Home / الرومانسية / سم الحرير / ثلاثون عاماً. .. فلاش باك

Share

ثلاثون عاماً. .. فلاش باك

Author: Akrab
last update publish date: 2026-10-28 15:51:34

ثلاثون عاماً اختزلتها جحيم المعارك في جسدٍ أنهكته الندوب ورسمت عليه خارطة موتٍ طويل. لقد خضتُ حروباً تأكل الأرواح قبل الأجساد، ونجوتُ من حتفٍ محتوم خمس مراتٍ أو يزيد، كأنما كان القدر يلهو بقسوة، يبقيني حياً لأرى المزيد من الفناء.

في المرة الأولى، مات الخوف في داخلي للأبد. حين تطايرت أشلاء رفاقي تحت قصفٍ همجي أحال الأرض إلى مقبرة مفتوحة، صمتت كل الأصوات إلا صدى الانفجارات ورائحة البارود الممزوجة بالدم. حينها... فقدتُ القدرة على الارتعاش، وتلون العالم كله ببلادةٍ تامة بلا معالم ولا ألوان. لم تكن خلفي عائلة تبكي إن رحلت، ولا أمّ تنتظر، ولا أب يربت على كتفي؛ كنتُ وحيداً تماماً، مجرد طيفٍ يعبر الجحيم بلا وجهة.

ثم سقطت القذيفة... قريبةً إلى حد الوجع.

وفي لحظة واحدة، تحول رفيقي الوحيد، سندِي في هذا العراء، إلى أشلاء مبعثرة. يا له من مشهدٍ يحفر في الروح ندوباً أعمق من أثر الرصاص. أصبحتُ وحيداً تماماً، بلا حتى صدى صوتٍ يؤنس وحشتي.

لكنني حملته. لم أترك جثته لتكون طعاماً للريح؛ وضعتها على كتفي، وشققتُ بها طريقي وسط زئبق الرصاص المشتعل. قاتلتُ بشراسةٍ مسعورة لا لأجل بقائي، بل لأجل حفظ عهدٍ قطعته له؛ أن يعود إلى المعسكر قبل بدء المعركة.

لقد كان يشعر أن نهايته اقتربت، وها قد صدق حدسه... لكنني عدتُ به، وقلبي فارغٌ تماماً كقبرٍ مهجور.

وحين أسلمتُ جثته لسدية الطبيب، سقطت من جيبه صورةٌ صغيرة.

فتاةٌ في ربيعها العشرين، بعينيين تمتلئان بالحياة والوعود. فتاةٌ ترملت قبل أن ترتدي فستان عروسها... يا لحقارة هذه الحروب اللعينة، ويا لسخافة القدر الذي يسخر من أحلامنا البسيطة.

أمسكتُ الصورة بين أصابعي المرتجفة، واستدار الزمن بي فجأة:

أنا... لا أملك حتى حبيبةً تنتظر عودتي، لا أملك أحداً في هذا العالم الواسع.

ومنذ تلك اللحظة... انطفأت آخر شعلة بشرية في داخلي. تحولتُ إلى آلة قتل صماء، لا تعرف شيئاً سوى الموت.

​بعد اثني عشر عاماً من الخدمة في القوات الخاصة، صامتاً كالموت، قاطعاً كالسيف، جاء قرار تسريحي كالصاعقة. تحولتُ إلى كائنٍ مجردٍ من الإنسانية، قلبٌ فارغ لا ينبض بالمشاعر، وجسدٌ مشحونٌ بالفولاذ والندوب.

​أنا «عقرب»... اسمٌ لم أختره، بل نحتَته المعارك وتهامسته أروقة الشركات الأمنية.

تزاحمت العروض عند بابي بخلّوٍ تام من الشغف؛ أموالٌ طائلة يُسيل لها اللعاب، لكنها لم تكن تعني لي شيئاً، فالمال بالنسبة لي مجرد أداة لتأمين البقاء. كانوا يعرفون من هو "عقرب"؛ يعرفون شراستي التي سبقت اسمي، وانضباطي الحديدي، وجسدي الذي تمرّس على قهر الموت.

