مشاركة

الفصل 2

مؤلف: نبوغ بعيد
كان يخدعني كل يوم؛ يقدّم لي الأدوية الهرمونية مدّعيًا أنها مقويات.

في ذلك الوقت، كنت غارقة في حلم إنجاب طفل منه، فكنت أتجرع مرارة الدواء بابتسامة يملؤها الأمل.

أما الآن، فلا أرى من نفسي سوى حماقةٍ لا تُغتفر.

رفعت وجهي إليه بشرود: "هل سأموت؟ أتوسل إليك، قل لي الحقيقة، كم بقي لي من الوقت؟"

انفرط عقد هدوئه المعتاد فجأة، اجتاحت ملامحه ظلال من الاضطراب، ثم جذبني إلى صدره بقوة: "لا تقولي هذا، ستبقين بجانبي لسنوات طويلة."

لطالما كان معسول اللسان، تمامًا كما حدث في كل مرة كنت أذكر له فيها الحمل خلال هذين العامين. كان يقول إنه لا يحتمل رؤيتي أتألم من أجله.

والحقيقة أنه كان يعلم منذ البداية أني لن أحمل، لكنه تركني كل يوم أعاني، أتجرع أدوية مرة لا تُطاق.

تركني أعيش وهمًا زائفًا... عائلة صغيرة، طفل يجمعنا.

ليكن؛ فبلا طفل، لن يبقى بيننا ما يربطنا، وهكذا، سأرحل عنه وأنا حُرّة بدون قيود.

قبل أن أنام، بدا غسان كمن ألمّ به طائف من الجنون، ظل ملتصقًا بي الليل كله، لا يكاد يتركني، ثم أمرني ألا أذكر كلمة الموت مرة أخرى.

تحملته بجمود، حتى ساد السكون، وحين غطّ الرجل إلى جواري في نوم عميق، رفعت هاتفه عن المنضدة، ومضيت إلى الحمام.

كان رمز قفل هاتفه هو تاريخ ميلادي، ولهذا السبب بالذات، لم أفتش هاتفه يومًا. لعله كان يراهن على غفلتي هذه.

فتحت تطبيق واتساب، وهناك، رأيت اسم أختي مسجلًا عنده بلقب: "شوشو".

شوشو.

هو الاسم الذي يهمس به في أذني، في لحظات عناقنا، حين تكون روحه في أوج انفعالها.

لم أكن أنا المقصودة يومًا. كنتُ مجرد ظلٍّ لشهد، مجرد أداةٍ يداوي بها جرح فقده لها.

يا لسخرية القدر!

بأصابع مرتعشة، ضغطتُ على سجل محادثاتهما.

وهناك، تجلّت لي الحقيقة المُرّة.

بينما كنتُ أتقيأ مرارة الأدوية كل يوم، كان هو يؤسس لها مؤسسة خيرية باسمها شهد الشناوي، رجاءً في أن تكون بركةً تحفظ لها صحتها.

يريد أن يذخر لها من الصالحات ما يحميها... ولكن، مَن سيجمع حطامي؟ وكيف سيكفّر عن هذا الإثم الذي اقترفه بحقي؟

سال الدمع من عيني دون أن أشعر، عضضت على شفتي بقوة. أخذت لقطة شاشة، فأخرى، فأخرى... حتى حفظت كل ما دار بينهما.

كان قلبي قد بلغ من الألم حد الخدر.

ذهبت فورًا إلى مستشفى آخر، وأجريت فحصًا شاملًا.

تأمل الطبيب تقاريري وقد تقطبت جبينه: "يا للهول... كليتكِ مفقودة، والكبد أيضًا عليه آثار تلف."

ابتسمت ابتسامة مرة: "أخبرني... كم بقي لي؟"

لم يشأ الطبيب أن ينطق بحكم. تنهد، وأوصاني أن أوسع صدري، وألا أستسلم للحزن.

خرجت من المستشفى وذهبت إلى شركة غسان، كنت أنوي أن أطلب الطلاق رسميًا.

أوقفتني سكرتيرة الاستقبال، فقلت لها إني زوجة غسان السويفي.

رمقتني بنظرة احتقار: "كثيرات يحلمن بهذا اللقب. ألا تنظرين إلى نفسك في المرآة؟ تدّعين أنكِ زوجة السيد غسان؟ زوجة السيد غسان الحقيقية في الطابق العلوي الآن."

