تسجيل الدخولمرت ساعات الليل ثقيلة كأنها دهور، قضتها وتين في تنظيف الصحون وتلميع الأواني الفضية الضخمة تحت أعين "سعاد" الشامتة، حتى تشنجت أصابعها الناعمة وتيبّس ظهرها. كانت تتألم في صمت، تبتلع دموعها مع كل زفرة تعب، تجنباً لإظهار أي ضعف قد يُثلج صدر أيهم إن وصله الخبر.
في السادسة صباحاً، اقتحمت أم سعد المطبخ السفلي بخطواتها الصارمة، وعيناها تثبتان على وتين المستلقية لـ دقائق معدودة على كرسيك خشبي مهترئ. "استجمعي نفسكِ يا فتاة!" صاحت أم سعد وهي تصفق بيديها بقسوة. "الباشا في المجلس العلوي برفقة ضيوفه الكبار، وهو يطلب تجهيز مائدة الإفطار الفاخرة بنفسكِ وتقديم المشروبات فوراً." قامت وتين ببطء، وجففت يديها المتعبتين في ثوبها الرمادي البسيط. لم يكن أمامها سوى الخضوع للأوامر، فحياة والدها المحتجز تحت وطأة ديون أيهم كانت الرهان الوحيد في هذه اللعبة المظلمة. حملت الصينية الفضية الثقيلة المحملة بأفخر أنواع المأكولات الشرقية والنبيذ المعتق، وتوجهت بخطوات هادئة نحو السلالم الرخامية المؤدية للمجلس الرئيسي. عندما فتحت أبواب المجلس الفاخر، كانت رائحة التبغ الغالي والقهوة المعطرة بالهيل تملأ الأرجاء، تتبعها أصوات ضحكات مجلجلة. على الأريكة الجلدية السوداء، كان أيهم الجارحي يجلس كالملك المطاع. يرتدي قميصاً أسود يبرز عضلات صدره الرياضية العريضة وشعره الأشقر مصفف بعناية، وعيناه الزرقاوان تنضحان بالسطوة والتكبر. وبجانبه، يتمدد صديقاه المتعجرفان جسار وشاهين، يتبادلان المزاح ويمسكان بكؤوسهما. لكن ما جعل قدمي وتين تتسمران في أرضهما لحظة الدخول، هو المرأة التي كانت تتكئ براحتها على فخذ أيهم بتملك صريح. كانت كرمة الهاشمي قد عادت للتو من الخارج، تلتف بفستان أخضر مخملي كشف الكثير من جسدها، وتضع مساحيق تجميل صارخة يغلب عليها الأحمر الفاقع. كانت تضحك بدلال، وتطعم أيهم من يدها بشراب فاخر. ساد الصمت المفاجئ في القاعة حين خطت وتين إلى الداخل برداء الخدم الرمادي. رمقها جسار بنظرة تقييم مستهزئة، ثم مال على شاهين يتهامسان بسخرية، بينما كتمت كرمة ابتسامة شامتة وهي ترى ملامح وتين الجميلة يغطيها الإرهاق. "أوه أيهم عزيزي.." قالت كرمة بصوت ناعم، وهي تعبث بأزرار قميصه بحركات مائعة أمامهما: "هل هذه هي الخادمة الجديدة؟ يبدو أنها تملك وجهاً حسناً، لكنها لا تجيد المشي باتزان وحمل الصينية كما يجب." لم يرفع أيهم رأسه فوراً، بل ارتشف من كأسه بتلذذ بارد، ثم وجه عينيه الجليديتين نحو وتين. كانت نظرته محملة بنفرة شديدة وكراهية متقدة، وكأنه ينظر إلى حشرة لا تستحق التواجد في مداره. "تقدمي يا وتين،" قالها أيهم بصوت خفيض وكأنه شفرة حادة. "واسكبي النبيذ لـ كرمة." بلعت وتين غصتها وتقدمت بخطوات مرتجفة. انحنت بجسدها الصغير لتمسك بزجاجة الكريستال، وأثناء انحنائها القريب من كرمة، مدّت الأخيرة قدمها بمهارة مباغتة ودَفعت يد وتين بخفة. تحطمت الزجاجة الكريستالية على السجادة الإيرانية الباهظة، وانسكب