Mag-log inساد الهدوء أرجاء الجناح الرئيسي بعد طوفان الغضب الذي عصف بالقصر. غادر أيهم نحو شركته لمتابعة أعماله المتشابكة مع جسار وشاهين، تاركاً وتين في الغرفة الفسيحة التي استعادتها.
جلست وتين على طرف السرير الملكي، وتطلعت إلى المرآة الفخمة ذات الإطار المذهب. كانت ملامحها ناصعة، لكن عينيها الكحيلتين تحملان ثقلاً من الذكريات القديمة التي أبقتها دفينة في أعماقها. ارتجفت شفتها بابتسامة باهتة وهي تعود بذاكرتها إلى أعوام مضت... إلى أيام المراهقة والصبى. [فلاش باك: ذكريات الصبى ومرارة الحاضر] كانت وتين في السابعة عشرة من عمرها، تصعد شرفة منزل والدها القديم، تراقب من بعيد شاباً أسمر القامة، أشقر الشعر، حاد الملامح، يفيض بالرجولة والسطوة منذ صغره.. كان أيهم الجارحي. كانت تتأمل خطواته الثابتة، وضحكته القليلة التي تزين وجهه الصارم، وتتمنى في سرها أن تلمس تلك النظرة الجليدية شذراً من العطف نحوها. غزل تفكيرها الغرير أحلاماً وردية عن فارس يحميها ويغمرها بعشقه، وكانت تضع يدها على قلبها كلما مرّ طيفه بالقرب من بيتها. لكن الأحلام الوردية تحطمت كـ زجاج هشمته الأيام؛ حين وقع والدها في فخ الديون المتراكمة، وتحول الفارس القديم إلى تاجر قسوة لا يرحم. تذكرت وتين ذلك اليوم المظلم قبل أسابيع فقط من زواجهما القسري، حين أتى أيهم إلى منزل والدها، يرتدي بدلة داكنة ونظراته تنضح بالتسلّط والاستخفاف. وقف أمامهما يوقع أوراق فك الديون، ثم التفت نحوها، وعيناه الزرقاوان تجردانها من كرامتها بنظرة سرد باردة. "أنا لا أتزوجكِ حبّاً أو رغبة في جمالكِ يا وتين،" قالها أيهم حينها بنبرة مسمومة جرحت أنوثتها في الأعماق، وهو يمسك بمعصمها بقوة أمام والدها العاجز: "أنا فقط أشتري هذه الرقبة الجميلة بدل الديون التي عجز والدك الصعلوك عن سدادها. ستكونين جارية بعقد زواج رسمي.. حليفة صمتي ورهينة كبريائي." كانت تلك الكلمات كالخنجر المسموم الذي ذبح حب مراهقتها النقي، وحول مشاعرها تجاهه إلى جدار صلب من التحدي والكراهية، لتعاهد نفسها منذ تلك اللحظة ألا تنكسر أمامه مهما بلغت قسوته. مسحت وتين دمعة حارقة فرت من عينها، واستعادت ثباتها وهي تعود إلى واقعها. انقطع شريط ذكرياتها على صوت طلقات خفيفة ومستعجلة على باب الجناح! فتحت مريم الباب ببطء، وعلى وجهها علامات القلق والتردد، وهمست بصوت خفيض: "وتين.. هناك شاب يقف عند السور الخلفي للملحق، يحاول التسلل لداخل القصر! يقول إنه شقيقكِ فارس!" انتفضت وتين من مكانها وشحب وجهها: "فارس?!" ركضت وتين بملابسها الناعمة نحو الملحق الخلفي، لتجد شقيقها الأصغر فارس (في الثانية والعشرين من عمره)، يرتدي ثياباً بسيطة وعيناه تتطايار منهما شرارات الغضب والخوف على أخته. "فارس! ماذا تفعل هنا؟! كيف تجرؤ على المجيء إلى قصر أيهم؟!" هتفت وتين وهي تمسك بيده وتحاول إخفاءه خلف شجيرات الحديقة. قبض فارس على كتفيها بحدة، وعيناه تتفحصان وجهها الشاحب والعلامات