Share

سلاسل من حرير ورماد
سلاسل من حرير ورماد
Author: ريتا رضا

العرش المظلم

last update publish date: 2026-08-05 23:59:41

لم تكن رائحة العود والمسك في قصر "الجارحي" سوى غطاء ذكي لبرود قاتل يتخلل جدرانه. كانت الساعات تمر كأنها سكاكين تسقط ببطء، وتين تجلس على أطراف المقعد المخملي في المجلس الرئيسي، تطوق كفيها الباردين ببعضهما لعلها تجد دفئاً غائباً.

​ثوبها الحريري العنابي كان ينساب بطول جسدها الضئيل، يبرز صغر حجمها ورقتها المقابلة لضخامة القصر وقسوته. كل شيء في هذا المكان كان يستصغرها، لكن لا شيء كان يرعبها بوهجه المظلم مثل خطوات الإقدام الثقيلة التي أخذت تقترب من الباب الخارجي.

​دخل أيهم الجارحي.

​كان يبدو كجسد صُنع من الهيبة والصلابة؛ قامته الرياضية العريضة وشعره الأشقر الذهبي المصفف بصرامة، بينما عينانه الزرقاوان الكاحلتان تلقيان بظلال من الجليد على الحاضرين. خلع عباءته السوداء الراقية وألقاها بإهمال للترمان، دون أن يرفع عينيه عنها فوراً.

​حين التقت نظرته بنظرتها، شعرت وتين بقلبها ينقبض بشدة. هذا الرجل الذي أحبته في خيالها لمراهقتها، يمتلك الآن سلطة تدمير عائلتها بضغطة زر واحدة.

​اقترب منها بأقدام ثابتة، إيقاع خطواته يحبس الأنفاس في الحجرة. استقر أمامه تماماً، يطوقها بظله الضخم الذي ابتلع جسدها الصغير بالكامل. امتدت يده ذات القوة الظاهرة، بأصابعه العريضة، لتستقر تحت ذقنها مباشرة. رفعت رأسها رغماً عنها، لتواجه قسوة لم ترَ لها مثيلاً من قبل.

​"أتظنين أن هذا الثوب وسكونك المطيع سيغيران شيئاً يا وتين؟"

​صوته كان حاداً، منخفضاً كفحيل أفعى، محصناً بنبرة تملك لا ترحم. انزلاقت أصابعه بتكاسل مسموم على طول جبهتها وخاطرها وصولاً إلى عنقها، يضغط بخفة تجعل أنفاسها تتسارع بين الخوف والشغف المحرم الذي يلتهمها.

​"أنتِ هنا لسبب واحد فقط..." همس مقترباً حتى لامست أنفاسه الدافئة شفتيها المرتجفتين، بينما انقبضت قبضته الأخرى حول خصرها بقوة غير متكافئة، يجذبها إليه تماماً لتشعر بفارق القوة بينهما. "...لتدفعي ثمن كل خطيئة ارتكبها والدكِ. زواجنا ليس بداية لحياة، بل هو السجن الذي اخترتِ الدخول إليه بنفسكِ."

​اتسعت عيناها المبتلتان بالدموع، لكنها لم تتراجع. رغم الرعب الذي يعتصرها ورغم اللمسات التي تجعل جسدها يخضع له برغبة مظلمة لا تستطيع تفسيرها، همست بنبرة خافتة تحمل بذور تمرد مكتوم:

"إن كان سجناً يا أيهم... فلن أكون الأسيرة التي تبكي في الزاوية."

​ابتسامة ساخرة، مظلمة ومليئة بالتملك والغرور، ارتسمت على شفتيه وهو يضغط على خصرها أكثر، منحنياً نحو أذنها ليملأ روحها بوعيد لا يرحم.

سحب أيهم يده فوراً وكأنها لامست جمراً، مبتعداً عنها خطوتين إلى الخلف. تطلعت إليه وتين وهي تحاول استعادة أنفاسها المتهدجة، لتجد في عينيه الزرقاوين نظرة احتقار ونفرة صريحة تشبه النظر إلى شيء دنس.