الشراب الداكن ليبلل أطراف فستان كرمة. شهقت كرمة بتمثيل متقن ووقفت صارخة: "أنتِ غبية وحاقدة! كيف تجرئين على إتلاف فستاني؟!" قبل أن تنطق وتين بكلمة واحدة، نهض أيهم كالمارد المتفجر. في ثانية واحدة، كانت يده الفولاذية تقبض على شعر وتين الأسود من الخلف بقوة وحشية، يجذب رأسها للخلف بشدة وجسمها يترنح أبراً. "أيتها القذرة!" زمجر أيهم بصوت زلزل القاعة، ورائحة الخمر تخرج من أنفاسه الملتصقة بوجهها. "لا تصلحين حتى لكونكِ حذاءً تحت أقدام ضيوفي!" رفعت يدها تحاول تخفيف الضغط المُميت على جذور شعرها، لكنه قبض بيده الأخرى على خصرها يصرصها إليه بقسوة، محكماً وثاقها ضد صدره الصلب. عيناه كانت تنبضان برغبة مظلمة في السيطرة والإهانة. "اعتذري لها فوراً.. واجثي على ركبتيكِ لتنظيف هذا القذر بلائكِ!" قالها وهو يضغط بجسده الرياضي عليها أكثر، يرسل في جسدها الضعيف قشعريرة مرعبة بين الخوف والاندفاع الجسدي القسري. ورغم الألم الذي كاد يقتلع رأسها، ورغم القرب المحرم الذي يجمع جسديهما لأول مرة بطريقة عنيفة، رفعت وتين عينين الكحيلتين لتتحديا عينيه الزرقاوين بثبات ناري وقالت بصوت جاف: "لن أجثو يا أيهم.. ولن أعتذر عن مكر لم أقترفه!" احمرت عينا أيهم بغضب طاغٍ. لم ينطق بكلمة، بل جرّها خلفه برعونة عبر الممر، متجاهلاً نظرات كرمة الشامتة وضحكات جسار. فتح باب جناحه الخاص وألقى بها إلى الداخل بقسوة لتسقط على الأرضية الرخامية الباردة بجانب السرير الملكي. أغلق الباب بالمفتاح، ودخل يتجرع بقية غضبه، يُحكم سيطرته على الغرفة المظلمة. خلع سترة بدلته برعونة وألقاها على الأرض، ثم اقترب منها بخطوات متسلطة توحي بليلة سوداء لن ترحم فيها عذريتها ولا كبرياءها.عادت مريم بخطوات سريعة، تحمل كوباً من الماء البارد ورشة صودا، وقلبها يخفق بقلق على صديقتها التي بدت وكأنها على وشك الانهيار. وصلت إلى الزاوية التي تركت فيها وتين، لكنها توقفت فجأة...نظرت حولها، الكرسي كان فارغاً، والمكان ساكناً تماماً إلا من صوت الموسيقى الصاخبة القادم من بعيد."وتين؟" نادت مريم بصوتٍ خافت، ثم رفعت صوتها قليلاً، "وتين، أين أنتِ؟ أنا هنا!"لا رد. تقدمت مريم بخطوات متعثرة وبدأت تبحث خلف الأشجار وفي الظلال القريبة من جدران الحديقة. ازداد قلبها خفقاناً، فبدأت تركض باتجاه المخرج، ثم عادت تبحث عند سور القاعة. لم تجد لها أثراً، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها في لمح البصر! مرت الساعات، ومريم تبحث بجنون، والليل يزداد قتامة، حتى بدأت تشعر بأنها ستفقد صوابها.في مكانٍ آخر... بعيداً عن أضواء الحفلة وصخب الأغنياء.استيقظت وتين ببطء، وكأنها كانت تغط في نومٍ عميق لعدة ساعات. شعرت بجسدها ملقى على أرضية خشبية قاسية، وحاولت تحريك يديها لتجد أنها مربوطة بقوة خلف ظهرها بحبل خشن. فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة فارغة تماماً، لا نافذة لها، والجدران داكنة توحي بأنها في قبو معزول."آآآآ
