Compartir

الفصل عشرون:

last update Fecha de publicación: 2026-08-09 23:44:40

سقطت قبعة التخرج في الهواء مع مئات القبعات الأخرى، لكن وتين لم تكن تنظر إلى السماء احتفالاً، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق بنظرة مختلفة تماماً. بين هتافات الخريجين والدموع المتناثرة، كانت هي تقف بثبات، تمسك شهادتها بقوة حتى ابيضت أناملها. تلك الورقة لم تكن مجرد إثبات لنهاية سنوات الدراسة، بل كانت تذكرة العبور الأولى نحو خريطتها الجديدة... خريطة الانتقام.

​ارتدت ثوب الخريجين الأسود كأنه درع حربي، وقفت لالتقاط الصورة الأخيرة وهي تبتسم ابتسامة غامضة، ابتسامة امرأة تطبخ نصرها على نار هادئة. لم تأبه لغياب من خذلوها، بل على العكس، كان غيابهم ينفخ في جمر عزيمتها.

​مرت شهور من العمل الدؤوب والتخطيط الصارم. لم تعد وتين تلك الفتاة التي تسكب الدموع على الماضي؛ سهرت الليالي تسكب بدلاً منها الحبر والخطط الماليّة. استغلت كل ذكائها وعلاقاتها البسيطة لتسلق السلم خطوة بخطوة، حتى بزغ اسم مشروعها الخاص في السوق. في فترة قياسية، وبفضل جرأتها وحسها التجاري العالي، أصبحت وتين أصغر امرأة أعمال تتسلل بثبات إلى عالم المال والأعمال.

​لم يكن طريقها مفروشاً بالورد، لكن مرارة الخيانة جعلت ذوق النجاح حاداً ولديداً. كان الانتقام بالنسبة لها لا يعني الصراخ أو المواجهة الرخيصة، بل يعني الارتفاع إلى مكان لا يمكن لأعدائها حتى الوصول إلى ظله.

​في إحدى الليالي، وفي واحدة من أفخم القاعات التي تضم نخبة الأغنياء ورجال الأعمال، كانت الأضواء الخافتة والموسيقى الكلاسيكية تملأ المكان. دخلت وتين بخطوات واثقة جعلت الأنظار تلتف نحوها تلقائياً.

​كانت ترتدي فستاناً أسود مخملياً بلمسات ذهبية خفيفة، يبرز حضورها القوي وجمالها الصارم. شعرها المموج ينساب على كتفيها، وفي عينيها بريق يجمع بين الثراء والأناقة والخطورة. لم تعد وتين الهادئة المكسورة، بل أصبحت سيدة السهرة دون منازع.

​كانت تتنقل بين الحضور بكل لباقة، تمسك بكأسها وتتحدث بلغة أرقام وصفقات جعلت كبار رجال الأعمال يستمعون إليها باهتمام شديد. وفي زاوية من القاعة، لمحها أولئك الذين حاولوا تحطيمها يوماً... كانوا يقفون بالذهول والدهشة، غير قادرين على تصديق أن هذه المرأة الشابة التي تتسيد الجمع، وتبرم الصفقات بضحكة واثقة، هي ذاتها الفتاة التي ظنوا أنهم أطفأوا نورها.

​اقتربت منهم بخطوات بطيئة، يسبقها عطرها الثمين وابتسامتها الباردة. لم تقل الكثير، فقط ألقت عليهم تحية قصيرة بثقة مطلقة، ونظرة واحدة من عينيها كانت كفيلة بإفهامهم أن اللعبة قد تغيرت تماماً، وأنها الآن هي من يملك جميع الأوراق.

​تركتهم خلفها يحترقون بنار ندَمهم وفضولهم، وعادت لتغرق في أضواء السهرة، تشرب نخب نجاحها وانتقامها الصامت الذي بدأ للتو.

جلست وتين على طرف الأريكة، تحاول التركيز في الأصوات المحيطة بها، لكن الصوت بدأ يبتعد تدريجياً وكأنها تحت الماء. تسارعت أنفاسها، وشعرت ببرودة مفاجئة تسري في أطرافها رغم حرارة المكان.

​مالت مريم عليها بقلق ووضعت يدها على كتفها قائلاً: "وتين، وجهك أصفر تماماً! تعالى معي، سنخرج فوراً."