انعصر قلبي. رفعت الهاتف لأتصل به. رن، ورن... ولا مجيب.

ازدادت السكرتيرة سخرية.

جلست في الأسفل. انتظرت، انتظرت طويلًا، حتى رأيته يخرج من المصعد... وبين ذراعيه شهد.

تلاقت أعيننا لثانية، فبدا عليه الارتباك وهو يقول: "شمس... ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟ شهد التوى كاحلها، وهي حامل لا تقوى على الحركة. كنت أساعدها فحسب."

ارتمت شهد في صدره وابتسمت ابتسامة دافئة: "شمس، طالما زوجي مسافر، دعيني أستعين بزوجكِ بعض الوقت."

لم أعد أسمع شيئًا. لم ألتقط سوى كلمة واحدة: حامل.

شهد حامل. بكليةٍ نُهبت من جسدي.

في تلك اللحظة، شعرتُ وكأنَّ أشواكًا حادةً تمزقُ نياط قلبي، اعتصرني الألمُ حتى شعرت بالاختناق: "غسان، أريد أن أتحدث معك."

"لاحقًا. أختكِ جائعة، سنذهبُ إلى بيت والدتكِ أولًا."

كانت أمي قد أعدت كل الأطباق التي تفضلها شهد احتفالًا بحملها.

تظاهرت شهد بالانزعاج وهي تغطي أنفها قائلة إنها فقدت شهيتها، فاقترح غسان فورًا أن يرسل إليها خادمتي الخاصة لتطهو لها ما تشتهي.

ارتسمت على ثغر شهد ابتسامةُ نصرٍ خفية، وأشارت إليّ قائلة: "لا داعي لذلك، انظر إلى شمس، يبدو أنها منزعجة؛ لا أريد أن أكون سببًا في شجاركما."
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سقوط الخريف في ضوء الغروب   الفصل 9

    أمسكت بطرف الغطاء بقوة وقلت ببرود: "موتها أو حياتها لا تعنيني، لا أريد أن أتورط في عواقب أفعالها، أبعِدني عن مشاكلكما."مدّ إليّ التفاحة التي قشرها: "أتخافين مني؟ أتعتقدين أنني قاسٍ إلى هذا الحد؟ كل ما في الأمر أني لا أريد لهن أن ينغصن صفو حياتك بعد أن أدخل السجن."لم أرغب في أخذها: "شكرًا لك، لكني لا أحتاج منك أن تقتل أو تحرق من أجلي، كل ما أريده هو أن تطلّقني، ثم يمضي كل منا في طريقه."ضحك ضحكة خفيفة، ثم قضم التفاحة. في عينيه السوداوين تلاطمت مشاعر كثيرة عجزت عن فهمها.كانت نظراتٍ حارةً ومتوهجة.نظر إليّ بعينين محمرّتين وسألني: "إن قبلت العقاب، ودخلت السجن، وكفّرت عن ذنبي، هل يمكننا أن نبدأ من جديد؟""لا."نظرت إليه بكل هدوء، دون أي أثر للكراهية، وقلت بصوت خافت: "أحيانًا أفكر، في تلك الأعوام الثلاثة التي تظاهرت فيها بحبي، منحتني شيئًا من الدفء. حياتي قبل أن ألقاك كانت بائسة أصلًا، لا أستطيع أن ألقي باللوم كله على شخص واحد.""لم أعد أكرهك، لكني لن أستطيع أن أحبك مجددًا أيضًا. إن اضطجعتَ بجانبي، ستراودني الكوابيس."ارتدت على شفتي الرجل ابتسامة باهتة موجعة، ثم نهض وفتح الباب وخرج.بعد خ

