها و لمحه سريعه لدخان رمادى كئيب تحوط بعقلها قبل ان يكمل عقلها رحلته فى الماضى ... كانت أمها تستمع إليها وكأن أحلامها الصغيرة أهم ما في الدنيا. لكن بمجرد أن عادا لمصر ، تبدل كل شيء. فقد أعلن والدها ، بملامحه الجامدة دون ان يبتسم لها مكان غرفتها و لم يكن لديها حتى حق اختيار اى شىء ... لم يسألها إن كانت تعجبها . ولم يمد يده إليها كما يفعل الآباء في القصص التي تحب قراءتها...ليشاركها فرحتها بالمكان الجديد بل اكتفى بأن ينظر إليها ثم يقول بصوته الصارم المحذر: - كبرتي، وأظن إنك بقيتي تعرفي الصح من الغلط.... مش عايز أسمع شكوى من حد من العايلة منك و لا من المدرسة، ولا اعتراض على أي قرار آخده. هزت ملك رأسها سريعًا موافقة كعادتها دائما امامه : - حاضر يا بابا. - بصوت واضح. انتفضت قليلًا، ثم أعادت: - حاضر يا بابا. مدت أمها يدها إلى كتفها بحنان، محاولة أن تخفف عنها، لكن نظرة واحدة من زوجها جعلتها تسحب يدها بخوف !!. لاحظت ملك ذلك. ولم تنسَه أبدًا. ففي تلك اللحظة الصغيرة، فهمت أن حتى حنان أمها يجب أن يُقدَّم بحذر ، طالما ان والدها موجود .. و عندما شعرت ملك بالحزن و الاحباط بعد مغادرة والدها بعد ألقائه تلك الاوامر ، لم تدعها امها بل فتحت لها ذراعياها متمتمه: - تعالي يا روح ماما. وكانت ملك تركض إليها. تدفن وجهها في صدرها، وتتشبث بها وكأنها تخشى أن يجيء أحد وينتزع منها ذلك الملاذ الوحيد. كانت أمها تمسح على شعرها وتسألها: - حبيبتي زعلانه ليه ...و لا يهمك هنظبط الاوضة برده زى ما انتى عايزة . وكانت تلك الكلمات كافية لتجعل ملك تبتسم ، و بالفعل ضبطت امها لها الغرفة على قدر استطاعتها و وضعت لها الصور و الرسومات التى رسموها معا على الحائط . فهي لم تكن تحتاج إلى ألعاب كثيرة، ولا إلى ملابس باهظة، ولا إلى غرف واسعة. كانت تحتاج فقط إلى مكان تستطيع فيه أن تكون طفلة و معها اشيائها المفضلة .. فى مكان لا تخاف فيه من الخطأ، ولا تحسب فيه كلماتها، ولا ترتجف حين تسمع صوتًا مرتفعًا. لكن حتى هذا الأمان لم يكن كاملًا. فكلما ارتفع صوت والدها، كانت أمها تضمها إليها وتحاول أن تبدو قوية، بينما تعرف ملك من ارتجافة أصابعها أن أمها خائفة هي الأخرى. وكم كانت ملك تتمنى، مثل أي طفلة، لو استطاعت أن تعيش يومًا واحدًا لا تضطر فيه إلى مراقبة خطوات والدها، ولا إلى تخمين مزاجه، ولا إلى إخفاء دموعها . يومًا واحدًا فقط... تكون فيه ملك طفلة عادية، لها أب لا تخشاه، وأم لا تضطر إلى حمايتها من الحياة داخل بيتها. لكن ذلك اليوم لم يأتِ. ____________________________وذات يوم، وجدت احد الكتب المفضله لديها ، كان يخص والدتها و الذى كان فى غرفتها فلم يحرقه والدها مع بقية كتب امها ممزق الصفحات... كانت قد احتفظت به من مكتبة أمها، ولم يكن أحد يعرف قيمته عندها. سألت الفتاتين عما حدث، فابتسمت الصغرى وقالت: - الكتب القديمة دي أصلًا ما تستاهلش. التفتت ملك إلى زوجة أبيها، تنتظر منها أن تطلب من ابنتها الاعتذار. لكن المرأة قالت بلامبالاة: - كان لازم تحافظي على حاجتك