ANMELDENبقت فريدة تنظر الي جيلان، عاجزة عن تصديق
ما تراه عيناها. كانت جيلان تقف أمام المرآة بخيلاء، تدير جسدها ببطء ، تتأمل الفستان الأبيض الفاخر الذي لم يكن قبل ساعات معدودات سوى حلم فريدة الأكبر، رفعت جيلان طرف الثوب بنعومة مفرطة ، ثم أطلقت ضحكة رنانة امتزج فيها التفاخر الأعمى بالشماتة ، وقالت بنبرة تفيض بالتعالي: — "أتعلمين يا فريدة؟ كنت أتساءل منذ الصباح الباكر كيف سيكون شعوري وأنا أرتدي هذا الفستان .. والآن، حين لامسته ، أدركت أنني كنت محقة منذ البداية ؛ فهو لا يليق بغيري." ارتجفت شفتا فريدة، واهتزت أركان روحها وهي تحدق في هذا المشهد العبثي ، ثم خرج صوتها مخنوقاً متحشرجاً من بين دموعها: — "لا.. أرجوكِ، لا تلمسيه بيديكِ." التفتت إليها جيلان ببطء برود كأفعى تتأهب للفتك، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة وقالت: — "ولماذا هذا الرفض؟ لم يعد فستانكِ بعد الآن" اقتربت منها خطوة تلو الأخرى، متعمدة ثم أردفت بنبرة تقطر سماً: — "الحقيقة التي يجب أن تواجهيها يا عزيزتي ، هي أن كل ما كان يخصكِ بالأمس قد استحال لي اليوم.. الفستان، الخاتم.. وحتى الرجل الذي قضيتِ ثماني سنوات تتوهمين أنه هائم بكِ حباً." شعرت فريدة بأنفاسها تضيق، وكأن حبل يلتف حول عنقها ببطء ثماني سنوات كاملة كانت تظن خلالها أنها المرأة الوحيدة التي تتربع على عرش قلبه . كيف يمكن أن تتبخر تلك السنوات ، وتمحى تلك العهود بهذه البساطة والسهولة؟ كيف طاوعه قلبه أن يخبرها عبر الهاتف ، بجفاء ، أنه سيتزوج أختها، ثم يغلق الخط وكأن شيئاً لم يكن؟ أما جيلان، فلم تبدِ أي ذرة من الرحمة، بل كانت تستمتع بكل ثانية من انهيار أختها وتلذذ بدموعها. اقتربت بخطى متبخترة نحو صندوق مخملي صغير موضوع بجوار السرير، وأخرجت منه الحذاء الأبيض الناصع الذي اشترته فريدة بمدخراتها الشحيحة قبل أيام قليلة، ثم جلست على المقعد الوثير بكل هدوء وبرود، وأخذت ترتديه رفعت قدمها تتأمل الحذاء بإعجاب، ثم قالت بزهو: — "مقاسي ومقاسكِ متشابهان تماماً.. كم هذا رائع وموفر! لن أضطر حتى لتكبد عناء البحث وشراء حذاء جديد ليوم الزفاف." عند تلك النقطة، بلغت فريدة ذروتهاعلى الاحتمال، وتفجر بركان القهر داخلها. هبت واقفة في مكانها، واتجهت نحوها بسرعة مفرطة، وجسدها يرتعد كلياً. قالت — "يكفي يا جيلان.. يكفي! لقد أخذتِ أمجد، ، فلماذا تصرين على إذلالي بهذا الشكل البشع؟ ماذا فعلتُ لكِ طوال حياتي لتكرهيني وتحقدي عليّ بهذه الطريقة الجائرة؟" رفعت جيلان حاجبها باستخفاف، ثم انفجرت ضاحكة . خلعت الحذاء من قدمها بقسوة، ثم ألقت به فوق السرير بلا مبالاة، قبل أن ترمق فريدة بنظرة فاحصة من أعلى إلى أسفل ، نظرة مشحونة بالدونية والشفقة المصطنعة. وقالت بابتسامة متعالية تشي بخبث دفين: — "لماذا تنظرين إليّ بعيني الضحية هذه؟ هل تنتظرين مني حقاً أن أشعر بالذنب ؟" اقتربت منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما، ثم تابعت بفحيح حاد: — "اسمعيني جيداً واعلمي حجمكِ الحقيقي.. لولا عطف أمي وإحسانها، لكنتِ الآن هائمة على وجهكِ في الأزقة، أو تتسولين لقمة العيش أمام إشارات المرور. نحن من آواكِ في منزلنا بعد ان تركتك امك و رحلت ونحن من أطعمكِ، ووفر لكِ سقفاً آمناً تعيشين تحته، ومع ذلك تتصرفين اليوم بكل وقاحة ." ازدردت فريدة غصتها المريرة، وشعرت بطعم القهر يمزق جوفها، فقالت بصوت مبحوح: — "حقاً؟! اليس هذا البيت بيت ابي ايضا هل يفترض بي أن أقدم لكم الشكر والامتنان على البؤس والقهر والذل الذي تجرعته بين هذه الجدران طوال السنين الماضية؟!" ضحكت جيلان باستهزاء واستنكار لردها: — "حقاً؟ وهل كان لديكِ خيار بديل ؟ فتاة نكره لا يرغب بها احد ، ماذا كانت ستفعل لو تركت لوحدها في هذا العالم ؟ لقد كنتِ عبئاً ثقيلاً على كاهلنا منذ اليوم الأول ." ثم أخفضت نبرة صوتها، ووجهت نظراتها الحاقدة نحو الفستان الأبيض، ومدت يدها تتحسس القماش الناعم بدلال مفرط، وتابعت بثقة ،و ب ابتسامة باردة مسمومه: — "أما أمجد.. فلا تلومي إلا نفسكِ الخرقاء على خسارته؛ فالرجال في نهاية المطاف يختارون الأفضل والأنسب لهم ." ارتجفت شفتا فريدة، وحدقت فيها بعينين جاحظتين لكن غليل جيلان لم ينطفئ بعد؛ بل اقتربت أكثر حتى كادت أرنبة أنفها تلامس وجه فريدة الشاحب ، وهمست بغرور قاتل وابتسامة انتصار واضحة: — "أتدرين متى اعترف لي بحبه ؟ منذ أشهر طويلة مضت.. وقبل أن يجمع شجاعته ليهاتفكِ ويلغي الزفاف، كان قد اخبرني بندمه الشديد لأنه لم يخترني أنا منذ البداية ، ولأنه أضاع وقته مع فتاة لا تناسب تطلعاته." في تلك الثواني، شعرت فريدة وكأن أحدهم قد انتزع الهواء من رئتيها تماماً، وأطبق على عنقها بيد من حديد. ترنحت في مكانها . لم تعد تعرف، في غمرة هذا الألم العاصف، أيهما يمزق روحها أكثر.. خيانة الرجل الذي وهبته سنوات عمرها وثقتها المطلقة ، أم تلك الكلمات المسمومة القاسية التي تقذفها أختها في وجهها بلا رحمة رفعت رأسها أخيراً ، ونظرت في عين جيلان ، بنبرة حادة وخطيرة، : — "اخرجي من غرفتي حالاً.. اخرجي قبل أن أفقد السيطرةنظر إليه مروان باهتمام،:— ماذا هناك؟ ما الأمر ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه كاظم — أعتقد أن هذا الخبر بالذات سيسعد قلبك ا، وسيخفف عنك الكثير.تغيرت ملامح العجوز فجأة، وانقشعت غيوم الحزن جزئياً لتحل محلها نظرة ترقب وفرحة طفيفة:— هل يعقل ؟ هل اخترت أخيرًا عروسًا لك من بين تلك الفتيات وبنات العائلات الراقية اللواتي أرسلت لك صورهن وملفاتهن الشخصية هذا الأسبوع ؟ابتسم كاظم :— لقد اخترت عروسًا بالفعل.ثم أضاف ببرود :— لكنها... ليست واحدة من تلك القائمة، ولا تنتمي لأي من تلك الملفات.مط مروان شفتيه بامتعاض وعدم رضا ضارباً بعصاه الأرض:— وهل تعجبك حقاً وتليق بمقامك ومقام عائلتك ؟ أم أنه اختيار طائش؟رد كاظم بثقة — نعم، تعجبني كثيرا .تساءل العجوز بنبرة فاحصة:— وهل هي فتاة حسنة السلوك والسمعة ؟ ومن هي عائلتها ؟أجاب كاظم :— سأحضرها إلى هنا قريبًا جداً، وستجلس معها وتتعرف عليها وتحكم عليها بنفسك.أومأ مروان برأسه ، وبدا أنه بدأ يتقبل الفكرة رغبة منه في رؤية أحفاد يحملون اسمه:— حسنًا، هذا منصف. أحضرها في أسرع وقت ممكن حتى نلتقي بها ونبدأ فوراً في ترتيبات عقد القران والزفاف