  • سقوط الخريف في ضوء الغروب   الفصل 8

    ثارت ثائرة غسان مرة أخرى، وحرّم على أي أحد أن يتفوه بأي كلمة مشؤومة تتعلق بالموت.وكأن امتناعهم عن ذكر الموت سيمنعني من أن أموت.كانت شهد واقفة إلى الجوار تسمع ذلك مبتهجة: "إذن دعوها ترتاح بضعة أيام إضافية، فلا أريدُ لضعفِ جسدِها أن يؤثر على وظائف أعضائي لاحقًا. غسان، لا تقلق، سأخرج من غرفة العمليات سالمة بالتأكيد."نظر الطبيب عديم الضمير الذي سبق أن أجرى لي عملية جراحية إلى شهد، ثم إليّ أنا الراقدة على سرير المرض، بدا وكأنه يغالبُ رغبةً في الكلام، لكنه أحجم في النهاية ولم ينطق بكلمة.لعلّه شعر بشيء من الشفقة عليّ وأنا على وشك أن أُفرغ من أحشائي.بعد أسبوع، دُفعت إلى غرفة العمليات. وخزة إبرة تخدير واحدة، ثم غاب وعيي تمامًا.حين عاد إليّ شيءٌ من الإدراك، شعرت بوخز خفيف في يدي. لكن ألم أفارق الحياة وقد انتُزع قلبي؟ فكيف لي أن أشعر بشيء؟فتحت عينيّ وأنا في حالة من الذهول، فرأيت ذاك الرجل الذي يلازمني كالشبح جالسًا إلى جانب سريري، يشد على يدي بقوة وقد غلبه النوم.تحركتُ حركة خفيفة، فاستيقظ الرجل في الحال. نظر إليّ واحمرّت عيناه شيئًا فشيئًا: "أخيرًا استيقظتِ، شكرًا لكِ، أخيرًا استيقظتِ."أ

  • سقوط الخريف في ضوء الغروب   الفصل 7

    سمعت بصوت خافت ما يشبه تكسّر العظام، ثم صرخة مروعة مليئة بالألم.نظرت شهد بعدم تصديق، واضعة يدها على صدرها في إطار من الأسى المصطنع: "غسان، ما الذي دهاك؟ إنها من تسببت في فضيحتنا ودمار سمعتنا. أتعلم؟ لقد أجهضت بسببها، وكليتي تؤلمني بشدة."ارتسمت على ملامحه نظرة باردة، وقال: "كليتك كانت لها في الأصل، وإجهاضك الآن ما هو إلا عقاب مستحق."بدا على شهد وكأنها تلقت صدمة عنيفة، فتهاوت على الكرسي المجاور، ممسكة بيد الرجل والدموع تنهمر على وجهها تسأله باستنكار: "غسان، هل استدعيتني إلى هنا فقط لتريني عمق حبكما الزوجي؟ هل لأنك تشعر بالذنب تجاهها الآن تجرحني بهذه القسوة؟"ثم رمقتني بنظرة حاقدة، وكأنني امرأة لعوب خطفت رجلها.يا لقلب الحقائق!أفلت غسان يدها بوجه جامد قارس، يتأملها، وأصبح في عينه عمقٌ مخيف: "استدعيتكما لإجراء فحص طبي."توقفت شهد للحظة، ثم لمعت عيناها بفرح: "حقًا؟ عرفت أنك لا تزال تحبني.""هل أخبرك الطبيب إذن؟ بعد الإجهاض، وظائف قلبي ورئتي لم تعد جيدة، هل ستزرع لي قلبها؟"ثم نظرت إليّ شامتةً وكأنها تتأمل فريسة: "على أية حال، أنتِ تحتضرين، فلمَ لا تموتين على الأقل من أجل شيء ذي قيمة."ك

  • سقوط الخريف في ضوء الغروب   الفصل 6

    وسط ذلك الحشد، لم يعلم أحدٌ من الذي قذف زجاجة المشروب— التي لم تفرغ بعد— لتصيب وجه شهد مباشرة، وتغمره بسائلٍ أصفر مجهول."يا للوقاحة! اللعنة، لم أعد أحتمل سماع هذا.""وهل حياة شمس ليست حياة؟"توالت بعدها الزجاجات والعلب الواحدة تلو الأخرى كالسيل.تفرق الصحفيون هاربين، وتكومت والدة شهد في حالة يرثى لها، متجنبةً وابل الهجمات الذي ينهال عليهما كالمطر، تتسللان كالجرذان في الشارع. وأنا من خلف الشاشة، أتفرج على هذه المهزلة بانتشاء.اتصل بي باسل، وبدا صوته ضعيفًا على غير عادته: "هل هناك شيءٌ آخر تريدين مني فعله؟ اعتبري هذا ضمن أتعاب قضية الطلاق، لا داعي لأي مبالغ إضافية."فكرت مليًا إن كان هناك شيء لم يتم بعد: "أجل، بعد موتي أرجوك أن تنثر رمادي في البحر، لا تدع غسان يحبسني، لا أريد أن أُدفن في مقابر عائلة السويفي."ساد الصمت للحظات من الطرف الآخر، ثم قال بصوت خافت: "هذا ما لا أستطيع ضمانه، لأنني قد أموت قبلكِ.""لماذا؟" كان حديثُه غريبًا ومحيرًا؛ كيف لرجلٍ مثلِه أن يموتَ قبلي؟!"لديَّ قصورٌ في القلب...أعيشُ يومي بيومي." بدت نبرة الرجل لا مبالية، كمن لا شيء لديه ليخسره.تنهدت وقلت: "إذن، حاول

