تسجيل الدخولجلست سارة وسط الجميع بينما كانت أكواب الشاي والعصائر موزعة على الطاولة.
لأول مرة منذ يومين كان الجميع يشعر أن بإمكانه التنفس. محمد هادي كان جالسًا بجوار ابنته، يربت على يدها بين الحين والآخر وكأنه يطمئن نفسه أنها ما زالت أمامه. أما الباقون فكانوا يستمعون إليها باهتمام وهي تحكي ما حدث معها منذ لحظة اختطافها. سارة بهدوء: — أول يوم كانوا حابسيني في أوضة صغيرة ومكنوش بيسيبوني أخرج منها. علياء مسحت دموعها. — يا حبيبتي... أكملت سارة: — والغريب إن الراجل اللي كان بيجي يتكلم معايا كان كل شوية يكرر نفس الكلام. انتبه محمد هادي فورًا. — كلام إيه؟ نظرت إليه سارة. — كان بيقول: "مش هسيبك غير لما أبوكي يديني اللي أنا عاوزه." ساد الصمت. ثم أكملت وهي تنظر إلى والدها مباشرة: — في إيه يا بابا؟ — في حاجة بينك وبين الناس دي؟ تجمد محمد هادي لثوانٍ. لكنه سرعان ما ابتسم ابتسامة مطمئنة. وأمسك يدها بحنان. — لا يا بنتي. — متشغليش بالك. — أنا هحل الموضوع ده كله. — أهم حاجة إنك بخير دلوقتي. سارة ظلت تنظر إليه وكأنها تشعر أنه يخفي شيئًا. لكنه ربت على رأسها بحنان. — متخفيش يا حبيبتي. — وأنا موجود. فاكتفت بهز رأسها. بعد دقائق... خرج خالد ويوسف إلى الشرفة. يوسف قال بصوت منخفض: — هنقولهم على عماد؟ نظر خالد نحو الداخل. حيث كان عماد يجلس مع الجميع وكأنه بريء تمامًا. ثم قال: — لا. — دلوقتي لأ. يوسف عقد حاجبيه. — ليه؟ — لأننا لسه منعرفش مين وراه. — لو كشفناه دلوقتي هيختفي ومش هنوصل لحد. أومأ يوسف موافقًا. — يبقى نراقبه. — بالظبط. ابتسم خالد ابتسامة باردة. — ونشوف هيودينا لفين. عاد الاثنان إلى الداخل. وكانت الأجواء قد بدأت تهدأ بالفعل. ظل الصمت مسيطرًا على المكان لثوانٍ. الجميع يفكر في كلام سارة. أما محمد هادي فكان يحاول إخفاء قلقه قدر الإمكان. وفي هذه اللحظة تنحنح يوسف فجأة وقال: — المهم دلوقتي إن الآنسة رجعت بالسلامة. ثم نظر إلى سارة مبتسمًا. — عشان في واحد هنا كان هيجنننا. رفع خالد رأسه فورًا. — يوسف... يوسف أكمل وكأنه لم يسمع. — أقسم بالله يا سارة لو كنتي شفتي منظره. إياد ضحك: — والله أنا كنت خايف عليه أكتر منك. — الواد كان حرفيًا هيتخانق مع أي حد يتنفس. ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه سارة. أما خالد فأرسل لهم نظرة تحذير. سامح ابتسم لأول مرة منذ ساعات. — لا بصراحة. — أنا عمري ما شفت خالد متوتر بالشكل ده. خالد زفر بضيق. — هو أنا بقيت موضوع الجلسة؟ يوسف هز رأسه بجدية مصطنعة. — طبعًا. — ده حقنا بعد اللي شوفناه. ضحكت سارة بخفة. فالتفت إليها خالد. ولأول مرة منذ رجوعها لمح في عينيها ضحكة حقيقية. فهدأت ملامحه تلقائيًا. --- لاحظ محمد هادي الجو بدأ يهدأ. فنظر إلى رحاب الجالسة بصمت منذ عودة سارة. ثم قال فجأة: — أنا عندي رأي. التفت الجميع إليه. أكمل بابتسامة هادئة: — إحنا كلنا عدينا بيوم صعب. — وربنا نجانا وسترها. — وعشان كده أنا شايف إننا محتاجين نفرح. عقد يوسف حاجبيه. — نفرح إزاي يعني؟ نظر محمد هادي إلى خالد. ثم إلى سارة. ثم قال: — نعمل خطوبة الولدين هنا. ساد الصمت للحظة. واتسعت عينا سارة. أما خالد فبدا وكأنه لم يستوعب ما سمعه. بينما شهقت رحاب فجأة. وامتلأت عيناها بالدموع. كانت تنظر إلى محمد هادي غير مصدقة. فابتسم لها وقال: — مش ده اللي نفسك فيه من زمان؟ نزلت دمعة من عينها وهي تضحك. — والله من سنين. — من سنين وأنا مستنية اليوم ده. ثم نظرت إلى خالد. — أخيرًا يا ابني. أما يوسف... فصفق فجأة وقال: — خلاص. — كده الرحلة رجعت رحلة فعلًا. وهنا يبدأ الجميع يتكلم عن تجهيز الخطوبة، والمكان، واللبس، والزينة، بينما سارة ما زالت مصدومة من القرار، وخالد لا يرفع عينيه عنها. الفصل الجديد: "حضنٌ يشبه الأمان" بعد أن انتهى الجميع من الحديث عن الخطوبة والتجهيزات، كانت الفرحة واضحة على وجوه الجميع. لكن أكثر شخص بدا عليه التأثر كانت رحاب. ظلت تنظر إلى خالد وسارة وكأنها تعيش حلمًا انتظرته سنوات طويلة. وفجأة نهضت من مكانها. ثم ابتسمت لسارة قائلة: — تعالى معايا يا حبيبتي. نظرت لها سارة باستغراب. — أنا؟ — أيوة انتي. أمسكت يدها بحنان وأخذتها إلى غرفتها. وأغلقت الباب خلفهما. داخل الغرفة... فتحت رحاب أحد الأدراج القديمة. وأخرجت علبة مخملية صغيرة. ثم جلست بجوار سارة على السرير. — افتحيها. فتحتها سارة بهدوء. لتتسع عيناها فورًا. داخل العلبة كانت توجد أسورة ذهب رقيقة وجميلة للغاية. بدت قديمة لكنها ثمينة جدًا. رفعت سارة رأسها نحو رحاب. — دي جميلة أوي. ابتسمت رحاب. — عارفة. ثم أخذتها من العلبة. وأمسكت يد سارة برفق. — دي هدية خطوبتك من خالد. اتسعت عينا سارة. — لا يا طنط... مينفعش. — ليه مينفعش؟ — دي أكيد غالية. — ومش المفروض آخدها دلوقتي. ابتسمت رحاب بحنان. ثم بدأت تلبسها الأسورة بنفسها. — اسمعي كلامي. — الأسورة دي أنا محتفظة بيها من سنين. — وكنت عارفة إنها في يوم هتكون من نصيب بنت خالد. تأثرت سارة بكلماتها. لكنها ما زالت تحاول الاعتراض. — بس يا طنط... قاطعتها رحاب بحزم لطيف: — مفيش بس. — خلاص بقت بتاعتك. ثم نظرت للأسورة في يدها وابتسمت. — والله لايقة عليكي أوي. ابتسمت سارة بخجل. لكن فجأة... اختفت ابتسامتها. واهتزت شفتاها قليلًا. ثم دون مقدمات... ارتمت في حضن رحاب. وتشبثت بها بقوة. تجمدت رحاب للحظة من المفاجأة. ثم شعرت بكتفي سارة يهتزان. كانت تبكي. بصمت. بوجع. بكل الخوف الذي أخفته منذ عادت. اتسعت عينا رحاب بقلق. — مالك يا بنتي؟ — في إيه؟ هزت سارة رأسها سريعًا. وصوتها خرج مخنوقًا وسط دموعها: — مفيش يا طنط... — مفيش والله. ثم تشبثت بها أكثر. — بس... خليني في حضنك شوية. شعرت رحاب بأن قلبها انقبض. فاحتضنتها بقوة أكبر. وبدأت تربت على شعرها بحنان أم حقيقي. — حاضر يا حبيبتي. — براحتك. — عيطي لو عايزة. — كل اللي جواكي طلعيه. ظلت سارة تبكي لدقائق طويلة. بينما رحاب تربت على شعرها وظهرها في صمت. وفي تلك اللحظة... كان خالد قد وصل إلى باب الغرفة. فتح الباب قليلًا. فرأى سارة داخل حضن أمه. ورأى دموعها. فتغيرت ملامحه فورًا. نظر إلى أمه. ثم أشار لها بعينيه أن تظل محتضنة إياها. رحاب لم تفهم السبب. لكنها أكملت تهدئتها كما هي. مرت لحظات أخرى... حتى بدأت سارة تهدأ تدريجيًا. ثم رفعت رأسها أخيرًا. ومسحت دموعها بخجل. وفي اللحظة نفسها... دخل خالد الغرفة بالكامل. ونظر إليهما ثم قال بجدية مصطنعة: — إيه الجو الرومانسي ده؟ التفتت رحاب إليه باستغراب. أما سارة فنظرت إليه وسط دموعها. فأكمل وهو يمد ذراعيه: — طب خديني في حضنك أنا كمان يا ماما. رمشت رحاب عدة مرات. ثم انفجرت ضاحكة. بينما خرجت ضحكة صغيرة من سارة رغم دموعها. — أنت اتهبلت؟ اقترب خالد أكثر وهو يمثل الحزن. — لا والله. — أنا شايف في تمييز واضح هنا. — الناس داخلة أحضان ببلاش وأنا واقف أتفرج. ضحكت سارة هذه المرة بصوت أعلى. فابتسم خالد فورًا عندما سمع ضحكتها. أما رحاب فضربته بخفة على كتفه. — أنت كبرت على الكلام ده. رفع حاجبيه بصدمة مصطنعة. — كبرت؟ — ما شاء الله. — واضح إن في ناس ناس. وأشاح برأسه نحو سارة. — وناس تانية خلاص راحت عليها. ضحكت رحاب أكثر. — أيوة.جلست سارة وسط الجميع بينما كانت أكواب الشاي والعصائر موزعة على الطاولة.لأول مرة منذ يومين كان الجميع يشعر أن بإمكانه التنفس.محمد هادي كان جالسًا بجوار ابنته، يربت على يدها بين الحين والآخر وكأنه يطمئن نفسه أنها ما زالت أمامه.أما الباقون فكانوا يستمعون إليها باهتمام وهي تحكي ما حدث معها منذ لحظة اختطافها.سارة بهدوء:— أول يوم كانوا حابسيني في أوضة صغيرة ومكنوش بيسيبوني أخرج منها.علياء مسحت دموعها.— يا حبيبتي...أكملت سارة:— والغريب إن الراجل اللي كان بيجي يتكلم معايا كان كل شوية يكرر نفس الكلام.انتبه محمد هادي فورًا.— كلام إيه؟نظرت إليه سارة.— كان بيقول: "مش هسيبك غير لما أبوكي يديني اللي أنا عاوزه."ساد الصمت.ثم أكملت وهي تنظر إلى والدها مباشرة:— في إيه يا بابا؟— في حاجة بينك وبين الناس دي؟تجمد محمد هادي لثوانٍ.لكنه سرعان ما ابتسم ابتسامة مطمئنة.وأمسك يدها بحنان.— لا يا بنتي.— متشغليش بالك.— أنا هحل الموضوع ده كله.— أهم حاجة إنك بخير دلوقتي.سارة ظلت تنظر إليه وكأنها تشعر أنه يخفي شيئًا.لكنه ربت على رأسها بحنان.— متخفيش يا حبيبتي.— وأنا موجود.فاكتفت بهز رأسها.
كانت السيارة تشق الطريق المظلم بسرعة، بينما جلس يوسف خلف المقود، وإلى جواره إياد.أما في المقعد الخلفي...فكانت سارة تجلس بين خالد وسامح.أو بالأصح...كانت تجلس داخل حضن خالد تقريبًا.منذ أن خرجوا من المزرعة وهو يضمها إليه بذراع واحدة، رافضًا أن يبتعد عنها ولو سنتيمترًا واحدًا.كل بضع دقائق كان ينظر إليها وكأنه يتأكد أنها ما زالت موجودة.أنها لم تختفِ.أنها ليست مجرد حلم.وسارة رغم تعبها وخوفها...كانت تشعر بالأمان لأول مرة منذ اختطافها.لكن يوسف لم يكن يوسف لو ترك الجو هكذا.نظر في المرآة إلى خالد ثم ابتسم بخبث.— الحمد لله أخيرًا هديت.رفع خالد عينيه إليه.— نعم؟يوسف ضحك.— أصل من ساعتين كنت عامل زي المجنون.إياد دخل على الخط فورًا.— ساعتين إيه بس؟— ده كان عامل زي واحد ضاعت منه قطة صغيرة ونازل يدور عليها في الشوارع.اتسعت عينا خالد.— قطة؟!يوسف انفجر ضاحكًا.— أيوة
ظل خالد جالسًا في مكانه وعيناه لا تفارقان عماد للحظة واحدة.كل حركة...كل نظرة...كل نفس يخرجه.كان يراقبه كالصقر.أما عماد فبدا متوترًا بشكل واضح، يعبث بهاتفه كل دقيقة تقريبًا وينظر حوله باستمرار.مرّت عدة دقائق ثقيلة.ثم فجأة نهض عماد من مكانه.— أنا داخل الحمام.واختفى داخل الممر.في اللحظة نفسها نهض خالد بهدوء.يوسف لاحظ حركته.— رايح فين؟رد خالد دون أن ينظر إليه:— ثواني وراجع.كان هاتف عماد لا يزال فوق الطاولة.نظر خالد حوله سريعًا.الجميع منشغلون مع محمد هادي.مد يده والتقط الهاتف بسرعة.فتح الشاشة.ظهر له طلب كلمة المرور.ضغط على أسنانه وهو يحاول التفكير."يا ترى إيه الكلمة اللي ممكن يحطها؟"ثوانٍ مرت...ثم تذكر شيئًا فجأة.يوم الخناقة.حين فقد عماد أعصابه واعترف أمامه أنه يحب سارة منذ سنوات واعترف بده يوم الخطوبة.ابتسامة ساخرة ظهرت ع