الخفيفة على عنقها: "وتين! أتى إليّ خبر أن ذلك المجنون يحبسكِ ويعاملكِ كخادمة! والدنا طريح الفراش لا يعلم شيئاً، لكنني لن أسمح له بأكل كرامتنا أكثر من هذا! جئتُ لآخذكِ معي وننهي هذه المهزلة، وليفعل أيهم ما يشاء بأوراقه وديونه!" دمعت عينا وتين لشجاعة شقيقها، لكنها كانت تعلم يقظة أيهم ومدى النفوذ الذي يملكه لتدمير عائلتها بالكامل إن حاولوا التمرد بصورة غير محسوبة. "لا يا فارس.. أرجوك ارحل فوراً!" همست وتين بخوف حقيقي عليه: "أيهم ليس رجلاً يستهان به، وإن رآك هنا سيزيد من خناقه على أبي وعليك! أنا بخير.. لقد أعدتُ حق كرامتي وكسرتُ بعضاً من غروره، وما زلتُ أقوم بمواجهته." "لن أترككِ في سجن هذا المريض!" احتدم صوت فارس بغضب. وفي تلك اللحظة بالذات... سُمِعَ صوت صرير عجلات سيارة أيهم الفارهة وهي تقف في الفناء الأمامي، يتبعها صوت إغلاق الأبواب بحدة، حيث كان أيهم يتحدث في هاتفه بغضب رفقة جسار بعد عودتهما من الشركة والمطعم! تجمّد الدم في عروق وتين، ودُفِعَ فارس للخلف وهي تهمس برعب: "إنه هنا! إن رآك أيهم سيتهمك بالتسلل أو بالسرقة ولن يرحمك.. مريم! خذيه بسرعة من الباب الخلفي للمزرعة!" نجحت مريم في سحب فارس بسرعة خاطفة عبر ممر المزرعة الخلفي المظلم، بينما بقيت وتين تقف بين الشجيرات، تعدل أنفاسها المتهدجة وتثبت خطى ثوبها الأبيض، محاولة استعادة رباطة جأشها قبل أن تقع عينا أيهم عليها. في الفناء الأمامي، كان أيهم يسير ببرود حاد برفقة جسار بعد يوم طويل في الشركة والاجتماعات. كان ينهي مكالمة عمل بصوت صارم، متجهاً نحو مدخل القصر، لكن حسّه الحاد ونظراته الشبيهة بالصقر لمحت حركة غير طبيعية وظلاً يتراجع خلف شجيرات الملحق الخلفي. توقف أيهم فجأة. مال برأسه وقال لجسار بنبرة قاطعة: "اذهب إلى المجلس يا جسار، سألحق بك بعد دقيقة." مشى أيهم بخطوات ثقيلة ومحسوبة نحو الملحق. كانت عيناه الزرقاوان تسبران أغوار الظلام، ليفاجأ بـ وتين تقف هناك وحدها، وجسدها يرتجف بخفة وعيناها الكحيلتان تطفحان بتوتر حاولت إخفاءه. يقف أيهم فوقها بطوله الفاره وعرض كتفيه، ويحجب عنها الضوء المترامي من المصابيح الخارجية. تطوقها رائحة التبغ النفاذ وعطره الفاخر، بينما كانت نظراته تجردها من أي مساحة للهروب. "ماذا تفعلين في هذا الممر وفي هذا الوقت يا وتين؟" سأل أيهم بصوت خفيض، لكنه يحمل تهديداً حاداً كالشفرة. بلعت وتين ريقها بصعوبة ورسخت قدميها على الأرض: "كنتُ أتنفس بعض الهواء.. لا أكثر." اقترب أيهم خطوة أخرى حتى أصبح يلامس ثوبها الأبيض، وانحنى لمستواها بنظرة ثاقبة تسبر أغوار روحها: "تتنفسين الهواء؟ أم كنتِ تلتقين بأحد هنا؟ لقد رأيتُ ظلاً يبتعد عن الملحق قبل ثوانٍ!" امتدت يده الفولاذية لتقبض على معصمها بضغط قاسي جعلها تتأوه بصوت خفيض. "من كان هنا يا وتين؟" زمجر بصوت كالهدير المكتوم، والشك يشتعل في حدقتيه. "انطقي!" رفعت وتين رأسها وثبتت عينها الكحيلتين في عينيه الجليديتين دون تراجع، مفضلة تحمّل قسوته على أن تشي بشقيقها فارس وتدمره تحت بطش نفوذه: "لم يكن هناك أحد.. أنت تتخيل الأشياء بسبب شكوكك المرضية!" احمرت عينا أيهم بغضب كاسح. لم يتحمل منطقها الثابت ولا صمتها المتمرد. في ثانية واحدة، ارتفعت يده الضخمة لتهوي بـ صفعة قاسية على خدها الناعم! ارتجت رؤيتها وسقطت وتين على الأرضية الحجرية الباردة، ووضع يدها على خدها المشتعل بألم لاهب. لم يعطها مجالك للتنفس؛ سحبها من ذراعها برعونة حتى وقفت على قدميها رغماً عنها، وجرّها خلفه عبر الممر الداخلي كالدمية المحطمة، متجاهلاً صراخها المكتوم وتوسلاتها الداعمة لكرامتها. صعد بها إلى الدور العلوي، ودفعها بقوة داخل غرفة الإعداد المظلمة الملحقة بالجناح—وهي غرفة صغيرة بلا نوافذ يُحتفظ فيها بالصناديق والأغراض القديمة. ارتطم جسدها الضعيف بأحد الصناديق الخشبية، وقبل أن تقوم، وقف أيهم عند الباب، يرتدي عباءة طغيانه وسلطته، وعيناه تنبضان بشرارة انتقام لا ترحم. "ستبقين هنا في هذه العتمة حتى تتعلمي كيف تنطقين بالحقيقة!" قالها بصوت كالصخر المسحوق. "بلا طعام وبلا ماء.. حتى يزول هذا الكبرياء اللعين من رأسكِ!" أغلق الباب الخشبي الثقيل بقوة، وأدار المفتاح بالمقفل المزدوج ليعود الصدى القاسي يتردد في الممر. في الداخل، ضمت وتين ركبتيها إلى صدرها على الأرضية الخشبية الباردة، ومسحت الدمعة الحارقة التي فرت من عينها المجهدة، وهمست لنفسها وسط عتمة الغرفة المغلقة: "اضرب.. واحبس يا أيهم.. فكل ضربة منك تجعلني أقوى، وكل سجن تضعني فيه يربط مشاعري القديمة بنار لا تنطفئ."عادت مريم بخطوات سريعة، تحمل كوباً من الماء البارد ورشة صودا، وقلبها يخفق بقلق على صديقتها التي بدت وكأنها على وشك الانهيار. وصلت إلى الزاوية التي تركت فيها وتين، لكنها توقفت فجأة...نظرت حولها، الكرسي كان فارغاً، والمكان ساكناً تماماً إلا من صوت الموسيقى الصاخبة القادم من بعيد."وتين؟" نادت مريم بصوتٍ خافت، ثم رفعت صوتها قليلاً، "وتين، أين أنتِ؟ أنا هنا!"لا رد. تقدمت مريم بخطوات متعثرة وبدأت تبحث خلف الأشجار وفي الظلال القريبة من جدران الحديقة. ازداد قلبها خفقاناً، فبدأت تركض باتجاه المخرج، ثم عادت تبحث عند سور القاعة. لم تجد لها أثراً، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها في لمح البصر! مرت الساعات، ومريم تبحث بجنون، والليل يزداد قتامة، حتى بدأت تشعر بأنها ستفقد صوابها.في مكانٍ آخر... بعيداً عن أضواء الحفلة وصخب الأغنياء.استيقظت وتين ببطء، وكأنها كانت تغط في نومٍ عميق لعدة ساعات. شعرت بجسدها ملقى على أرضية خشبية قاسية، وحاولت تحريك يديها لتجد أنها مربوطة بقوة خلف ظهرها بحبل خشن. فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة فارغة تماماً، لا نافذة لها، والجدران داكنة توحي بأنها في قبو معزول."آآآآ