  • سقوط الخريف في ضوء الغروب   الفصل 5

    "متبرع؟"…كنتُ أصغي إلى الجلبة في الخارج، ولا أشعرُ تجاهها إلا بالضيق؛ مددتُ يدي أتحسسُ زر الاستدعاء بجانب السرير.في اللحظة التالية، اندفع غسان إلى الداخل، وضع يده على وجهي، والقلق يكسو ملامحه: "أخيرًا استيقظتِ! كيف تشعرين؟ هل تتألمين؟"أدرتُ وجهي عنه، وقلتُ ببرود: "وقع وثيقة الطلاق، فوجهك يثير غثياني."كأن كلماتي لم تلامسه، لم يبدِ أي رد فعل.أمسك بيدي وأخرج من جيبه خاتمًا، ثم دسه عنوةً في بنصري قائلًا بصوتٍ دافئ: "يا حمقاء، إن احتجتِ مالًا، فلماذا لم تأتِ إليّ؟ إياكِ أن تبيعي شيئًا بهذه القيمة مجددًا، أتسمعين؟"كظمتُ غيظي ونهضتُ من السرير بصعوبة، غير مبالية بالإبرة المغروزة في يدي الأخرى. نزعتُ الخاتم الذي ألبسني إياه قسرًا، وقذفتُ به بكل قوتي."غسان، أريد الطلاق، ألا تفهم؟"كان الدم يرتد في أنبوب الإبرة فوق ظهر كفي، لكنني اعتدتُ الألم حتى لم أعد أشعر به. فقد أمضيتُ سنينَ طويلةً من عمري وأنا أحيا بجسدٍ تملؤه الجراح، حتى جاء هذا الرجل، وأجهز على ما تبقى مني.كنتُ أشعر أن الألم سيقتلني، بل صرتُ أتمنى الموت.انتزعت الإبرة من يدي، وحدقت في وجه الرجل أمامي، سألته بصوت بارد: "غسان، إن أن

  • سقوط الخريف في ضوء الغروب   الفصل 4

    بعد نصف شهر من ذلك اليوم، وجدت لنفسي ملاذًا في بلدة صغيرة على شاطئ البحر.بعت خاتم زواجي، وحصلت على مال وفير، فصرتُ أقضي أيامي متنقلةً بين مشهدٍ خلّاب وطعامٍ شهي.كانت تنتابني آلام متفرقة في جسدي أحيانًا. لا أدري كم بقي لي، فعشتُ كل يوم كأنه الأخير.اتكأت على كرسي الشاطئ، أصغي إلى الأمواج وهي تتكسر على الرمل. سبع وعشرون سنة مضت من عمري، لم أذق فيها مثل هذا السلام، ولا مثل هذه الحرية.تحرك ظل على الرمل مقبلًا نحوي، إنه محامي الطلاق الذي وكلته، باسل الفهد.يلقبونه في الأوساط بأمير الثروة. إن دفعت له ما يكفي، تولى أي قضية، وهو الوحيد الذي تجرأ على قبول دعوى طلاقي.يبدو هذا الرجل طائشًا، ملامحه أحد وأجمل من ملامح النساء، وقميصه دائمًا مفتوح على أول زرين، تراه فتحسبه محتالًا يضيع وقته في دهاليز المحاكم.وقف أمامي، واضعًا يديه في جيبيه، وقال بصوتٍ خافت: "تحدثتُ مع الطرف الآخر كما طلبتِ، السيد غسان يقول إنه لن يقبل الطلاق، حتى لو أردتِ التنازل عن كل شيء.""لقد ترك شركته، وهو يبحث عنكِ كالمجنون، جاهدت لأتخلص من ملاحقته وأصل إليكِ. يبدو أنك تعنين له أكثر مما تتصورين.""هاه." أطلقت همهمة ساخرة:

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status