All Chapters of سلاسل من حرير ورماد : Chapter 1 - Chapter 10

19 Chapters

العرش المظلم

لم تكن رائحة العود والمسك في قصر "الجارحي" سوى غطاء ذكي لبرود قاتل يتخلل جدرانه. كانت الساعات تمر كأنها سكاكين تسقط ببطء، وتين تجلس على أطراف المقعد المخملي في المجلس الرئيسي، تطوق كفيها الباردين ببعضهما لعلها تجد دفئاً غائباً.​ثوبها الحريري العنابي كان ينساب بطول جسدها الضئيل، يبرز صغر حجمها ورقتها المقابلة لضخامة القصر وقسوته. كل شيء في هذا المكان كان يستصغرها، لكن لا شيء كان يرعبها بوهجه المظلم مثل خطوات الإقدام الثقيلة التي أخذت تقترب من الباب الخارجي.​دخل أيهم الجارحي.​كان يبدو كجسد صُنع من الهيبة والصلابة؛ قامته الرياضية العريضة وشعره الأشقر الذهبي المصفف بصرامة، بينما عينانه الزرقاوان الكاحلتان تلقيان بظلال من الجليد على الحاضرين. خلع عباءته السوداء الراقية وألقاها بإهمال للترمان، دون أن يرفع عينيه عنها فوراً.​حين التقت نظرته بنظرتها، شعرت وتين بقلبها ينقبض بشدة. هذا الرجل الذي أحبته في خيالها لمراهقتها، يمتلك الآن سلطة تدمير عائلتها بضغطة زر واحدة.​اقترب منها بأقدام ثابتة، إيقاع خطواته يحبس الأنفاس في الحجرة. استقر أمامه تماماً، يطوقها بظله الضخم الذي ابتلع جسدها الصغير ب
last updateLast Updated : 2026-08-05
Read more

الفصل الثاني

مرت ساعات الليل ثقيلة كأنها دهور، قضتها وتين في تنظيف الصحون وتلميع الأواني الفضية الضخمة تحت أعين "سعاد" الشامتة، حتى تشنجت أصابعها الناعمة وتيبّس ظهرها. كانت تتألم في صمت، تبتلع دموعها مع كل زفرة تعب، تجنباً لإظهار أي ضعف قد يُثلج صدر أيهم إن وصله الخبر. ​في السادسة صباحاً، اقتحمت أم سعد المطبخ السفلي بخطواتها الصارمة، وعيناها تثبتان على وتين المستلقية لـ دقائق معدودة على كرسيك خشبي مهترئ. ​"استجمعي نفسكِ يا فتاة!" صاحت أم سعد وهي تصفق بيديها بقسوة. "الباشا في المجلس العلوي برفقة ضيوفه الكبار، وهو يطلب تجهيز مائدة الإفطار الفاخرة بنفسكِ وتقديم المشروبات فوراً." ​قامت وتين ببطء، وجففت يديها المتعبتين في ثوبها الرمادي البسيط. لم يكن أمامها سوى الخضوع للأوامر، فحياة والدها المحتجز تحت وطأة ديون أيهم كانت الرهان الوحيد في هذه اللعبة المظلمة. ​حملت الصينية الفضية الثقيلة المحملة بأفخر أنواع المأكولات الشرقية والنبيذ المعتق، وتوجهت بخطوات هادئة نحو السلالم الرخامية المؤدية للمجلس الرئيسي. ​عندما فتحت أبواب المجلس الفاخر، كانت رائحة التبغ الغالي والقهوة المعطرة بالهيل تملأ الأرجاء، تت
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل الثالث:

استقرت وتين على الأرضية الرخامية الباردة، وجسدها يرتجف إثر السقطة القاسية. كانت أنفاسها متلاحقة، وقلبها ينبض في صدرها كطبل مكسور. رفعت رأسها ببطء لترتطم عيناها بأيهم، الذي كان يقف فوقها كشبح من الانتقام، يتنفّس بغضب مكتوم ورائحة الخمر المعتق تصدر منه بكثافة.​انحنى نحوها ببطء حثيث، كفهد يستعرض قوته أمام فريسة محاصرة. قبل أن تمس الأرض بيديها لتلتقط أنفاسها، امتدت يده القوية لتقبض على فكها العاجي بضغط مؤلم، يجبرها على رفع وجهها لمواجهة عينيه الجليديتين اللتين تحولتا إلى جمر متقد.​"هل تظنين أنكِ في بيت والدكِ يا وتين؟" همس بصوت خفيض، ينبض بتهديد حاد كشفرة سكين. "هنا.. كلمتي هي القانون، وكبرياؤكِ هذا سأسحقه تحت قدمي قطعة قطعة."​حاولت أن تملص فكها من قبضته الفولاذية، لكن ضغط أصابعه ازداد قسوة، حتى شعرت بشرار الألم يسري في عظام وجهها. رغم الدموع التي تحجرت في عينيها الكحيلتين، إلا أن شعاع التحدي لم يطفأ.​"يمكنك أن تحبسني.. يمكنك أن تضربني يا أيهم،" قالتها بنبرة صوت خريفي لكنها ثابتة، "لكنك لن تملك روحي أبداً.. سأظل أراك الجلاد الصغير الذي يحتمي بثرائه!"​تجمّد وجه أيهم، واشتعل الغضب في ح
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل الرابع

تسللت أشعة الشمس الأولى عبر الستائر المخملية الداكنة، لترسم خطوطاً باردة على أرضية الجناح. فتحت وتين عينيها المجهدتين لتجد نفسها انكمشت على طرف السرير طوال الليل، بجسد منهك يعتصره الألم وآثار أصابع أيهم القاسية على بشرتها العاجية.​التفتت بنظرتها نحو الأريكة؛ كان أيهم قد غادر الجناح بالفعل، ولم يبقَ منه سوى رائحة عطره النفاذ ونبيذه المعتق التي لا تزال تملأ المكان.​نهضت ببطء وصعوبة، تلمس جسدها المنهك وتعدل ثوب الخدم الرمادي. لم يكن أمامها وقت لالتقاط أنفاسها، فصوت خطوات "أم سعد" الصارمة في الممر كان ينذر ببدء يوم جديد من العذاب.​فتحت أم سعد باب الجناح بالمفتاح الاحتياطي، ونظرت إلى وتين بنظرة جافة خالية من الشفقة:"إن انتهيتِ من التباكي، انزلي فوراً لتنظيف الأجنحة السفلية قبل أن يستيقظ ضيوف الباشا. عملكِ اليوم في جناح الآنسة كرمة."​انقبض قلب وتين لدى سماع الاسم، لكنها هزت رأسها بالمرغمة ونزلت إلى الدور السفلي.​في جناح الضيوف الفاخر، كانت كرمة الهاشمي تقف أمام المرآة الكبيرة تتأمل فستانها الزمردي جديد التصميم، وعيناها تنضحان بشرارة الانتقام. لم تستطع النوم ليلتها وهي تفكر في طريقة اح
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل الخامس

كان قبو الحطب الواقع تحت القصر بارداً كالمقبرة، تطوقه جدران حجرية رطبة يفوح منها عبق التراب والشرور القديمة. ألقى بها أيهم إلى الداخل بقسوة، لتسقط على الأرضية الترابية الخشنة بين أوراق الشجر اليابسة وحزم الحطب المتراكمة.​أغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه، وسمعت صوت السلسلة الحديدية وهي تلفّ حول المقبض لتسجنها في ظلمة دامسة لا يقطعها سوى شعاع ضئيل يتسلل من شباك حديدي صغير مرتفع.​وضعت وتين يدها على صدرها المجهد، تنشج بصمت وتلمس آثار أصابعه التي لا تزال تطبع القسوة على معصميها وعنقها. لم تكن برودة المكان هي ما يمزق روحها، بل طعم الظلم المُر والإهانة التي جرعتها إياها كرمة أمام الجميع.​رفع أيهم السلسلة بيده من الخارج، وقال بصوت حاد يتخلل شقوق الباب:"هذا هو مكانكِ الحقيقي يا وتين.. هنا بين الحطب والرطوبة. ستخرجين كل صباح لخدمتي وخدمة ضيوفي، وتعودين إلى هنا لتعلمي أن كبرياءكِ لا يساوي شيئاً تحت قدمي."​لم تجبه. ضغطت على شفتيها حتى كادت تدميهما، ممتنعة عن منحه لذة الانكسار أو سماع رجائها.​سمعت خطواته الثقيلة تبتعد وتصعد درجات القبو، يعود إلى رفاهية قاطنيه وضيوفه، بينما بقيت هي تغرق في العتم
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل السادس:

خرجت وتين من القبو البارد مع إشراقة الفجر، وجسدها يصرخ أضلاعاً وآلاماً من قسوة الليلة الماضية على التراب الرطب. كانت العلامات الداكنة التي تركها أيهم على طول عنقها وكتفها تشتعل وجعاً، لكنها أصلحت زي الخدم الرمادي ورفعت شعرها الأسود الطويل بثبات، متجاهلة نظرات الشماتة التي ترميها بها سعاد في الممرات السفلى.​وقف أيهم في شرفة مكتبه العلوي، يرتدي قميصه الأسود المعتاد، وفي يده فنجان القهوة المر. كانت عيناه الجليديتان تتابعان وتين وهي تحمل دلاء الماء الثقيلة عبر الحديقة متجهة نحو الصالة الرئيسية. رغم شحوب وجهها والإرهاق الصارخ تحت عينيها، إلا أن خطواتها لم تكن خطوات امرأة مكسورة؛ كان تمردها الصامت يشتعل في أعماقه، ليذكره بفشله في إخضاعها بالكامل.​في الصالة الرئيسية، كانت وتين تجثو على ركبتيها لتمسح الأرضية الرخامية الباردة. كانت الأصابع الناعمة تكتوي بماء التنظيف، لكن عقلك كان يعمل بسرعة. كلام مريم عن تردد سعاد على جناح الضيوف قبل اختفاء العقد لم يكن مجرد صدفة؛ كان خيط اللعبة الوحيد.​"أسرعي يا هذه!" جاء صوت أم سعد الصارم من خلفها، وهي تحثها ببرود: "أمامك تنظيف جناح الباشا ومكتبه الخاص قب
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل السابع:

أشرقت شمس الصباح التالي لتعرف بداية فصل جديد من الصراع.​غادر أيهم القصر في الصباح الباكر يرتدي بدلة داكنة خيطت خصيصاً له، تطوقه هيبة رجال الأعمال ونفوذ "الجارحي القابضة". كان يقود سيارته الفارهة باتجاه الشركة، حيث ينتظره هناك اجتماع حافل وتعيين كرمة رسميصاً كمساعدة شخصية، متجاهلاً كلياً الجحيم الذي تركه خلفه في القصر.​في القصر، ساد الهدوء الظاهري بعد مغادرة الباشا.​استغلت وتين خلو الدور العلوي وانشغال أم سعد بإعداد المؤن المطبخية، لتصعد مع مريم بخطوات حذرة نحو الممر المؤدي لجناح الضيوف والمكتب.​"سأراقب أنا الدرج،" همست مريم وهي تقف عند زاوية الممر: "إن جاءت أم سعد أو سعاد سأصدر صفيراً خفيفاً."​أومأت وتين ودخلت غرفة التحكم الصغيرة الملحقة بمكتب أيهم. كانت أنفاسها متسارعة، وأصابعها تتحرك بمهارة على شاشة المراقبة المحفوظة. أعادت الشريط إلى ليلة الحادثة، وتحديداً الساعة التي ادعت فيها كرمة سرقة العقد الماسي.​حبست وتين أنفاسها وهي تشاهد الفيديو!​ظهرت الشاشة واضحة: كرمة تخرج من جناحها وبيدها العلبة المخملية الكحلية، وتسلمها سرّاً لـ سعاد في زاوية الممر المظلمة! ثم تسللت سعاد بخفة نحو
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل الثامن:

في الفيلا الفاخرة التي اشتراها أيهم لـ "كرمة" في أرقى أحياء المدينة ، كانت أضواء الشموع تكتسي القاعة الذهبية بدفء خادع. انسابت الموسيقى الهادئة في الأرجاء، بينما كانت زجاجات النبيذ المعتق تتصدر الطاولة الرخامية.​كانت كرمة ترتدي فستاناً حمراً مكشوفاً، وتتمايل بدلال حول أيهم الذي كان يجلس على أريكة جلدية عريضة، يخلع سترة بدلته الداكنة ويحل الأزرار الأولى لقميصه الأبيض. في يده كأس من الخمر يرتشف منه بجرعات متتالية، وعيناه الزرقاوان تغرقان في ضباب السكر والشرود.​اقتربت كرمة وجلست على ركبتيها أمامه، تضع يديها المطلية بالأحمر الفاقع على ساقيه، وتهمس بنبرة مسمومة:"أيهم عزيزي.. لم أرَك بهذه الحيرة من قبل. هل تشغل بالك معاملات الشركة، أم أنك لا تزال تفكر في تلك السارقة التي تركتها في قبو القصر؟"​تجمّدت حركة أيهم فوراً. وضع كأسه بقسوة على الطاولة ليحدث صدى جافاً، ثم التفت نحو كرمة بنظرة حادة يملؤها الجليد والمقت. امتدت يده القوية لتقبض على خصلات شعرها بقوة مباغتة، يجذب رأسها للخلف حتى شهقت بذهول.​"إياكِ أن تنطقي باسمها على لسانكِ يا كرمة!" زمجر أيهم بصوت خفيض بحّة النبيذ تجعله أشبه بهدير م
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل التاسع: اقتلاع الأفاعي

​ساد القصر صمتٌ مريب، أثقل من ظلام الليل الذي يلف أركانه. كان الصوت الوحيد هو وقع خطوات أيهم على السلالم الرخامية؛ خطوات ثقيلة، حاسمة، تحمل بين طياتها نذير مجزرة لا ترحم. ​لم يعد هناك أثر للخمر في عينيه الزرقاوين. استحال السكر إلى جمر متقد، والبرود الساخر تحول إلى غضب وحشي يكاد يعصف بفرائص القصر كله. خلفه، كانت وتين تسير بخطوات هادئة وثابتة؛ لم تبتسم، ولم تظهر أي علامة انتصار خفيف، بل اكتفت بنظرة كبرياء نارية وهي تترقب القصاص. ​نزل أيهم إلى الملحق السفلي حيث تقيم الخادمات. وبدون أن يطرق باباً، دفع الباب الخشبي بقدمه الفولاذية ليتحطم قفله بحركة واحدة أحدثت دوياً كالصاعقة. ​استيقظت الخادمات مذعورات. قفزت أم سعد من مضجعها وهي ترتجف، بينما شحب وجه سعاد وصارت كجثة هامدة فور أن التقت عينها بعيني أيهم المشتعلتين. ​"باشا! ماذا حدث؟!" تلعثمت أم سعد بصوت مرتجف وهي تحاول تغطية رأسها. ​لم يرُد أيهم بكلمة. تقدم خطوتين كالمارد الضخم، وامتدت يده الفولاذية كالمرساة لتقبض على شعر سعاد وتقتلعها من مضجعها بقوة وحشية، تجرها على الأرضية الحجرية وسط صراخها المكتوم ورعب الخادمات. ​"الباشا! الرحمة يا ب
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل العاشر

ساد الهدوء أرجاء الجناح الرئيسي بعد طوفان الغضب الذي عصف بالقصر. غادر أيهم نحو شركته لمتابعة أعماله المتشابكة مع جسار وشاهين، تاركاً وتين في الغرفة الفسيحة التي استعادتها. ​جلست وتين على طرف السرير الملكي، وتطلعت إلى المرآة الفخمة ذات الإطار المذهب. كانت ملامحها ناصعة، لكن عينيها الكحيلتين تحملان ثقلاً من الذكريات القديمة التي أبقتها دفينة في أعماقها. ​ارتجفت شفتها بابتسامة باهتة وهي تعود بذاكرتها إلى أعوام مضت... إلى أيام المراهقة والصبى. ​[فلاش باك: ذكريات الصبى ومرارة الحاضر] ​كانت وتين في السابعة عشرة من عمرها، تصعد شرفة منزل والدها القديم، تراقب من بعيد شاباً أسمر القامة، أشقر الشعر، حاد الملامح، يفيض بالرجولة والسطوة منذ صغره.. كان أيهم الجارحي. ​كانت تتأمل خطواته الثابتة، وضحكته القليلة التي تزين وجهه الصارم، وتتمنى في سرها أن تلمس تلك النظرة الجليدية شذراً من العطف نحوها. غزل تفكيرها الغرير أحلاماً وردية عن فارس يحميها ويغمرها بعشقه، وكانت تضع يدها على قلبها كلما مرّ طيفه بالقرب من بيتها. ​لكن الأحلام الوردية تحطمت كـ زجاج هشمته الأيام؛ حين وقع والدها في فخ الديون المترا
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status