LOGINخرجت ياسمين من غرفة النوم بعد أن تأكدت أن عاصم لم يعد موجودًا فيها.
لم تبحث عنه. ولم تسأل أين ذهب. كانت قد أمضت ليلة كاملة وهي تحاول استيعاب ما رأته، ولم تكن مستعدة لإضاعة دقيقة أخرى في البحث عن إجابات لن تمنحها سوى المزيد من الألم. اتجهت إلى غرفة الطعام. جلست أمام مائدة الإفطار بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث. كانت الخادمة تضع الأطباق أمامها، وحين رفعت عينيها نحو ياسمين، لاحظت شحوب وجهها. — سيدتي، هل أنتِ بخير؟ رفعت ياسمين عينيها إليها، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة. — أنا بخير. لم تكن كذلك. لكنها لم تكن مستعدة لشرح ذلك لأحد. تناولت إفطارها بصمت، دون أن تنظر إلى الكرسي المقابل لها. المكان الذي كان من المفترض أن يجلس فيه عاصم. لم تعرف إن كان غيابه مريحًا أم مؤلمًا. ربما كان الاثنان معًا. بعد أن انتهت، عادت إلى غرفتها. فتحت خزانتها، واختارت ملابسها بعناية. لم تعد تفكر في عاصم وهي تختار ما سترتديه. كانت تلك واحدة من الأشياء الصغيرة التي تغيرت فيها منذ ليلة أمس. أخذت حقيبتها، ثم وقفت للحظات وسط الغرفة. نظرت إلى السرير. إلى الطاولة. إلى الستائر. إلى كل شيء اعتادت عليه خلال عام كامل. عام كامل قضته وهي تحاول أن تجعل هذا المكان منزلًا. تحاول أن تجعل الرجل الذي ينام بجوارها زوجًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. لكنها الآن أدركت شيئًا بسيطًا. بعض الأشياء لا يمكن إجبارها على أن تصبح ما نريد. حملت حقيبتها وغادرت. --- وصلت ياسمين إلى شركة عاصم الشامي في وقت مبكر. دخلت المبنى بخطوات ثابتة. اعتاد الموظفون رؤيتها كل صباح، لذلك لم يلفت وجودها انتباه أحد. لكن هذه المرة، لم تتجه إلى مكتبها. واصلت طريقها مباشرة إلى قسم الموارد البشرية. ألقت حقيبتها على كتفها، ثم أخرجت ملفًا أبيض ووضعته أمام الموظفة. رفعت الموظفة رأسها باستغراب. — ما هذا؟ أجابتها ياسمين بهدوء: — استقالتي. توقفت الموظفة عن الحركة. — استقالتك؟ — نعم. فتحت الملف، وأخذت تقرأ الأوراق واحدة تلو الأخرى. ثم رفعت عينيها إليها. — هل أنتِ متأكدة؟ أومأت ياسمين. — تمامًا. — هل هناك سبب معين؟ سكتت ياسمين. للحظة، مرت أمام عينيها صورة عاصم وسارة. كان بإمكانها أن تقول الحقيقة. أن تخبرها أن زوجها يخونها. أن تخبرها أن المرأة التي تخونها معه هي سارة النجار. لكنها لم تفعل. قالت ببساطة: — أريد أن أبدأ مرحلة جديدة. راقبتها الموظفة للحظات، وكأنها تحاول معرفة ما إذا كانت تخفي شيئًا. ثم قالت: — حسنًا. لكن هناك نقطة مهمة. — ما هي؟ — وفقًا لإجراءات الشركة، لا يمكنكِ المغادرة فورًا. يجب أن تكملي فترة الإشعار. رفعت ياسمين حاجبها. — كم مدتها؟ — خمسة عشر يومًا. نظرت ياسمين إلى الأوراق. خمسة عشر يومًا أخرى. خمسة عشر يومًا ستضطر خلالها إلى العودة إلى هذا المكان، ورؤية عاصم، والتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. لكنها لم تتراجع. — حسنًا. أشارت الموظفة إلى الأوراق. — ستحتاجين إلى توقيع هنا... وهنا. وقعت ياسمين بهدوء. وحين انتهت، أغلقت الملف. قالت الموظفة: — سأرفع طلب الاستقالة للإدارة، وسيتم تحديد إجراءات تسليم مهامك خلال الأيام القادمة. نهضت ياسمين. — شكرًا. وقبل أن تغادر، قالت الموظفة: — بصراحة... سنفتقدكِ. توقفت ياسمين للحظة. ثم ابتسمت. — وأنا أيضًا.خرجت من القسم. لكنها، للمرة الأولى منذ مدة طويلة، شعرت بشيء يشبه الخفة. كأنها كانت تحمل حقيبة ثقيلة على كتفيها وأسقطتها أخيرًا. --- لم تمر ساعات طويلة حتى وصل خبر استقالتها إلى مكتب عاصم. كان جالسًا خلف مكتبه حين طرق أحد الموظفين الباب. — ادخل. دخل الموظف، وقال: — السيد عاصم، هناك أمر بخصوص السيدة ياسمين. رفع عاصم عينيه عن الأوراق. — ماذا حدث؟ — قدمت استقالتها هذا الصباح. توقفت يده. — استقالتها؟ — نعم. بقي صامتًا لثوانٍ. ثم سأل: — لماذا؟ — لم تذكر سببًا محددًا. قالت إنها تريد بدء مرحلة جديدة. عاد عاصم إلى أوراقه. — حسنًا. تردد الموظف. — هل تريد أن أتحدث معها أو... قاطعه عاصم: — لا. ثم أضاف ببرود: — دعها تفعل ما تريد. أومأ الموظف وغادر. عاد عاصم إلى عمله. لم يشغل الأمر تفكيره طويلًا. كان يعتقد أن ياسمين، بعد الزواج منه، لم تعد بحاجة إلى العمل. وربما كانت قد ملّت وظيفتها. بالنسبة إليه، لم يكن الأمر كبيرًا. لكنه لم يعرف أن ياسمين لم تعد تريد أن تكون مجرد موظفة في شركته. كانت تستعد لمغادرة عالمه كله. --- بعد انتهاء عملها، لم تتجه ياسمين إلى المنزل. جلست داخل سيارتها، وأغلقت الباب. أخرجت هاتفها. كانت هناك مكالمة واحدة تفكر فيها منذ الصباح. فارس. أخوها الوحيد. الشخص الذي بقي على اتصال بها رغم كل ما حدث بينها وبين عائلتها. ظلت تحدق في اسمه على الشاشة للحظات. ثم ضغطت اتصال. لم يرن الهاتف طويلًا. — ياسمين؟ سمعت صوته، فظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيها. — مرحبًا يا فارس. — هل أنتِ بخير؟ ضحكت بخفة. — لماذا تسأل مباشرة هكذا؟ — لأنك لا تتصلين بي فجأة إلا عندما يكون هناك شيء. — ربما اشتقت إليك. — لا أصدقك. ضحكت. — ما زلت كما أنت. — وأنتِ أيضًا. سكت لحظة، ثم تغير صوته. — تكلمي. ماذا حدث؟ نظرت ياسمين من خلال زجاج السيارة. — أريد أن أراك. لم يتردد. — أين أنتِ؟ — في طريقي إلى المدينة المجاورة. — تعالي إليّ.ساد الصمت للحظات.لم يكن السؤال جديدًا، لكنه كان من الأسئلة التي لم يكن عاصم يرغب في مواجهتها. فطلاقه من ياسمين لم يكن قرارًا يستطيع اتخاذه دون عواقب؛ إذ كان يعرف موقف جده، كما أن هناك أمورًا كثيرة لا يريد أن يشرحها لسارة.