سقطت قبعة التخرج في الهواء مع مئات القبعات الأخرى، لكن وتين لم تكن تنظر إلى السماء احتفالاً، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق بنظرة مختلفة تماماً. بين هتافات الخريجين والدموع المتناثرة، كانت هي تقف بثبات، تمسك شهادتها بقوة حتى ابيضت أناملها. تلك الورقة لم تكن مجرد إثبات لنهاية سنوات الدراسة، بل كانت تذكرة العبور الأولى نحو خريطتها الجديدة... خريطة الانتقام.ارتدت ثوب الخريجين الأسود كأنه درع حربي، وقفت لالتقاط الصورة الأخيرة وهي تبتسم ابتسامة غامضة، ابتسامة امرأة تطبخ نصرها على نار هادئة. لم تأبه لغياب من خذلوها، بل على العكس، كان غيابهم ينفخ في جمر عزيمتها.مرت شهور من العمل الدؤوب والتخطيط الصارم. لم تعد وتين تلك الفتاة التي تسكب الدموع على الماضي؛ سهرت الليالي تسكب بدلاً منها الحبر والخطط الماليّة. استغلت كل ذكائها وعلاقاتها البسيطة لتسلق السلم خطوة بخطوة، حتى بزغ اسم مشروعها الخاص في السوق. في فترة قياسية، وبفضل جرأتها وحسها التجاري العالي، أصبحت وتين أصغر امرأة أعمال تتسلل بثبات إلى عالم المال والأعمال.لم يكن طريقها مفروشاً بالورد، لكن مرارة الخيانة جعلت ذوق النجاح حاداً ولدي
مشاتل البرد تبسط ظلالها على شوارع العاصمة، والنسيم العليل يحرك أطراف الثوب الأسود الذي يلتصق بـ وتين كوشاح حداد لا يزول. نهضت وتين مع بزوغ الصباح المتعب. ارتدت معطفها الداكن الفاخر ببطء، وجمعت شعرها الأسود المنسدل بجمود، ثم وضعت حقيبتها على كتفها وتوجهت بخطوات هادئة نحو مدرجات الجامعة. كانت تفاصيل يومها تسير بنفس الإيقاع الروتيني البارد؛ استمعت للمحاضرات بصمت، وتجاهلت همسات الزملاء الذين اعتادوا رؤية هذه الحزينة الموشحة بالسواد، ثم استأذنت وغادرت الكلية مبكراً قبل زحمة الظهيرة. اختارت وتين طريق العودة القديم، ذلك الطريق الالتفافي الهادئ الذي يقطع أطراف الغابة المتاخمة للحي، حيث كانت الأشجار الكثيفة تخفف من ضجيج السيارات وتمنحها مساحة للاختلاء بآلامها. كانت تسير فوق الأوراق الجافة الصافرة، وتسمع صرير الرياح بين أغصان الصنوبر. وفجأة! لمحت من بعيد ظل رجل يجلس على جذع شجرة عتيق، وحوله بضعة خرفان ترعى في المساحة العشبية الصغيرة. انقبض صدر وتين بالخوف. تراجعت خطوة إلى الخلف، وأمسكت بياقة معطفها وهي تتأهب للالتفاف والركض بعيداً عن هذا الغريب في هذا الطريق الخالي. لكن... شق الصمتَ صو
خيّم الحزن الأسود على قلب وتين كليل سرمدي لا تشرق له شمس. مرت الأيام والأسابيع ثقيلة كالرصاص، أُقيمت فيها جنازة غيابية حاشدة لـ أيهم الجارحي بعد أن فشلت فرق الإنقاذ في العثور على جثته وسط حطام سيارته التفحمة في قاع الجرف الجبلي. كانت الجنازة رسمية وباردة؛ حضرها رجال الأعمال والإعلاميون، وبكت فيها إيلا دموع التماسيح أمام أجهزة التصوير، بينما كانت وتين تتابع العزاء عبر شاشة التلفاز الصغيرة في شقتها المتواضعة، تختنق بعبراتها وهي تلف رأسها بشال أسود، تتذكر كيف انتهت حياة ذلك الجلاد المارد الذي شغل مراهقتها وعذب شبابها، متمنية