​لم يلمسها مجدداً، بل مسح أصابعه بقطعة قماش حريرية كانت في جيبه قبل أن يلقيها على الطاولة بجانبه زاهداً.

​"لا تتوهمي شيئاً يا وتين،" قالها بصوت ناعم كالشفرة، يحمل كل معاني الاستخفاف. "أنتِ هنا لستِ زوجة، ولن تكوني يوماً كذلك. هذا القصر يحتوي على عشرات الخدم، ومنذ هذه اللحظة، أنتِ أحدثهم وأقلهم شأناً."

​قبل أن تستوعب كلماته، رفع أيهم يده وصصفق مرتين.

​من الممر الجانبي المخصص للخدم، أقبلت أم سعد، كبيرة التدبير في القصر، وهي امرأة في الخمسينيات من عمرها، ذات وجه صارم وملامح لا تفصح عن أي رحمة، يتبعها اثنان من الجواري الشابات اللاتي كن يتهامسن بنظرات شامتة.

​"أمرك يا أيهم باشا،" قالت أم سعد وهي تنحني بإجلال شديد.

​أشار أيهم بطرف عينيه نحو وتين دون أن ينظر إليها مباشرة:

"خذيها إلى الملحق الخلفي. جرديها من هذا الحرير، وأعطيها زي الخدم. من الغد، ستبدأ عملها في تنظيف المجلس الشرقي وغسل الفضيات. لا معاملة خاصة، ولا أكل من مائدة القصر."

​شهقت وتين بخفت، وشعرت بدمدمة الخزي تدق في رأسها. تطلعت إلى أم سعد التي اقتربت منها بملامح جافة وقالت بصوت جاد:

"اتبعيني يا فتاة، لا تجعلي الباشا ينتظر."

​وقف أيهم يراقب انسحابها نحو الممر المظلم للخدم، وعيناه لا تعبران إلا عن سرد جاف من الكراهية. لم يكن يرغب في قربها، كان ينفر من مجرد فكرة أن تجمع بينهما سجادة واحدة، فوجودها تحته كخادمة تُهان يومياً كان بالنسبة له البداية فقط للتكفير عن دماء الماضي

كانت الممرات الجانبية للملحق الخلفي تصغر وتظلم كلما ابتعدت وتين عن المجلس الرئيسي. كانت تتابع خطوات "أم سعد" السريعة، وصوت كعب حذائها يرتطم بالأرضية الحجرية الباردة كوقع الدقائق الأخيرة من حريتها.

​وقفت أم سعد أمام غرفة صغيرة ذات سقف منخفض وأثاث خشب يتهالك، ثم التفتت إليها بنظرة حادة خالية من المشاعر:

"هنا ستنامين. الملابس على السرير. أمامك عشر دقائق لترتدي زي الخدم وتتخلصي من تلك الزينة، ثم تلتحقين بي في المطبخ السفلي. الباشا لا يحب التأخير، والأخطاء هنا ثمنها غالي."

​أغلقت أم سعد الباب بقوة ترك أصداءه تهتز في الغرفة الصغيرة.

​جلست وتين على طرف السرير الخشبي، تنظر إلى الثوب الحريري العنابي الذي ارتدته صباحاً بحب وأمل، قبل أن تتلمس قماشه النادي بدمعة صامتة انسابت على خدها. لم يكن القهر من الزي ولا من المكان، بل من ذلك البرود الموتور الذي رأته في عيني أيهم؛ الرجل الذي غزل أحلام مراهقتها، أصبح السجان الذي يراها أقل من تراب هذا القصر.

​خلعت ثوبها الحريري بأصابع مرتجفة، وارتدت ثوب الخدم الرمادي البسيط. مسحت كحل عينيها، ورفعت شعرها الأسود الطويل إلى الخلف، لتتأمل وجهها في المرآة المكسورة على الحائط؛ بدا جمالها النقي صارخاً رغم بساطة الرداء، وكأن القسوة لم تزدها إلا إشراقاً يختبئ خلف الانكسار.