​حتى جاء ذلك اليوم... عرضٌ خيالي من إحدى أكبر الشركات. المقابل: حماية امرأة مطلقة وابنتها ذات الثمانية عشر عاماً.

​دخلتُ مقر الشركة بلا فضول، برودٌ تام يغلف تعابيـري. وفي مكتب المدير، كانت العائلة تنتظر.

​جلستُ أمامهما وأنا ألمح رعباً فطرياً ينعكس في أعينهما بمجرد وقوع نظراتهما عليّ. كانت هيبتي وشكل جسدي يشيان بالخطر. حاولتُ – وللمرة الأولى في حياتي – أن أكون أقل قسوة، أن أخفف من وطأة حضوري كي لا أزيد روعهما... لكنني حطّمتُ تلك المحاولة بحركةٍ أرقّ من اعتادي، حين ارتطمت يدي بحافظة أقلامٍ على الطاولة لتقع بضجيجٍ أربك المكان وشحن الجو بالتوتر.

​أيقنتُ حينها أنني غريبٌ عن هذا العالم. أنا رجلٌ صُنع لساحات الدماء، لا أعرف كيف أتعامل مع "الجنس اللطيف"، ولم أعتد رقّة النساء.

​قمتُ من مكاني، قدّمت اعتذاراً جافاً ومقتضباً، وتوجّهتُ نحو الباب لأنسحب من هذه المهمة كلياً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سم الحرير    مالكة الجامعة الجديدة ..

    صباح اليوم التالي.. في الزمن الحالي.أخذتُ «إلينا»، ابنة إليزابيث، إلى الجامعة في سنتها الأولى. لم أكن أثق بالحراس مطلقا؛ فبالنسبة إليّ، حماية تلك اللبوة الصغيرة أولوية قصوى تتجاوز حماية أمها نفسها... فـ«إلينا» هي الهدف الحقيقي الذي يطاردها ألكسندر ليرغم العائلة على الخضوع.عند باب الجامعة، أمرتُ باقي الحرس بالمرابطة خارجاً. دخلتُ معها، لكنني وضعتُ أسلحتي داخل السيارة؛ فلا أثق بأي أحد لأودعه الترسانة التي أحملها.دخلتُ الجامعة... وكأنني أطأ أرض عالمٍ آخر تماماً؛ عالمٍ يعج بالمراهقين والمراهقات الذين بلغوا للتو، صخب طيشٍ وهواءٍ غريب لم تعهده حواسي القاسية.كنتُ أمشي خلف تلك اللبوة الصغيرة، وهي تتغنج بمشيتها المتكبرة؛ فقد كانت تُعدّ من أثرى الأثرياء في هذه المؤسسة. دخلنا القسم الذي قُبلت فيه كطالبةٍ للمرحلة الأولى، وسط نظرات وهمسات المراهقات اللاتي أخذن يحدقن بي بتلك النظرات المعجبة بجسدي العريض وهيبتي العسكرية.لم أهتم لهن مطلقا، ولم أكن أبالي بشيء من هذا العبث.وصلنا إلى قسم التسجيل، وهنا بدأت «إلينا» تفتعل المشاكل بصلف؛ فهي متكبرة إلى حدٍ استفزازي، ولم أكن مستغرباً من ذلك أبداً، فهي