بدل ما تسيبيها في مكان الكل بيدخله. - أنا كنت مخبياه في درج مكتبي. - يبقى اتعلمي تقفلي درجك كويس. لم يكن في صوتها ما يوحي بأنها ستبحث عمن فعل ذلك. ومنذ تلك اللحظة، توقفت ملك عن الشكوى إليها.. لم يكن والدها أكثر رحمة. على العكس، بدا وجود الأسرة الجديدة وكأنه منحه مزيدًا من الأسباب ليعامل ابنته بجفاء. كان يصدق رواية زوجته وابنتيها قبل أن يسمع ملك، وإذا حاولت الدفاع عن نفسها اتهمها بإثارة المشكلات. تعودت ان تسكت و لا تحاول الدفاع عن نفسها ، مع اكتشافها أن الحقيقة لا قيمة لها إن كان الجميع قد قرروا مسبقًا أنها المخطئة. ومع الأيام، ازدادت معامله والدها قسوة. صار ينتقد طريقة كلام
مر شهرين اخران على هروب امها، ككابوس مرعب مخيف ...... كان والدها قد تحول لوحش هائج ، وطبعا قام اخواته ووالده بزياده غضبه وهياجه. كانوا ينعتون امها بابشع الصفات واخبروه ان يطلقها وان يخلص من عارها فهى من وجهه نظرهم لم تكن مناسبة له .. وبالفعل قام بتطليقها برعونة ، ولكن علمت ملك بعد ذلك من الداده فاطمه التي كانت تعمل في الفيلا عندهم، وكانت هي الوحيده التي تعطف على ملك _ ان خالها اخو والدتها ، قد حضر بعد هروب امها مطالبا باخذ ابنتها او حتى السماح لاخته برؤيتها ولكن بدون فائده و عاد مجددا بعد طلاق اخته ..و لكن قام والدها بطرده شر طرده و قام أيضا بتهديده ولم يسمح خالها لوالدها بمعرفه مكان امها ، خوفا عليها من بطشه.... و بعد ذلك لم تعد ملك تتحدث عن أمها، ولم تعد تسأل متى ستعود، ولم تعد تجرؤ على نطق اسمها ... لكنها لم تنسَ. كانت تخبئ المنديل أسفل المرتبة، وتخرجه أحيانًا حين تكون وحدها، فتفرد قطع الصور الصغيرة وتحاول تذكّر شكلها كاملًا. كانت تخشى أن تفقد ملامح أمها من ذاكرتها كما فقدتها من الصور. أما والدها، فكان كلما نظر إليها شعر بالغضب يتسلل إلى وجهه. لم تكن ملك تفهم ا
خرجت صرختها صغيرة ومذعورة. قفزت من السرير، وحاولت جمع القطع من يده، لكنه دفعها بعيدًا عن الصورة وألقاها على الأرض. انحنت ملك بسرعة، وراحت تجمع الأوراق المرتعشة بأصابعها الصغيرة. كانت تحاول ضم الأجزاء إلى بعضها، وكأنها تستطيع إعادة الصورة بمجرد أن تضع كل قطعة في مكانها. - خلاص يا بابا، مش هوريها لحد... والله مش هوريها لحد تاني، بس سيبها لي! لم يجبها. التقط بقية الصور التي كانت مخبأة اسفل وسادتها ... صوره لها مع أمها في الحديقة، وأخرى وهما تقرآن كتابًا، وصورة كانت أمها تحملها فيها وهي رضيعة. كل ما استطاعت ملك الاحتفاظ به من أيامها السعيدة. مزقها واحدة تلو الأخرى. وفي كل مرة، كانت الصغيرة تندفع نحوه، ثم تتوقف عندما يلتفت إليها بنظرته القاسية. لم تكن تخاف أن تفقد الصور فقط. كانت تخافه هو. تخاف أن يصرخ أكثر، أن يغضب أكثر، أن يعاقبها لأنها أحبت أمها. وحين انتهى، انحنى نحوها وقال بصرامة: - اسمعيني كويس يا ملك.. من النهارده، مش عايز أسمع اسمها على لسانك. لا صور، ولا كتب..... الست دي انتهت من حياتنا . هى مش هترجع! انسيها !!! هي سابتك بإرادتها، وإنتِ لازم تنسيها ..