في وسط هذه الغرفة الحزينة، وقف مروان الرويعي بجسده المائل بفعل السنين. كان العجوز يحدق في إحدى الصور بعينين حمراوين ممتلئتين بالدموع، وقد كتم غصته وأخفى انكساره بصعوبة بالغة أمام الجدران.راقبه كاظم لثوانٍ معدودة من عند الباب، وشعر بوخزة في صدره. ثم قرر في داخله أن يترك كل خلافاته العميقة مع جده جانبًا، ولو لبضع ساعات. فهذا اليوم ليس يوم العتاب وتصفية الحسابات القديمة؛ إنه ذكرى موت والده ووالدته، اليوم الذي انقسمت فيه حياته إلى نصفين.شعر مروان بحركة خفيفة ، فاستدار ببطء شديد مستندًا على عصاه. وحين وقعت عيناه على كاظم، ارتجفت ملامحه الصارمة قليلًا، وظهرت عليه علامات المفاجأة.قال بصوت متحشرج ومتهدج من أثر البكاء المكتوم:— هل قررت أخيرًا زيارة جدك العجوز في هذا اليوم تحديداً يا كاظم؟ أم أن المصادفة هي ما أتت بك؟تقدم كاظم خطوة إلى الأمام :— وهل يهتم جدي العظيم حقًا بغيابي أو وجودي ؟ لقد اعتدت أن ترتب كل شيء في غيابي وكأنني غير موجود.انخفضت عينا مروان المتعبتان للأرض للحظة، وشعر بثقل الكلمات. ثم قال بنبرة يملؤها الأسف والأسى:— هل ما زلت تريد إشعاري بالذنب وجلدي بكلما
قاد كاظم سيارته عبر الطريق المؤدي إلى قصر الرويعي التاريخي. كانت ملامحه جامدة كالصخر ، وعيناه مثبتتين على الطريق الإسفلتي ، بينما تتسارع الأفكار في رأسه لتضاهي سرعة المحرك. كان القصر ينتصب خلف بواباته الحديدية الضخمة المطليّة باللون الأسود. تلك الجدران لم تكن مجرد حجر، بل كانت الخزانة الحية التي شهدت أسرار عائلة الرويعي، صراعاتها، صعودها، وانكساراتها لعقود طويلة. ما إن عبر كاظم البوابة الداخلية واصطفّت سيارته ، حتى وجد عماد في انتظاره كالعادة. كان عماد المساعد الشخصي لجده ، والرجل السري الذي بقي مشتبكًا مع عائلة الرويعي لأكثر من خمسين عامًا. لم يكن في نظر أحد مجرد خادم أو موظف مأجور، بل كان الصندوق الأسود ، وأحد أكثر الأشخاص معرفة بأعمق أسرار العائلة وأكثرها خطورة. تقدم عماد نحو السيارة بخطوات ، وقال بنبرة هادئة وخفيضة تحمل تحذيرًا مبطنًا وواضحًا: — سيد كاظم... أرجوك، لا تغضبه اليوم. هذا اليوم ليس كباقي الأيام ، إنه عصيب وحزين عليه للغاية ، ونبضه لم يعد يحتمل الكثير. زفر كاظم بضيق شديد ، وخرجت أنفاسه حارة في الهواء البارد، ثم قال بمرارة : — أل
في تلك الأثناء، وداخل المقر الرئيسي والضخم لمؤسسة الرويعي، دلف كاظم بخطواته الثابتة والمهيبة إلى مكتبه الشاسع ذي الإطلالة الزجاجية الساحرة. نهضت السكرتارية فوراً وحيّته باحترام شديد قائلة:"أهلاً بك يا سيد كاظم.. هل تريد مني أن أتلو عليك مواعيد وجدول أعمال اليوم ؟" رد كاظم : "لا.. أرسلي لي كريم إلى المكتب أولاً." أومأت السكرتارية برأسها مطيعة ، ثم خرجت لتنفيذ الأمر.