سقطت قبعة التخرج في الهواء مع مئات القبعات الأخرى، لكن وتين لم تكن تنظر إلى السماء احتفالاً، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق بنظرة مختلفة تماماً. بين هتافات الخريجين والدموع المتناثرة، كانت هي تقف بثبات، تمسك شهادتها بقوة حتى ابيضت أناملها. تلك الورقة لم تكن مجرد إثبات لنهاية سنوات الدراسة، بل كانت تذكرة العبور الأولى نحو خريطتها الجديدة... خريطة الانتقام.ارتدت ثوب الخريجين الأسود كأنه درع حربي، وقفت لالتقاط الصورة الأخيرة وهي تبتسم ابتسامة غامضة، ابتسامة امرأة تطبخ نصرها على نار هادئة. لم تأبه لغياب من خذلوها، بل على العكس، كان غيابهم ينفخ في جمر عزيمتها.مرت شهور من العمل الدؤوب والتخطيط الصارم. لم تعد وتين تلك الفتاة التي تسكب الدموع على الماضي؛ سهرت الليالي تسكب بدلاً منها الحبر والخطط الماليّة. استغلت كل ذكائها وعلاقاتها البسيطة لتسلق السلم خطوة بخطوة، حتى بزغ اسم مشروعها الخاص في السوق. في فترة قياسية، وبفضل جرأتها وحسها التجاري العالي، أصبحت وتين أصغر امرأة أعمال تتسلل بثبات إلى عالم المال والأعمال.لم يكن طريقها مفروشاً بالورد، لكن مرارة الخيانة جعلت ذوق النجاح حاداً ولدي
مشاتل البرد تبسط ظلالها على شوارع العاصمة، والنسيم العليل يحرك أطراف الثوب الأسود الذي يلتصق بـ وتين كوشاح حداد لا يزول. نهضت وتين مع بزوغ الصباح المتعب. ارتدت معطفها الداكن الفاخر ببطء، وجمعت شعرها الأسود المنسدل بجمود، ثم وضعت حقيبتها على كتفها وتوجهت بخطوات هادئة نحو مدرجات الجامعة. كانت تفاصيل يومها تسير بنفس الإيقاع الروتيني البارد؛ استمعت للمحاضرات بصمت، وتجاهلت همسات الزملاء الذين اعتادوا رؤية هذه الحزينة الموشحة بالسواد، ثم استأذنت وغادرت الكلية مبكراً قبل زحمة الظهيرة. اختارت وتين طريق العودة القديم، ذلك الطريق الالتفافي الهادئ الذي يقطع أطراف الغابة المتاخمة للحي، حيث كانت الأشجار الكثيفة تخفف من ضجيج السيارات وتمنحها مساحة للاختلاء بآلامها. كانت تسير فوق الأوراق الجافة الصافرة، وتسمع صرير الرياح بين أغصان الصنوبر. وفجأة! لمحت من بعيد ظل رجل يجلس على جذع شجرة عتيق، وحوله بضعة خرفان ترعى في المساحة العشبية الصغيرة. انقبض صدر وتين بالخوف. تراجعت خطوة إلى الخلف، وأمسكت بياقة معطفها وهي تتأهب للالتفاف والركض بعيداً عن هذا الغريب في هذا الطريق الخالي. لكن... شق الصمتَ صو
خيّم الحزن الأسود على قلب وتين كليل سرمدي لا تشرق له شمس. مرت الأيام والأسابيع ثقيلة كالرصاص، أُقيمت فيها جنازة غيابية حاشدة لـ أيهم الجارحي بعد أن فشلت فرق الإنقاذ في العثور على جثته وسط حطام سيارته التفحمة في قاع الجرف الجبلي. كانت الجنازة رسمية وباردة؛ حضرها رجال الأعمال والإعلاميون، وبكت فيها إيلا دموع التماسيح أمام أجهزة التصوير، بينما كانت وتين تتابع العزاء عبر شاشة التلفاز الصغيرة في شقتها المتواضعة، تختنق بعبراتها وهي تلف رأسها بشال أسود، تتذكر كيف انتهت حياة ذلك الجلاد المارد الذي