​أمسكت مريم بيدك وتين وسندتها بحذر لتساعدها على الوقوف. كانت الخطوات ثقيلة، وكلما اقتربتا من الباب الخارجي، كان جدار الرؤية لدى وتين يزداد ضبابية.

​بمجرد أن فتحت مريم الباب الخارجي ولامس النسيم البارد وجه وتين، أخذت نفساً عميقاً متقطعة أنفاسها، وأغمضت عينيها لثوانٍ تحاول استعادة توازنها.

​استندت وتين على الجدار الخارجي وقالت بصوت خافت: "شكراً مريم... الهواء هنا بدأ يعيد لي بعض الصواب، لكن الدوار ما زال يعصف برأسي."

​فنظرت إليها مريم بجدية وقالت: "توقفي عن الحديث الآن، اجلسي على هذه الدرجة وخذي أنفاساً هادئة... سأحضر لك كوباً من الماء البارد ورشة صودا، ولن نعود لداخل هذه الزحمة مطلقاً."

غادرت مريم مسرعة نحو الداخل لجلب الماء، بينما حاولت وتين الصمود أمام الدوار الذي لا يرحم.

​ابتعدت خطوات قليلة عن مدخل القاعة، متجهة نحو زاوية أكثر هدوءاً في الحديقة الخارجية الفاخرة، علّ نسيم الليل البارد يطرد ذلك الثقل الخانق من رأسها. كانت تمشي كأنها تطأ على أرض هشة، والهواء البارد يلف وجهها دون أن يخفف من لهيب الغثيان المتصاعد في جوفها.

​فجأة، بدأت أضواء الحديقة الشاهقة تتلاشى تدريجياً، واستحالت ألوان الليل إلى ضباب أبيض ثقيل يحجب الأفق.

​حاولت وتين أن تسند يدها على إحدى الأعمدة الرخامية القريبة، لكن أطرافها خانتها بالكامل؛ تلاشت القوة من ركبتيها، وثقلت جفونا كأنما أُغلقتا بقفل من حديد. في تلك اللحظة خاطفة، غاب صوت الموسيقى الصاحبة وأحاديث الأغنياء، وساد صمتٌ مطلق...

​سقطت وتين على الأرضية الرخامية الباردة ببطء، وغرقت في غيبوبة كاملة، فاقدة للوعي تماماً، وثوبها الأسود الفاخر منساب حولها على الأرض، لتترك تحت سماء الليل الغائمة، غائبة عن كل شيء من حولها قبل أن تعود مريم بالماء وتكتشف الكارثة.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل حادي والعشرين

    عادت مريم بخطوات سريعة، تحمل كوباً من الماء البارد ورشة صودا، وقلبها يخفق بقلق على صديقتها التي بدت وكأنها على وشك الانهيار. وصلت إلى الزاوية التي تركت فيها وتين، لكنها توقفت فجأة...​نظرت حولها، الكرسي كان فارغاً، والمكان ساكناً تماماً إلا من صوت الموسيقى الصاخبة القادم من بعيد.​"وتين؟" نادت مريم بصوتٍ خافت، ثم رفعت صوتها قليلاً، "وتين، أين أنتِ؟ أنا هنا!"​لا رد. تقدمت مريم بخطوات متعثرة وبدأت تبحث خلف الأشجار وفي الظلال القريبة من جدران الحديقة. ازداد قلبها خفقاناً، فبدأت تركض باتجاه المخرج، ثم عادت تبحث عند سور القاعة. لم تجد لها أثراً، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها في لمح البصر! مرت الساعات، ومريم تبحث بجنون، والليل يزداد قتامة، حتى بدأت تشعر بأنها ستفقد صوابها.​في مكانٍ آخر... بعيداً عن أضواء الحفلة وصخب الأغنياء.​استيقظت وتين ببطء، وكأنها كانت تغط في نومٍ عميق لعدة ساعات. شعرت بجسدها ملقى على أرضية خشبية قاسية، وحاولت تحريك يديها لتجد أنها مربوطة بقوة خلف ظهرها بحبل خشن. فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة فارغة تماماً، لا نافذة لها، والجدران داكنة توحي بأنها في قبو معزول.​"آآآآ

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل عشرون:

    سقطت قبعة التخرج في الهواء مع مئات القبعات الأخرى، لكن وتين لم تكن تنظر إلى السماء احتفالاً، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق بنظرة مختلفة تماماً. بين هتافات الخريجين والدموع المتناثرة، كانت هي تقف بثبات، تمسك شهادتها بقوة حتى ابيضت أناملها. تلك الورقة لم تكن مجرد إثبات لنهاية سنوات الدراسة، بل كانت تذكرة العبور الأولى نحو خريطتها الجديدة... خريطة الانتقام.​ارتدت ثوب الخريجين الأسود كأنه درع حربي، وقفت لالتقاط الصورة الأخيرة وهي تبتسم ابتسامة غامضة، ابتسامة امرأة تطبخ نصرها على نار هادئة. لم تأبه لغياب من خذلوها، بل على العكس، كان غيابهم ينفخ في جمر عزيمتها.​مرت شهور من العمل الدؤوب والتخطيط الصارم. لم تعد وتين تلك الفتاة التي تسكب الدموع على الماضي؛ سهرت الليالي تسكب بدلاً منها الحبر والخطط الماليّة. استغلت كل ذكائها وعلاقاتها البسيطة لتسلق السلم خطوة بخطوة، حتى بزغ اسم مشروعها الخاص في السوق. في فترة قياسية، وبفضل جرأتها وحسها التجاري العالي، أصبحت وتين أصغر امرأة أعمال تتسلل بثبات إلى عالم المال والأعمال.​لم يكن طريقها مفروشاً بالورد، لكن مرارة الخيانة جعلت ذوق النجاح حاداً ولدي

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل التاسع عشر:

    مشاتل البرد تبسط ظلالها على شوارع العاصمة، والنسيم العليل يحرك أطراف الثوب الأسود الذي يلتصق بـ وتين كوشاح حداد لا يزول. ​نهضت وتين مع بزوغ الصباح المتعب. ارتدت معطفها الداكن الفاخر ببطء، وجمعت شعرها الأسود المنسدل بجمود، ثم وضعت حقيبتها على كتفها وتوجهت بخطوات هادئة نحو مدرجات الجامعة. كانت تفاصيل يومها تسير بنفس الإيقاع الروتيني البارد؛ استمعت للمحاضرات بصمت، وتجاهلت همسات الزملاء الذين اعتادوا رؤية هذه الحزينة الموشحة بالسواد، ثم استأذنت وغادرت الكلية مبكراً قبل زحمة الظهيرة. ​اختارت وتين طريق العودة القديم، ذلك الطريق الالتفافي الهادئ الذي يقطع أطراف الغابة المتاخمة للحي، حيث كانت الأشجار الكثيفة تخفف من ضجيج السيارات وتمنحها مساحة للاختلاء بآلامها. ​كانت تسير فوق الأوراق الجافة الصافرة، وتسمع صرير الرياح بين أغصان الصنوبر. وفجأة! لمحت من بعيد ظل رجل يجلس على جذع شجرة عتيق، وحوله بضعة خرفان ترعى في المساحة العشبية الصغيرة. ​انقبض صدر وتين بالخوف. تراجعت خطوة إلى الخلف، وأمسكت بياقة معطفها وهي تتأهب للالتفاف والركض بعيداً عن هذا الغريب في هذا الطريق الخالي. ​لكن... شق الصمتَ صو

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل الثامن عشر:

    خيّم الحزن الأسود على قلب وتين كليل سرمدي لا تشرق له شمس. مرت الأيام والأسابيع ثقيلة كالرصاص، أُقيمت فيها جنازة غيابية حاشدة لـ أيهم الجارحي بعد أن فشلت فرق الإنقاذ في العثور على جثته وسط حطام سيارته التفحمة في قاع الجرف الجبلي. ​كانت الجنازة رسمية وباردة؛ حضرها رجال الأعمال والإعلاميون، وبكت فيها إيلا دموع التماسيح أمام أجهزة التصوير، بينما كانت وتين تتابع العزاء عبر شاشة التلفاز الصغيرة في شقتها المتواضعة، تختنق بعبراتها وهي تلف رأسها بشال أسود، تتذكر كيف انتهت حياة ذلك الجلاد المارد الذي شغل مراهقتها وعذب شبابها، متمنية لو أن أفعال القسوة لم تكسر قلبه وتدفعه نحو تلك الهاوية. ​مع مرور الأشهر، بدأت الموازين تتكشف على حقيقتها الخبيثة. ​تعافى جسار من إصابة كتفه بعد سلسلة من العمليات الجراحية، ليقبض بقبضة من حديد على مقاليد شركة "الجارحي القابضة" التي جردها من اسم صاحبها الأول. أما شاهين، فقد أصيب بشلل جزئي في قدمه إثر طلقة أيهم النارية، وأصبح يتحرك على كرسي متحرك، يداري خيبته وعجزه خلف صفقات الشركة المشبوهة. ​ولم يمضِ وقت طويل حتى انكشف السر الأكبر؛ عقد جسار قرانه رسمياً على إيل