لو أن أفعال القسوة لم تكسر قلبه وتدفعه نحو تلك الهاوية. مع مرور الأشهر، بدأت الموازين تتكشف على حقيقتها الخبيثة. تعافى جسار من إصابة كتفه بعد سلسلة من العمليات الجراحية، ليقبض بقبضة من حديد على مقاليد شركة "الجارحي القابضة" التي جردها من اسم صاحبها الأول. أما شاهين، فقد أصيب بشلل جزئي في قدمه إثر طلقة أيهم النارية، وأصبح يتحرك على كرسي متحرك، يداري خيبته وعجزه خلف صفقات الشركة المشبوهة. ولم يمضِ وقت طويل حتى انكشف السر الأكبر؛ عقد جسار قرانه رسمياً على إيل
ساد القاعة صمتٌ أثقل من ظلال الموت. كانت كلمات جسار وضحكاته المسمومة تتردد في أرجاء الطابق الخمسين كصفير الرياح في مقبرة مهجورة.تسمّر أيهم في مكانه لثوانٍ معدودة. كان ينظر إلى الورقة الموقّعة بيده، ثم إلى وجه شاهين البارد، وأخيراً إلى عينَي جسار المليئتين باللؤم والشفاء. في تلك اللحظة، لم تعد العينان الزرقاوان تنبضان بالبرود الجليدي، بل تحولتا إلى جمرين من السواد المشتعل. غاب عن عقله كل منطق، وتلاشت سطوة رجل الأعمال، ليحل محلها وحشٌ جريح استُثير كبرياؤه وقُطع شريان نفوذه.بدون مقدمات، تحرك أيهم كالصاعقة.اقترب من طاولة الاجتماعات الزجاجية الضخمة، وبحركة واحدة قاسية من يده الفولاذية، قلب الطاولة بالكامل لترتطم بالأرضية الرخامية وتتهشم إلى ألف قطعة متناثرة! تطايرت الشاشات والملفات في الهواء، وأحدث الانفجار الزجاجي دوياً أرجف أركان الطابق كله!تراجع شاهين برعب خطوة إلى الخلف، بينما قفز جسار من كرسيه وهو يصيح بذعر: "أيهم! هل جننت؟!"لم يرُد أيهم بكلمة. استدار ببطء نحو مكتبه الخاص الملحق بالقاعة، وخطواته الثقيلة تهز الأرضية. دخل المكتب، وفتح الخزانة الخشبية السريّة ليخرج منها عصا بيس
استيقظ أيهم في صباح اليوم التالي وشعورٌ مبهم بثقل الصدر يراوده، كأنما تحيط به هالة من الشؤم لا يدري مصدرها.ارتدى بدلة كحيلية داكنة، ورغم أنه كان يجلس في شرفة الفيلا الفاخرة يحتسي القهوة التي أعدتها إيلا، إلا أن عينيه الزرقاوين كانتا تتطلعان إلى الفراغ. لم تعد ضحكات إيلا ولا دلالها المبالغ فيه قادرين على طرد ذلك السواد الدفين الذي يتسلل إلى أعماقه. لقد مسح من ذاكرته اسم "وتين"، ودفن القسوة التي مارسها عليها في زوايا النسيان، لكن عقله الباطن كان يشعر بأن هناك قطعة مفقودة في حياته.. وأن الثمن الذي تدفعه إمبراطوريته يزداد كل يوم.قَبّل إيلا على رأسها بجمود خفيف وقال بنبرة جافة:"سأذهب إلى المقر الرئيسي للشركة اليوم يا إيلا.. هناك اجتماعات مؤجلة يجب أن أحضرها بنفسي."ظهرت لمحة رعب خاطفة في عيني إيلا، لكنها سرعان ما أخفتها بابتسامة ناعمة مطاطية:"كما تشاء يا حبيبي.. اذهب واطمئن، أنا بانتظارك."بمجرد أن أغلقت بوابة الفيلا خلف سيارة أيهم، أخرجت إيلا هاتفها فوراً واتصلت بـ جسار."جسار!" قالت إيلا بنبرة مشدودة: "أيهم في طريقه إلى المقر الرئيسي! لقد تحرك فجأة دون تخطيط.. هل أتممتم نقل العق







