Mag-log inالرجل الذي يدخل وكر الأسد لا يحتاج شجاعة بقدر ما يحتاج إلى يقين بأن الأسد يحتاجه أكثر مما يحتاج لحمه. استيقظتُ في السادسة صباحاً. لم أنم حقاً؛ كنتُ في تلك المنطقة الرمادية بين اليقظة والنوم حيث تزورك الأفكار بشكل أوضح مما تزورك في النهار. كانت أفكاري مرتبة بشكل مخيف؛ صفوف من المعادلات لا الكيميائية هذه المرة، بل معادلات القوة والخوف والمصلحة. نهضتُ واستحممتُ بماء بارد. في سيبيريا، الماء البارد لا يحيي الجسد فقط، بل يذكّره أنه لا يزال حياً. ارتديتُ أفضل ما في خزانة مارينا من ملابس رجالية؛ كانت تحتفظ بمعطف رجالي أسود فاخر لم أسأل عن صاحبه. ارتديتُه، وأحكمتُ أزراره، ونظرتُ في المرآة. رأيتُ رجلاً لا يشبه يوسف الذي جاء إلى سيبيريا. جيد. في التاسعة والنصف، كنتُ في السيارة. اتصلتُ بديمتري: "هل أنت مستعد؟" "نعم." "تذكر ما اتفقنا عليه." "أتذكر." "ديمتري،" قلتُها بنبرة لا تحتمل اللبس، "إذا تصرفتَ خارج ما اتفقنا عليه، لن أعطيك فرصة ثانية." صمت قصير. "أفهم." أغلقتُ الهاتف وانطلقتُ. كان مكتب فيكتور في الطابق العاشر من أحد أرقى مباني المدينة؛ واجهة زجاجية تطل على النهر المتجمد، وحرا
الرجل الذي يعود إلى المكان الذي هرب منه ليس نفس الرجل الذي هرب. استيقظتُ قبل الفجر بساعة. كان نيكولاي لا يزال نائماً، تنفسه منتظم لكنه ثقيل، ووجهه في النوم يبدو أصغر من عمره بسنوات. كانت الغرفة باردة والشمعة قد احترقت حتى آخرها وتركت خلفها بقعة شمع بيضاء على الطاولة الخشبية. نظرتُ إليه طويلاً. كان هذا الرجل هو أول من رآني حين وصلتُ إلى سيبيريا؛ مستلقياً على سريره، يدخن بلا مبالاة، وعيناه الزرقاوان تقيسانني بنظرة تعرف أكثر مما تُظهر. كان آخر شيء يربطني بذلك الفتى الذي جاء حاملاً حقيبة واحدة وظناً واهماً بأن العلم وحده يكفي. أخرجتُ الورقة والقلم من جيبي وكتبتُ: "ابقَ هنا حتى تتعافى. لا تتصل بأحد. لا تتحرك. سأتصل بك حين يحين الوقت." وضعتُها بجانب يده النائمة. خرجتُ إلى الفجر السيبيري. كانت السماء تبدأ بتحولها من الأسود إلى الرمادي ببطء كأنها تفعل ذلك على مضض. الثلج توقف عن الهطول خلال الليل وترك خلفه عالماً أبيض ناصعاً يبدو نظيفاً بشكل زائف، نظافة الأشياء التي تخفي تحتها ما لا تريد أن تُظهره. جلستُ في السيارة وحدي. أخرجتُ هاتفي ونظرتُ إلى آخر رسالة من أمي؛ كانت قبل أسبوعين: "ي
أقدام الإنسان تترك أثراً في الثلج، لكن الثلج لا يحزن على من مشى فيه. لم أوقف السيارة. كان عقلي يأمرني بالتوقف، لكن قدمي كانت تضغط على دواسة البنزين بإصرار أعمى. كان الطريق يمتد أمامي والرصاص يتوقف خلفنا تدريجياً كلما ابتعدنا، وكانت يدي على المقود تبدو يد شخص آخر لا أعرفه. "يوسف،" صوت نيكولاي كان منخفضاً وثقيلاً. "أعرف." "يوسف، أوقف السيارة." "أعرف." "يوسف!" أوقفتُ السيارة. الصمت الذي ملأ السيارة حين انطفأ المحرك كان من نوع لم أسمعه من قبل؛ لم يكن صمت الغابة، ولا صمت المختبر، ولا حتى صمت الليل في سيبيريا. كان صمتاً حياً، يتنفس، كأن الهواء نفسه يعرف أنه يجب أن يصمت احتراماً. التفتُّ ببطء. كانت مارينا في نفس الوضعية التي رأيتُها فيها في المرآة. رأسها مائل نحو النافذة اليمنى، وعيناها مفتوحتان تحدقان في الأشجار المتجمدة كأنها تقرأ شيئاً مكتوباً بين جذوعها. يدها اليمنى كانت لا تزال تمسك يد نيكولاي. لم يكن في وجهها ألم. هذا ما صدمني أكثر من أي شيء؛ أنها بدت هادئة. كأن الموت في سيبيريا يأتي بهدوء يليق بالمكان. نزل نيكولاي من السيارة ببطء شديد، يداه الاثنتان تضغطان على جرحه. واج