مرت دقائق ثقيلة داخل الشاليه.الجميع ينتظر أي خبر عن سارة.أما خالد فكان يراقب عماد في صمت تام.حاول ألا يلفت انتباهه، لكنه لم يرفع عينيه عنه تقريبًا.وفجأة نهض عماد من مكانه.عماد: أنا خارج أشم شوية هوا... مخنوق.محمد هادي بتعب: روح يا ابني.تحرك عماد ناحية الباب.وفي اللحظة نفسها التقت عيناه بعيني خالد لثوانٍ معدودة.ثم خرج.انتظر خالد دقيقة كاملة.ثم التفت ناحية يوسف.خالد: تعالى معايا.يوسف باستغراب: فين؟خالد بصوت منخفض: بس تعالى.خرج الاثنان بهدوء دون أن يلاحظ أحد.وبمجرد أن أصبحا خارج الشاليه أشار خالد ناحية عماد البعيد.يوسف: ماله؟خالد: راقبه.يوسف: ليه؟خالد: لأنى شاكك فيه.تجمد يوسف مكانه.يوسف: عماد؟!خالد: من ساعة ما رجعنا وهو مش عاجبني.يوسف: شاكك فيه بسبب إيه؟خالد: ابتسم واحنا كلنا زعلانينيوسف: نعم؟خالد: ابتسم يا يوسف احنا فى
"بداية الكابوس"في نفس اللحظة التي اختفت فيها السيارة السوداء وسط الطريق المظلم، كان خالد يحاول النهوض رغم الألم الذي يمزق كتفه.ضغط بيده على مكان الإصابة وهو يلهث بقوة.— سارة...حاول الوقوف فسقط مرة أخرى على ركبتيه.الدماء كانت تنزف من كتفه بغزارة، لكن كل ما كان يشغل عقله هو وجه سارة وهي تصرخ باسمه قبل أن تُسحب إلى داخل السيارة.أخرج هاتفه بيد مرتجفة واتصل بأول شخص خطر على باله.يوسف.بعد ثوانٍ جاءه الرد.— خالد؟ إنت فين؟خرج صوت خالد متقطعًا:— يوسف... سارة... خطفوها.ساد الصمت لثانية.— إيه؟!— خطفوها... وأنا اتضربت بالنار.قفز يوسف واقفًا.— إنت فين دلوقتي؟أرسل خالد موقعه بصعوبة قبل أن يسقط الهاتف من يده.---بعد أقل من عشر دقائق وصلت عدة سيارات إلى المكان.نزل يوسف أولًا وهو يركض بجنون.خلفه محمد هادي، وعلياء، وسامح، وإياد.توقفوا جميعًا عندما رأوا خالد ملقى على الأرض.
سارة وقفت ساكتة، مش عارفة ترد… جزء منها متردد، وجزء تاني عايز يسمع هو هيقول إيه. سارة وهي ماسكة الكوباية : لا يا خالد… انا مش فاضية أخرج، وماليش نفس أتكلم دلوقتي. خالد ابتسم ابتسامة صغيرة وسكت، عينه فضلت ثابتة عليها كأنه فاهم كل حاجة. سارة اتلخبطت من سكوته وقالت : في إيه؟ بتبصلي كده ليه؟ خالد بهدوء : ولا حاجة… بس شكلك بتستخدمي نفس أسلوب البنت الصغيرة لما تبقي عايزة تزوغ من المدرسة عشان متوريهاش الواجب. سارة بسرعة : يعني ايه؟! خالد وهو بيرفع كتفه : ولا حاجة… ما انتي قولتي مش فاضية. سارة اتشدت من طريقته، لقت نفسها مش لاقية رد… خصوصًا إن نبرته كانت واثقة ومش بتتحدى، بالعكس فيها هدوء كأنه عارف هي بتعمل إيه. خالد وهو بيغير الموضوع بخفة دم : طيب ماشي… لما يبقى يفضى جدولك قوليلي، عشان أنا حجزي معاكي باين عليه صعب أوي. سارة رفعت عينيها له من غير ما ترد، ولأول مرة ابتسمت ابتسامة صغيرة كأنها غصب عنها، بس بسرعة غطتها وقالت : أنا داخلة أجهز نف