بعد قليل، دخل كريم وهو يحمل بين يديه حزمة كبيرة من الملفات والصور الشخصية، وقال وهو يبتسم بتهكم وسخرية: "ثمرة اليوم وصلت للتو من قصر الجد مروان الرويعي ، ومعها رسالة تحذيرية شديدة اللهجة ؛ يخبركِ فيها العجوز أنك ستختار إحدى هؤلاء الفتيات للزواج منها هذه المرة ، ولن تلقي بملفاتهن في القمامة كالسابقات ، وإلا فإنه سيختار العروس بنفسه ويجبرك على الزواج منها رغماً عن أنفك." امتدت يد كاظم القوية وسحبت تلك الملفات والصور من يد كريم ، ودون أن ينظر إليها لثانية واحدة ، ألقى بها جميعاً في سلة المهملات المجاورة لمكتبه وقال ببرود:"لن أنظر إليها حتى." رد كريم بسخط وقلق شديد: "كاظم! الجد مروان أب
أخذت ريم نفسًا عميقًا قبل أن تقول: — منذ سبع سنوات، وقع حادث تصادم مروع على أحد الطرق السريعة خارج المدينة. في ذلك الحادث توفي مؤمن الرويعي وزوجته نادية ، وابنهما الوحيد كاظم. تجمدت فريدة.— ابنهم الوحيد ؟ أومأت ريم. — نعم. كاظم كان الابن الوحيد لمؤمن الرويعي ، وكان مؤمن نفسه الابن الوحيد والوريث الشرعي لعميد عائلة الرويعي ، مروان الرويعي. ابتلعت فريدة ريقها.و قالت :- هل انت متاكده نظرت ريم إليها باندهاش . — بالطبع. الحادث كان معروفًا للجميع ، والجنازة كانت من أكبر الجنازات التي شهدتها المدينة في ذلك الوقت. ثم أضافت: — بل أنني حضرت مراسم الجنازة مع عائلتي . كان عمري أصغر وقتها ، لكن المشهد لا يزال عالقًا في ذاكرتي. شعرت فريدة بقشعريرة تسري في جسدها. قالت بصوت منخفض: — إذًا... الرجل الذي يعيش معي الآن ليس كاظم الحقيقي. — هذا ما أحاول أن أخبركِ به. أمسكت ريم هاتفها وبدأت تعبث به دون أن تفتحه. — وبعد وفاة مؤمن وزوجته وابنه، أصبحت الأمور داخل عائلة الرويعي أكثر تعقيدًا. رفعت فريدة عينيها إليها— كيف ذلك ؟ ردت ريم — لأن مروان الرويعي بقي على رأس العائلة ،
نظرت فريدة إلى ريم بعينين متسعتين ، وكأن عقلها يرفض استيعاب الكلمات التي سمعتها للتو. كان وجهها قد شحب تمامًا ، وأصابعها ما تزال ترتجف فوق حافة الطاولة. قالت بصوت متقطع: — ماذا تقولين يا ريم ؟ كيف حدث ذلك ؟ ومن أخبركِ بهذه القصة ؟ ولماذا تعرفين أنتِ بالذات هذه المعلومة الخطيرة عن كاظم وعائلته ؟ أمسكت ريم بيديها محاولة تهدئتها ، ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا: — أولًا، عليكِ أن تهدئي تمامًا. لن يفيدنا الذعر الآن ، وسأخبركِ بكل ما أعرفه . اشربي بعض الماء أولًا. ناولتها ريم كوبًا كان على الطاولة . أخذته فريدة بيد مرتعشة ، وجرعت منه قليلًا ، لكنها لم تستطع إخفاء اضطراب أنفاسها. وضعت الكوب أمامها ببطء ، ثم رفعت عينيها إلى ريم. سألتها ريم: — هل هدأتِ الآن قليلًا ؟ حدقت فريدة فيها بعدم تصديق. — بالطبع لا ! كيف لي ان أهدأ وأنا أكتشف أن الرجل الذي تزوجته يحمل اسم شخص ميت منذ سبع سنوات الا يكفي انه زعيم لمافيا او عصابه ما ؟ تنهدت ريم ، ثم ضربت يد فريده بغيظ وهي تقول بضيق: — بالطبع لن تهدئي ! كيف تفعلين هذا بنفسك يا فريدة ؟! أنتِ لم تكتفي بخيانة أمجد لكِ بعد ان قض