في سيبيريا، الطرق الطويلة تعلمك شيئاً واحداً؛ أن الخطر لا يأتي دائماً من خلفك، أحياناً يجلس أمامك ويشرب قهوته ببرود وينتظر. قطعنا أربعين كيلومتراً في صمت مطبق. كان نيكولاي يتنفس بصعوبة خلفي، ومارينا تضغط بيدها على الضماد البدائي الذي ربطتُه على جرحه. لم يشكُ، لم يئن، فقط كان يحدق في السقف بعينين زرقاوين تحسب شيئاً لا أعرفه. كنتُ أقود بيد واحدة والأخرى على المسدس. قالت مارينا فجأة بصوت منخفض: "السيارة البيضاء التي ذكرها نيكولاي.. إذا كانت تعرف وجهتنا، فهذا يعني—" "أن شخصاً ما أخبرهم،" قاطعتُها ببرود. صمت ثقيل. ثم قال نيكولاي من الخلف دون أن يغير نظرته من السقف: "ثلاثة أشخاص فقط يعرفون الطريق والوجهة." لم يكمل الجملة. لم يكن بحاجة لإكمالها. نظرتُ في المرآة الداخلية؛ مارينا كانت تحدق من النافذة بوجه لا يبوح بشيء. لكن يدها التي كانت تضغط على جرح نيكولاي شدت قليلاً بشكل لا يلاحظه إلا من يبحث عنه. لاحظتُه. بعد عشرة كيلومترات، ظهرت نقطة التفتيش. لم تكن نقطة تفتيش رسمية؛ كانت سيارتين سوداوين متقاطعتين تقطعان الطريق، وأربعة رجال يقفون بينهما ببنادق لا تعني المداعبة. أبطأتُ السيار
في سيبيريا، الطريق لا يكذب؛ هو يمتد أمامك مستقيماً حتى يختفي في الأفق، ولا مكان للاختباء فيه، ولا منعطف ينقذك من شيء قرر ملاحقتك. "كم تبعد أقرب مدينة؟" سألتُ نيكولاي بهدوء مصطنع. "سبعون كيلومتراً." "والحدود؟" "مئتان وخمسون." نظرتُ في المرآة؛ السيارة السوداء لا تزال هناك، ثابتة على بُعدها كأنها مربوطة بحبل غير مرئي. لم تُطلق رصاصة واحدة، ولم تُحاول الاقتراب. كانت تنتظر شيئاً ما. "إنهم يسوقوننا،" قلتُها بصوت بارد. "ماذا تقصد؟" سألت مارينا. "لو أرادوا إيقافنا، لفعلوا منذ البداية. إنهم يتركوننا نسير ويراقبون إلى أين نذهب. يريدون معرفة من ينتظرنا على الحدود." صمت نيكولاي، ثم قال بنبرة من يفهم اللعبة: "رسلان." "فيكتور يريد الوصول إلى رسلان عبرنا." قالت مارينا بحدة: "إذن نحن فخ متحرك." "كنا كذلك منذ غادرنا المدينة." في تلك اللحظة، ظهرت سيارة ثانية من الأفق الأمامي. كانت تسير باتجاهنا ببطء مريب، تملأ نصف الطريق وتترك لنا نصفه الآخر. سيارة بيضاء هذه المرة، مختلفة في اللون لكن متشابهة في النية. "أمامنا أيضاً،" قال نيكولاي بهدوء لا يختلف عن هدوء رجل يلاحظ تغيراً في الطقس. "كم معن
في سيبيريا، الفجر لا يأتي بالنور؛ يأتي بدرجة أقل من السواد، كأن الليل يتراجع بكسل دون أن يعترف بهزيمته. كانت الساعة تقترب من الثانية فجراً حين جلسنا أنا ونيكولاي ومارينا في شقتها للمرة الأخيرة. كانت الشموع مضاءة، لا من أجل الرومانسية، بل لأن مارينا أطفأت كل الأضواء خشية أن تلفت الانتباه. كانت تجلس على حافة الأريكة البيضاء، ترتدي معطفها الفروي الثقيل كأنها جاهزة للرحيل منذ ساعات، وعيناها تتنقلان بين الباب والنافذة بقلق لا تحاول إخفاءه. وضعت على الطاولة الزجاجية ثلاثة جوازات سفر. قالت بصوت منخفض: "وصلت قبل ساعتين. دفعتُ ثلاثة عشر ألفاً مقابلها." التقطتُ جوازي وفتحته؛ كان مصنوعاً بإتقان مخيف. الصورة حقيقية، الاسم جديد، الجنسية كازاخستانية. نظرتُ إلى الاسم المكتوب فوق صورتي: "داود مراتوف." همستُ دون أن أقصد: "داود." قال نيكولاي وهو يتفحص جوازه: "أفضل من يوسف في هذا الوضع." ثم نظر إليّ بعيون جادة: "الأموال؟" "مئة وسبعون ألفاً في الحقيبة الجلدية السوداء، موزعة على ثلاث حزم. لا تُفتح الحقيبة على الحدود مهما حدث." أومأ نيكولاي برأسه. قالت مارينا فجأة: "الطريق إلى الحدود الكازاخستانية