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل السابع عشر:

    ساد القاعة صمتٌ أثقل من ظلال الموت. كانت كلمات جسار وضحكاته المسمومة تتردد في أرجاء الطابق الخمسين كصفير الرياح في مقبرة مهجورة.​تسمّر أيهم في مكانه لثوانٍ معدودة. كان ينظر إلى الورقة الموقّعة بيده، ثم إلى وجه شاهين البارد، وأخيراً إلى عينَي جسار المليئتين باللؤم والشفاء. في تلك اللحظة، لم تعد العينان الزرقاوان تنبضان بالبرود الجليدي، بل تحولتا إلى جمرين من السواد المشتعل. غاب عن عقله كل منطق، وتلاشت سطوة رجل الأعمال، ليحل محلها وحشٌ جريح استُثير كبرياؤه وقُطع شريان نفوذه.​بدون مقدمات، تحرك أيهم كالصاعقة.​اقترب من طاولة الاجتماعات الزجاجية الضخمة، وبحركة واحدة قاسية من يده الفولاذية، قلب الطاولة بالكامل لترتطم بالأرضية الرخامية وتتهشم إلى ألف قطعة متناثرة! تطايرت الشاشات والملفات في الهواء، وأحدث الانفجار الزجاجي دوياً أرجف أركان الطابق كله!​تراجع شاهين برعب خطوة إلى الخلف، بينما قفز جسار من كرسيه وهو يصيح بذعر: "أيهم! هل جننت؟!"​لم يرُد أيهم بكلمة. استدار ببطء نحو مكتبه الخاص الملحق بالقاعة، وخطواته الثقيلة تهز الأرضية. دخل المكتب، وفتح الخزانة الخشبية السريّة ليخرج منها عصا بيس

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل السادس عشر: اهتزاز العرش

    استيقظ أيهم في صباح اليوم التالي وشعورٌ مبهم بثقل الصدر يراوده، كأنما تحيط به هالة من الشؤم لا يدري مصدرها.​ارتدى بدلة كحيلية داكنة، ورغم أنه كان يجلس في شرفة الفيلا الفاخرة يحتسي القهوة التي أعدتها إيلا، إلا أن عينيه الزرقاوين كانتا تتطلعان إلى الفراغ. لم تعد ضحكات إيلا ولا دلالها المبالغ فيه قادرين على طرد ذلك السواد الدفين الذي يتسلل إلى أعماقه. لقد مسح من ذاكرته اسم "وتين"، ودفن القسوة التي مارسها عليها في زوايا النسيان، لكن عقله الباطن كان يشعر بأن هناك قطعة مفقودة في حياته.. وأن الثمن الذي تدفعه إمبراطوريته يزداد كل يوم.​قَبّل إيلا على رأسها بجمود خفيف وقال بنبرة جافة:"سأذهب إلى المقر الرئيسي للشركة اليوم يا إيلا.. هناك اجتماعات مؤجلة يجب أن أحضرها بنفسي."​ظهرت لمحة رعب خاطفة في عيني إيلا، لكنها سرعان ما أخفتها بابتسامة ناعمة مطاطية:"كما تشاء يا حبيبي.. اذهب واطمئن، أنا بانتظارك."​بمجرد أن أغلقت بوابة الفيلا خلف سيارة أيهم، أخرجت إيلا هاتفها فوراً واتصلت بـ جسار.​"جسار!" قالت إيلا بنبرة مشدودة: "أيهم في طريقه إلى المقر الرئيسي! لقد تحرك فجأة دون تخطيط.. هل أتممتم نقل العق

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status