في تلك الليلة، لم تذهب ملك إلى غرفتها حين أمرها والدها بذلك.انتظرت حتى هدأ صوته، ثم تسللت إلى غرفة أمها.كانت الغرفة باردة وغريبة، كأنها لم تعد المكان الذي تعرفه.انحنت وجمعت من الأرض بقايا إطار الصورة المكسور، واحتفظت بقطعها الصغيرة في يدها...و تحركت نحو الدولاب لترى بلوزة امها الزرقاء التى كانت تحبها ملقيه و قد سقطت خطئا من الخدم و هم يجمعون اشيائها لحرقها ..و وجدت توكة صغيرة لأمها التقطتها .. ثم جلست قرب السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها و عيونها تملؤها الدموع و هى تضم بلوزة امها لصدرها تستنشق رائحتها ...لم تستطع أن تفهم.كيف استطاعت أمها أن ترحل دون أن توقظها؟كيف خرجت من البيت دون أن تأخذها معها؟ألم تكن قد وعدتها بأنها ستظل بجانبها؟هل فعلت ملك شيئًا جعل أمها تتركها؟تلك الفكرة أخافتها أكثر من غضب والدها.فقد كانت صغيرة بما يكفي لتظن أن رحيل أمها قد يكون خطأ ارتكبته هي، وأنها لو كانت أكثر طاعة، أو أقل إزعاجًا، أو لم تطلب منها البقاء معها طويلًا في الليلة الماضية، لربما لم ترحل.وضعت رأسها على الوسادة التي كانت أمها تنام عليها، وحاولت أن تستعيد رائحتها قبل أن تختفي.همست في الظلام
أمسك بأحد الكتب، قلب صفحاته بعصبية، ثم ألقاه بعيدًا.وبعد دقائق، أمر الخدم بجمع الكتب والأوراق والصور التي تخص زوجته.حاولت 《دادة فاطمة》 أن تتحدث، لكن نظرة واحدة من الأب جعلتها تصمت وتنفذ ما أُمر به.وحين رأى ملك تقف عند الباب، أشار إليها بحدة:- إنتِ لسه هنا؟!ارتجفت، لكنها لم تستطع أن تبتعد.كانت عيناها معلقتين بكتاب صغير تعرفه جيدًا.ذلك الكتاب الذي كانت أمها تجلس معها كل مساء لتقرأ لها منه، وتتركها تقلب صفحاته وتختار الحكاية التي تحبها.رأت والدها يضع الكتب والأوراق في موقد الحديقة، ثم يشعل النار فيها.لم تصدق ما تراه.ظلت واقفة، تراقب ألسنة اللهب وهي تلتهم الصفحات، وتلتف حول الأغلفة التي حفظت شكلها وملمسها.كانت الأوراق تتغير أمام عينيها، والرسومات التي صنعتها أمها بيديها تختفي واحدة تلو الأخرى.حتى الصور التي احتفظت بها ملك في ذاكرتها، تلك التي كانت تجمعها بأمها في لحظات سعيدة، صار من الصعب عليها أن تتخيل أنها ستبقى موجودة في أي مكان.اقتربت خطوة دون أن تشعر.- بابا...لم يلتفت إليها.- بابا، دول كتب ماما.استدار إليها بعنف.- ارجعي مكانك!انتفضت، لكنها لم تستطع منع دموعها.- بس
لم تتذكر سوى أنها كانت تحضنها لفترة كبيرة فى مكانهما المفضل على مقعد كبير فى الحديقة بعد ان خرجت من غرفة والد ملك منكسرة حزينة كالعادة ، لتظل ملك فى حضنها صامته شاردة و كأنما تشاركها المها ..و عندما اتى المساء ، نامت وهي تستمع إلى صوت أمها تحكي لها قصة، و قبل أن تغفو شعرت بيدها تمسح على شعرها بحنان و الم و اعتقدت انها سمعتها تهمس باسمها و هى تبكى ...هزت رأسها مرة أخرى.- والله ما أعرف يا بابا.ترك شعرها و شد على ذراعيها دون أن ينتبه إلى ارتجافها.- فكري كويس! أمك ما كانتش هتمشي من غير ما تقولك حاجة!انهمرت دموع ملك.- أنا مش عارفة!- كدابة!خرجت الكلمة من فمه مدوية.شهقت الصغيرة، وحاولت سحب ذراعيها، لكنه ظل يحدق فيها بغضب.- هي قالتلك إيه قبل ما تمشي؟!- ماما ما قالتليش حاجة!- أمال هربت ليه؟!لم تكن تعرف الإجابة.ولم تكن تعرف أصلًا أن أمها هربت...كل ما عرفته أن أمها لم تعد موجودة، وأن والدها يسألها أسئلة لا تملك لها إجابات، وأنه غاضب منها لأنها لا تستطيع مساعدته...حدقت ملك به وكل جسدها يرتجف من الخوف وهي تحرك راسها وقد شعرت بكل عالمها يتهاوى فوالدتها كانت هي عالمها هي الحضن الداف