  • سم الحرير    ابنة ارون

    اليزابيث... ابنة «آرون»، الشريك الوحيد والفعلي للطاغية ألكسندر في تلك الإمبراطورية المالية والشركة الضخمة التي شُيدت على جماجم الخصوم وتلال الأموال.كانت ثروة «آرون» أسطورية، تفتح لها الأبواب وتخضع لها الرقاب. وحين ثَقُل عليه المرض وأصبح على وشك الموت، لم يكن يملك في هذا العالم سوى وريثته الوحيدة... ابنته إليزابيث، الفتاة التي ستنزل إليها كل تلك التركة الشاسعة بمجرد رحيله.لكن ذلك العجوز الخبيث ألكسندر لم يكن ليرضى بأن تخرج قطرة واحدة من تلك الثروة خارج إمبراطوريته. عقد العزم على وضع يده على ثروة شريكه بالكامل، وبطرقٍ ماكرة وخبيثة لا تخطر على بال شيطان. تقدم ألكسندر إلى آرون وهو على فراش الموت، طالباً يد إليزابيث لولده «جون»... جون الذي كان شاباً طائشاً، متهوراً، لا تقف لشهواته وطيشه حدود.كان «آرون» على قدرٍ عالٍ من الذكاء والحنكة؛ كان يعلم يقيناً أن إليزابيث-برقتها وغضاضة سنّها-لن تستطيع أبداً الصمود أمام دهاء ألكسندر وشروره بمفردها إن رحل. استدعى ابنته بلهفة ليرى وجهها للمرة الأخيرة، ويكلمها، ويحذرها من مخططات ألكسندر الشيطانية... لكن الموت كان أسرع، ففاضت روحه قبل وصولها إلى الغرف

  • سم الحرير    عطر الجسد

    تحت سقف تلك الغرفة المظلمة، وفي لحظة تجلت فيها أقسى معاني السيطرة والولاء، أحكمتُ قبضتي على خصلات شعرها المبعثرة، مسيطراً على إيقاع جسدها وهي منحنية بذلك الشكل الذي يشبه طقوس الخشوع المطلق.كانت آهاتها المتصاعدة تملأ المكان بصدى غريب، تخرج من بين شفتيها كترنيمة مقدسة، تشبه تراتيل المعابد المظلمة التي تُتلى في حضرة القوة المطلقة. لم تكن مجرد أصوات عابرة، بل كانت ترتفع كصلاة حية تعكس عمق الانصهار والامتنان، حيث يختلط الوجع باللذة، ويتحول الاستسلام بين سواعدنا إلى طقس سرمدي لا يمكن لأحد غيرنا فهمه. كانت تنظر إلى الأرض بخشوع بينما يعكس صوتها ذلك الخضوع الكامل، لتصبح كل شهقة بمثابة ترنيمة تنحت أسماءنا في جدران الليل الأبدي.تحت سطوة الهدوء الذي أعقب ذلك الاتحاد العنيف، تركتُ جسدينا العاريين يلتصقان في ذلك الفراش الذي تحول إلى محراب، بينما كانت ترتجف بخفة بين أحضاني، محملة بصدى ذلك العهد الأبدي الذي صاغته طقوس الليلة.تسلل التعب الثقيل إلى أعماقي، وبدأ ألم الجرح القديم ينبض بحرقة تحت الجلد، مذكراً إياي بأنني لستُ سوى مقاتل يحمل ندوبه أينما حلّ وارتحل. أغمضت عيني وسط ذلك الدفء المؤقت، تاركاً

  • سم الحرير    محراب مقدس

    انزلق الروب الحريري الأسود عن كتفيها ببطء، وسقط على الأرض بلا صوت، ليترك جسدها المكسو بالضوء الخافت عارياً تماماً، عدا عن الفتنة الطاغية التي تزهر في كل إنش منه. لم يعد القماش الشفاف يحجب شيئاً؛ برزت تضاريس جسدها الناعم كلوحة خُلقت لتستفز أعتى الرجال.بدأت تمشي نحوي ببطء، بخطوات هادئة ومدروسة، تهتز معها خصرها الممشوق بتناغم يداعب أعمق مشاعري الخبيئة، محولةً الصمت في صدري إلى ثورة بركان هائج يوشك على الانفجار. ومع كل خطوة تقترب بها، كانت زوايا الضوء تكشف بوضوح ساحر عما بين فخذيها؛ كان بضاً ممتلئاً بنعومة أسطورية، تحيط به شعيرات ناعمة ذهبية تتلألأ كأنها غبار الشمس، تنبض بالخصوبة والدفء الشاب.لم أستطع الصمود أمام هذا المشهد لثانية أخرى.قمتُ كالمحفوف بالشرار، وانقضضتُ عليها بحركة خاطفة. لم تدعها قدماها تلمسان الأرض؛ حملتها بين ذراعيّ بقسوة وثبات وهي تطلق زفرة حارة بين شفتيّ، ممسكة بعنقي بكل ما أوتيت من رغبة. ألقيتها على الفراش الوثير، لتتأوه برقة وحرارة حين استقرت أجسادنا معاً، وانفتحت بوابة الليل على عاصفة لا تهدأ من الشغف والامتلاك الجامح.ما إن استقرت على الفراش الوثير حتى تحولت اللح