​عندما نزلت إلى المطبخ السفلي، كانت روائح التوابل واللحوم تشيع في المكان حيث يُعد العشاء الملكي لـ "أيهم" وضيوفه.

​وقفت سعاد، إحدى الخادمات الشابات، تتكئ على الطاولة الرخامية وفي يدها طبق فضي. نظرت إلى وتين من الأعلى إلى الأسفل بابتسامة شامتة، ثم التفتت إلى الخادمة الأخرى وقالت بصوت عالٍ تتعمد أن يسمعه الجميع:

"أنظروا من انضم إلينا.. زوجة الباشا الجديدة تصبح زميلتنا في غسل الصحون! يبدو أن جمالكِ يا هذه لم يشفع لكِ حتى لتقضي ليلتكِ الأولى في الجناح الرئيسي."

​انقبضت قبضة وتين داخل جيب ثوبها الرمادي، لكنها رفعت رأسها بثبات ولم تجب. في تلك اللحظة، اقتربت منها خادمة أخرى تُدعى مريم، ذات ملامح هادئة وعينين دافئتين، وهمست لها وهي تضع في يدها قطعة قماش لتنظيف الفضيات:

"لا تصغي إليها.. ركزي في عملكِ فقط لتتقي غضب أم سعد. القصر هنا لا يرحم الضعفاء."

​في الأعلى، في المجلس الفاخر، كان أيهم يسكب لنفسه كأساً من الماء البارد، واقفاً عند النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف، يطل على الحديقة المعتمة. كانت ملامحه حادة وكأنها قُدّت من صخر.

​تذكر نظرة عينين وتين الكحيلتين قبل قليل؛ لم تكن نظرة انكسار كامل كما أرادها أن تكون، بل كان فيها بريق من الصمود استفز كبرياءه.

​ابتسم ابتسامة مظلمة وهو يحدث نفسه:

"ستتعلمين كيف تنكسرين يا وتين.. خطوة بخطوة، حتى يزول هذا الصمود."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل حادي والعشرين

    عادت مريم بخطوات سريعة، تحمل كوباً من الماء البارد ورشة صودا، وقلبها يخفق بقلق على صديقتها التي بدت وكأنها على وشك الانهيار. وصلت إلى الزاوية التي تركت فيها وتين، لكنها توقفت فجأة...​نظرت حولها، الكرسي كان فارغاً، والمكان ساكناً تماماً إلا من صوت الموسيقى الصاخبة القادم من بعيد.​"وتين؟" نادت مريم بصوتٍ خافت، ثم رفعت صوتها قليلاً، "وتين، أين أنتِ؟ أنا هنا!"​لا رد. تقدمت مريم بخطوات متعثرة وبدأت تبحث خلف الأشجار وفي الظلال القريبة من جدران الحديقة. ازداد قلبها خفقاناً، فبدأت تركض باتجاه المخرج، ثم عادت تبحث عند سور القاعة. لم تجد لها أثراً، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها في لمح البصر! مرت الساعات، ومريم تبحث بجنون، والليل يزداد قتامة، حتى بدأت تشعر بأنها ستفقد صوابها.​في مكانٍ آخر... بعيداً عن أضواء الحفلة وصخب الأغنياء.​استيقظت وتين ببطء، وكأنها كانت تغط في نومٍ عميق لعدة ساعات. شعرت بجسدها ملقى على أرضية خشبية قاسية، وحاولت تحريك يديها لتجد أنها مربوطة بقوة خلف ظهرها بحبل خشن. فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة فارغة تماماً، لا نافذة لها، والجدران داكنة توحي بأنها في قبو معزول.​"آآآآ

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل عشرون:

    سقطت قبعة التخرج في الهواء مع مئات القبعات الأخرى، لكن وتين لم تكن تنظر إلى السماء احتفالاً، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق بنظرة مختلفة تماماً. بين هتافات الخريجين والدموع المتناثرة، كانت هي تقف بثبات، تمسك شهادتها بقوة حتى ابيضت أناملها. تلك الورقة لم تكن مجرد إثبات لنهاية سنوات الدراسة، بل كانت تذكرة العبور الأولى نحو خريطتها الجديدة... خريطة الانتقام.​ارتدت ثوب الخريجين الأسود كأنه درع حربي، وقفت لالتقاط الصورة الأخيرة وهي تبتسم ابتسامة غامضة، ابتسامة امرأة تطبخ نصرها على نار هادئة. لم تأبه لغياب من خذلوها، بل على العكس، كان غيابهم ينفخ في جمر عزيمتها.​مرت شهور من العمل الدؤوب والتخطيط الصارم. لم تعد وتين تلك الفتاة التي تسكب الدموع على الماضي؛ سهرت الليالي تسكب بدلاً منها الحبر والخطط الماليّة. استغلت كل ذكائها وعلاقاتها البسيطة لتسلق السلم خطوة بخطوة، حتى بزغ اسم مشروعها الخاص في السوق. في فترة قياسية، وبفضل جرأتها وحسها التجاري العالي، أصبحت وتين أصغر امرأة أعمال تتسلل بثبات إلى عالم المال والأعمال.​لم يكن طريقها مفروشاً بالورد، لكن مرارة الخيانة جعلت ذوق النجاح حاداً ولدي

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل التاسع عشر:

    مشاتل البرد تبسط ظلالها على شوارع العاصمة، والنسيم العليل يحرك أطراف الثوب الأسود الذي يلتصق بـ وتين كوشاح حداد لا يزول. ​نهضت وتين مع بزوغ الصباح المتعب. ارتدت معطفها الداكن الفاخر ببطء، وجمعت شعرها الأسود المنسدل بجمود، ثم وضعت حقيبتها على كتفها وتوجهت بخطوات هادئة نحو مدرجات الجامعة. كانت تفاصيل يومها تسير بنفس الإيقاع الروتيني البارد؛ استمعت للمحاضرات بصمت، وتجاهلت همسات الزملاء الذين اعتادوا رؤية هذه الحزينة الموشحة بالسواد، ثم استأذنت وغادرت الكلية مبكراً قبل زحمة الظهيرة. ​اختارت وتين طريق العودة القديم، ذلك الطريق الالتفافي الهادئ الذي يقطع أطراف الغابة المتاخمة للحي، حيث كانت الأشجار الكثيفة تخفف من ضجيج السيارات وتمنحها مساحة للاختلاء بآلامها. ​كانت تسير فوق الأوراق الجافة الصافرة، وتسمع صرير الرياح بين أغصان الصنوبر. وفجأة! لمحت من بعيد ظل رجل يجلس على جذع شجرة عتيق، وحوله بضعة خرفان ترعى في المساحة العشبية الصغيرة. ​انقبض صدر وتين بالخوف. تراجعت خطوة إلى الخلف، وأمسكت بياقة معطفها وهي تتأهب للالتفاف والركض بعيداً عن هذا الغريب في هذا الطريق الخالي. ​لكن... شق الصمتَ صو

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل الثامن عشر:

    خيّم الحزن الأسود على قلب وتين كليل سرمدي لا تشرق له شمس. مرت الأيام والأسابيع ثقيلة كالرصاص، أُقيمت فيها جنازة غيابية حاشدة لـ أيهم الجارحي بعد أن فشلت فرق الإنقاذ في العثور على جثته وسط حطام سيارته التفحمة في قاع الجرف الجبلي. ​كانت الجنازة رسمية وباردة؛ حضرها رجال الأعمال والإعلاميون، وبكت فيها إيلا دموع التماسيح أمام أجهزة التصوير، بينما كانت وتين تتابع العزاء عبر شاشة التلفاز الصغيرة في شقتها المتواضعة، تختنق بعبراتها وهي تلف رأسها بشال أسود، تتذكر كيف انتهت حياة ذلك الجلاد المارد الذي شغل مراهقتها وعذب شبابها، متمنية لو أن أفعال القسوة لم تكسر قلبه وتدفعه نحو تلك الهاوية. ​مع مرور الأشهر، بدأت الموازين تتكشف على حقيقتها الخبيثة. ​تعافى جسار من إصابة كتفه بعد سلسلة من العمليات الجراحية، ليقبض بقبضة من حديد على مقاليد شركة "الجارحي القابضة" التي جردها من اسم صاحبها الأول. أما شاهين، فقد أصيب بشلل جزئي في قدمه إثر طلقة أيهم النارية، وأصبح يتحرك على كرسي متحرك، يداري خيبته وعجزه خلف صفقات الشركة المشبوهة. ​ولم يمضِ وقت طويل حتى انكشف السر الأكبر؛ عقد جسار قرانه رسمياً على إيل