شغل مراهقتها وعذب شبابها، متمنية لو أن أفعال القسوة لم تكسر قلبه وتدفعه نحو تلك الهاوية. مع مرور الأشهر، بدأت الموازين تتكشف على حقيقتها الخبيثة. تعافى جسار من إصابة كتفه بعد سلسلة من العمليات الجراحية، ليقبض بقبضة من حديد على مقاليد شركة "الجارحي القابضة" التي جردها من اسم صاحبها الأول. أما شاهين، فقد أصيب بشلل جزئي في قدمه إثر طلقة أيهم النارية، وأصبح يتحرك على كرسي متحرك، يداري خيبته وعجزه خلف صفقات الشركة المشبوهة. ولم يمضِ وقت طويل حتى انكشف السر الأكبر؛ عقد جسار قرانه رسمياً على إيل
ساد القاعة صمتٌ أثقل من ظلال الموت. كانت كلمات جسار وضحكاته المسمومة تتردد في أرجاء الطابق الخمسين كصفير الرياح في مقبرة مهجورة.تسمّر أيهم في مكانه لثوانٍ معدودة. كان ينظر إلى الورقة الموقّعة بيده، ثم إلى وجه شاهين البارد، وأخيراً إلى عينَي جسار المليئتين باللؤم والشفاء. في تلك اللحظة، لم تعد العينان الزرقاوان تنبضان بالبرود الجليدي، بل تحولتا إلى جمرين من السواد المشتعل. غاب عن عقله كل منطق، وتلاشت سطوة رجل الأعمال، ليحل محلها وحشٌ جريح استُثير كبرياؤه وقُطع شريان نفوذه.بدون مقدمات، تحرك أيهم كالصاعقة.اقترب من طاولة الاجتماعات الزجاجية الضخمة، وبحركة واحدة قاسية من يده الفولاذية، قلب الطاولة بالكامل لترتطم بالأرضية الرخامية وتتهشم إلى ألف قطعة متناثرة! تطايرت الشاشات والملفات في الهواء، وأحدث الانفجار الزجاجي دوياً أرجف أركان الطابق كله!تراجع شاهين برعب خطوة إلى الخلف، بينما قفز جسار من كرسيه وهو يصيح بذعر: "أيهم! هل جننت؟!"لم يرُد أيهم بكلمة. استدار ببطء نحو مكتبه الخاص الملحق بالقاعة، وخطواته الثقيلة تهز الأرضية. دخل المكتب، وفتح الخزانة الخشبية السريّة ليخرج منها عصا بيس
استيقظ أيهم في صباح اليوم التالي وشعورٌ مبهم بثقل الصدر يراوده، كأنما تحيط به هالة من الشؤم لا يدري مصدرها.ارتدى بدلة كحيلية داكنة، ورغم أنه كان يجلس في شرفة الفيلا الفاخرة يحتسي القهوة التي أعدتها إيلا، إلا أن عينيه الزرقاوين كانتا تتطلعان إلى الفراغ. لم تعد ضحكات إيلا ولا دلالها المبالغ فيه قادرين على طرد ذلك السواد الدفين الذي يتسلل إلى أعماقه. لقد مسح من ذاكرته اسم "وتين"، ودفن القسوة التي مارسها عليها في زوايا النسيان، لكن عقله الباطن كان يشعر بأن هناك قطعة مفقودة في حياته.. وأن الثمن الذي تدفعه إمبراطوريته يزداد كل يوم.قَبّل إيلا على رأسها بجمود خفيف وقال بنبرة جافة:"سأذهب إلى المقر الرئيسي للشركة اليوم يا إيلا.. هناك اجتماعات مؤجلة يجب أن أحضرها بنفسي."ظهرت لمحة رعب خاطفة في عيني إيلا، لكنها سرعان ما أخفتها بابتسامة ناعمة مطاطية:"كما تشاء يا حبيبي.. اذهب واطمئن، أنا بانتظارك."بمجرد أن أغلقت بوابة الفيلا خلف سيارة أيهم، أخرجت إيلا هاتفها فوراً واتصلت بـ جسار."جسار!" قالت إيلا بنبرة مشدودة: "أيهم في طريقه إلى المقر الرئيسي! لقد تحرك فجأة دون تخطيط.. هل أتممتم نقل العق