  • سم الحرير    لك اثمن مااملك

    لم تكن مهلة للتفكير؛ وبحركة خاطفة وواثقة من نصلي الحاد، طارت يد الحارس الأول الممتدة نحوها قبل أن يدرك ما حطّ عليه، ليمتلئ المكان بصراخه المرعب. وفي ومضة عين تلتها، أطحت برأس الحارس الثاني عن جسده ليسقط صريعاً في بركة من الدم. أما الثالث، فلم يحظَ حتى بفرصة تحسس مسدسه، إذ غرزتُ نصلي المسموم في عمق حنجرته، بينما التفّت ذراعي بوحشية مطلقة حول عنق الرابع لأكسر فقراته في كسر من الثانية، فارتطم بالأرض هامداً بلا حركة.سكت الصراخ، ولم يتبقَ في الغرفة سوى ذلك الزعيم القذر الذي تجمدت الدموع في عينيه من هول الصدمة والذهول.رأيته يسقط على ركبتيه ذليلاً، يزحف نحو قدمي كالجرذ المذعور، يرتجف ويبكي متوسلاً:"أرجوك... أرجوك اتركي حياً! خذ ما تريد... ارحمني!"نظرتُ إليه باحتقار بالغ، وأجبته بصوت يقطر سمّاً وبرودة:"مئة مليون دولار... ستكون ثمناً كافياً جداً لتبقي على حياتك التافهة."هز رأسه بجنون وهو يلهث بخوف:"موافق! موافق! حالاً!"أخرج هاتفه الذكي من جيبه، وبأصابع ترتجف رعباً، حول المبلغ كاملاً إلى رقم حسابي البنكي في ثوانٍ معدودات.رفعت نصلي لأنتهي منه للأبد، لكن الفتاة نهضت وألقت نظرة رجاء نحوي، مش

  • سم الحرير    تعويض بسيط

    غادر عمال الأثاث الشقة بعد أن أحالوها إلى تحفة معمارية يفوح منها عبق الفخامة. وقفتْ هي في منتصف الصالة، وعيناها الواسعتان تلمعان ببريقٍ من السعادة والذهول لم أره فيهما من قبل؛ كانت نظراتها تتنقل بين القطع المخملية والتحف الفاخرة، وكأنها تستيقظ تدريجياً من كابوسٍ طال أمره.أخذتُ بيديها الناعمتين وقادتُها نحو غرفة النوم التي جهزتها لها بالكامل؛ غرفة ملكية تليق بأميرة، بسرير عريض مغطى بالحرير الناعم، وإضاءة خافضة تثلج الصدور. طالعت الغرفة بدموع السعادة، ثم التفتت نحوي لترتمي في حضني بقوة، تنشد الدفء والأمان.لكن رحلة إعادة بنائها لم تتوقف هنا...أخذتُها إلى كبرى المجمعات والأسواق الفاخرة في المدينة، لتمين خزانة ملابسها بالكامل؛ جعلتُها تختار كل ما تمنت يوماً ارتداءه من فساتين حريرية، وأقمشة ناعمة، وحلي تليق بجمالها المظلوم. لم أدعها تنظر إلى بطاقات الأسعار؛ كنتُ أدفع ببطاقتي المغلقة وأنا أرى الفرحة تسري في عروقها كالماء في الأرض العطشى.ومن هناك، اتجهنا نحو أرقى متاجر التموين والمؤن، لنملأ الشقة بأجود أنواع الأطعمة والمشروبات، حتى لا تذوق طعم الجوع أو الحاجة مجدداً.وبعد يومٍ طويل ومجهد،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status