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل السابع عشر:

    ساد القاعة صمتٌ أثقل من ظلال الموت. كانت كلمات جسار وضحكاته المسمومة تتردد في أرجاء الطابق الخمسين كصفير الرياح في مقبرة مهجورة.​تسمّر أيهم في مكانه لثوانٍ معدودة. كان ينظر إلى الورقة الموقّعة بيده، ثم إلى وجه شاهين البارد، وأخيراً إلى عينَي جسار المليئتين باللؤم والشفاء. في تلك اللحظة، لم تعد العينان الزرقاوان تنبضان بالبرود الجليدي، بل تحولتا إلى جمرين من السواد المشتعل. غاب عن عقله كل منطق، وتلاشت سطوة رجل الأعمال، ليحل محلها وحشٌ جريح استُثير كبرياؤه وقُطع شريان نفوذه.​بدون مقدمات، تحرك أيهم كالصاعقة.​اقترب من طاولة الاجتماعات الزجاجية الضخمة، وبحركة واحدة قاسية من يده الفولاذية، قلب الطاولة بالكامل لترتطم بالأرضية الرخامية وتتهشم إلى ألف قطعة متناثرة! تطايرت الشاشات والملفات في الهواء، وأحدث الانفجار الزجاجي دوياً أرجف أركان الطابق كله!​تراجع شاهين برعب خطوة إلى الخلف، بينما قفز جسار من كرسيه وهو يصيح بذعر: "أيهم! هل جننت؟!"​لم يرُد أيهم بكلمة. استدار ببطء نحو مكتبه الخاص الملحق بالقاعة، وخطواته الثقيلة تهز الأرضية. دخل المكتب، وفتح الخزانة الخشبية السريّة ليخرج منها عصا بيس

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل السادس عشر: اهتزاز العرش

    استيقظ أيهم في صباح اليوم التالي وشعورٌ مبهم بثقل الصدر يراوده، كأنما تحيط به هالة من الشؤم لا يدري مصدرها.​ارتدى بدلة كحيلية داكنة، ورغم أنه كان يجلس في شرفة الفيلا الفاخرة يحتسي القهوة التي أعدتها إيلا، إلا أن عينيه الزرقاوين كانتا تتطلعان إلى الفراغ. لم تعد ضحكات إيلا ولا دلالها المبالغ فيه قادرين على طرد ذلك السواد الدفين الذي يتسلل إلى أعماقه. لقد مسح من ذاكرته اسم "وتين"، ودفن القسوة التي مارسها عليها في زوايا النسيان، لكن عقله الباطن كان يشعر بأن هناك قطعة مفقودة في حياته.. وأن الثمن الذي تدفعه إمبراطوريته يزداد كل يوم.​قَبّل إيلا على رأسها بجمود خفيف وقال بنبرة جافة:"سأذهب إلى المقر الرئيسي للشركة اليوم يا إيلا.. هناك اجتماعات مؤجلة يجب أن أحضرها بنفسي."​ظهرت لمحة رعب خاطفة في عيني إيلا، لكنها سرعان ما أخفتها بابتسامة ناعمة مطاطية:"كما تشاء يا حبيبي.. اذهب واطمئن، أنا بانتظارك."​بمجرد أن أغلقت بوابة الفيلا خلف سيارة أيهم، أخرجت إيلا هاتفها فوراً واتصلت بـ جسار.​"جسار!" قالت إيلا بنبرة مشدودة: "أيهم في طريقه إلى المقر الرئيسي! لقد تحرك فجأة دون تخطيط.. هل أتممتم نقل العق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status