أجاب أخيرًا:— لأن الموضوع ليس بهذه البساطة. جدي لن يتقبل الأمر بسهولة، وهناك أمور عائلية لا أريد تحويلها إلى حرب. لكن هذا لا يعني أنني سأبقى معها لأنني أحبها.لم تبدُ سارة مقتنعة تمامًا.— وأين أكون أنا في كل هذا؟اقترب منها عاصم، وأمسك بيدها.— أنتِ تعرفين مكانتك عندي.سحبت يدها قليلًا، لكنها لم تفلتها تمامًا.— لا، يا عاصم. أعرف ما تقوله لي، لكنني لم أعد أعرف إن كان ما تفعله يطابق كلامك.تغيرت ملامحه، وأصبح صوته أكثر جدية.— هل تشكّين في كل ما بيننا بسبب موقف واحد؟— لم يكن موقفًا واحدًا! هناك أشياء كثيرة بدأت ألاحظها. كلما حدث شيء يتعلق بياسمين، تجد نفسك مضطرًا إلى البقاء معها أو تلبية طلباتها. وكلما سألتك، أخبرتني أن الأمر لا يعني شيئًا.رفعت عينيها إليه وأضافت:— أريد أن أعرف إن كنت أعيش علاقة حقيقية معك، أم أنني مجرد امرأة تلجأ إليها حين يناسبك الأمر.لم يجب
لم يكن عاصم يتوقع أن ينتهي يومه بهذه الطريقة.فبعد أن أوصل ياسمين إلى المنزل، عاد إلى المنتجع وهو ينوي إنهاء الأمر مع سارة سريعًا. كان يعلم أنها غاضبة، وتوقع أن تستقبله بعتاب طويل بسبب اضطراره إلى تناول الغداء مع عائلته، لكنه كان يظن أن بضع كلمات كافية لتهدئتها، كما حدث في مرات سابقة.غير أن ما إن وصل إلى المنتجع حتى أدرك أن الأمر لن يكون بهذه البساطة.توقفت سيارته أمام المدخل، وترجّل منها قبل أن يتجه إلى الردهة بخطوات سريعة. كان يتوقع أن يجد سارة في غرفتها، تنتظره بملامح عابسة، وربما ترفض الحديث معه في البداية قبل أن تلين كعادتها.لكن الغرفة كانت فارغة.تأمل المكان للحظات، ثم أخرج هاتفه واتصل بها.رن الهاتف طويلًا دون إجابة.قطّب حاجبيه وأعاد الاتصال، إلا أن النتيجة كانت نفسها. لم تجب سارة، ولم ترسل حتى رسالة تخبره فيها بمكانها.تنفّس بضيق، ثم كتب لها:«سارة، أين أنتِ؟ وصلت إلى المنتجع. اتصلي بي عندما ترين رسالتي.»انتظر قليلًا، لكنه لم يتلقَّ أي رد.بدأ نفاد صبره يظهر على ملامحه. لم يكن معتادًا أن تتجاهله سارة بهذه الطريقة، خصوصًا أنه لم يفعل، من وجهة نظره، سوى الالتزام بموعد عائلي
انتهى الغداء بعد وقت من الأحاديث والضحكات، ثم اقترح الجد العودة إلى المنتجع لقضاء بقية اليوم والاستمتاع بالينبوع الحار. وافق معظم أفراد العائلة، لكن ياسمين اعتذرت بلطف. — أشعر ببعض التعب يا جدي، وأفضّل العودة إلى المنزل لأرتاح. تبدلت ملامح الجد إلى القلق، والتفت إليها متفحصًا وجهها. — هل ما زال كاحلكِ يؤلمكِ؟ إذا كنتِ تشعرين بأي ألم، فلا داعي لأن تتحاملي على نفسكِ. هزت رأسها مطمئنةً إياه. — لا، أنا بخير. لم يعد يؤلمني، لكن الأسبوع كان متعبًا، وأحتاج إلى بعض الراحة في المنزل. وقبل أن يجيب الجد، تدخل عاصم، الذي بدا أنه وجد في طلبها فرصة مناسبة لإنهاء هذا اليوم والعودة إلى حياته المعتادة. — يمكنكِ أن ترتاحي في غرفة المنتجع. لا داعي للعودة إلى المنزل من أجل ذلك. التفتت إليه ياسمين بهدوء. — أفضل المنزل. لن أرتاح جيدًا إلا هناك. لم ترفع صوتها، ولم تحاول استفزازه، لكنها لم تتراجع عن قرارها أيضًا. كان عاصم آخر من يرغب في قضاء وقت إضافي معها بعد ما حدث في المنتجع، ومع ذلك لم يكن بوسعه الاعتراض بإلحاح أمام العائلة من دون أن يثير الأسئلة. حسم الجد الأمر قبل أن يتدخل أحد
استقرت ياسمين في مقعد الراكب إلى جوار عاصم، استعدادًا للتوجه إلى الفندق القريب حيث ستجتمع العائلة لتناول الغداء. ما إن تحركت السيارة حتى أخرج عاصم هاتفه، وأخذ يكتب رسالة قصيرة، بينما بقيت عيناه تتنقلان بين الطريق والشاشة. لم تحتج ياسمين إلى أن تسأله عن هوية الشخص الذي يراسله. كانت تعرف جيدًا إلى من يكتب، وما الذي يحاول إخبارها به؛ لا بد أنه يخبر سارة بأنه لن يتمكن من العودة إليها الآن، وأن عليه قضاء بعض الوقت مع عائلته قبل أن يأتي إليها. أدارت وجهها نحو النافذة، متظاهرةً بالانشغال بمشاهدة الطريق، فيما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة سرعان ما أخفتها. لم يمضِ وقت طويل حتى اهتز هاتف عاصم بإشعارات متتالية. ألقى نظرة عابرة على الشاشة، فرأى عدة رسائل من سارة، تتابعت واحدة تلو الأخرى. لم يفتح أيًّا منها. اكتفى بقلب الهاتف على وجهه، ثم أعاد تركيزه على الطريق. كان يعرفها جيدًا بما يكفي ليتوقع غضبها. فمن المؤكد أنها لم تستقبل رسالته بالهدوء الذي كان يأمله، لكن ذلك لم يبدُ مشكلة تستحق أن ينشغل بها الآن. سيصل إلى الفندق، ويتناول الغداء مع العائلة، ثم يتصل بها ويشرح لها ما حدث. وفي أ
قرر أخيرًا النزول إلى الطابق السفلي، عازمًا على مواجهتها بعيدًا عن أعين العائلة. حين وصل عاصم إلى الطابق السفلي، وجد ياسمين جالسة إلى جانب جده، تتحدث معه بابتسامة مشرقة، وكأنها لم تكن قبل دقائق تتظاهر بالإصابة في غرفتهما. كان الجد يبدو سعيدًا بوجودها، يستمع إليها باهتمام، بينما جلست هي إلى جانبه في راحة تامة. اقترب عاصم منهما، فرفع الجد رأسه ورحب به: — ها قد عدت يا عاصم! تعال، اجلس معنا. كنا نتحدث عن الغداء. جلس عاصم في المقعد المقابل، لكنه أبقى عينيه على ياسمين، محاولًا أن يفهم كيف تستطيع الحفاظ على هدوئها بهذه السهولة. أما الجد، فالتفت إلى ياسمين وقال بحماس: — أخبرتني زوجة حفيدي العزيزة أنها تشتهي القريدس المقلي، ويبدو أن مطبخ المنتجع لا يقدمه بالطريقة التي تحبها. لذلك قررت أن نذهب جميعًا إلى الفندق القريب ونتناول الغداء هناك. ما رأيك يا عاصم؟ ابتسمت ياسمين بامتنان. — شكرًا لك يا جدي. لا أعرف كيف أرد لك كل هذا الاهتمام. ربت الجد على يدها بحنان. — لا أريد منك ردًا يا ابنتي. يكفيني أن أراك سعيدة. ثم إن تناول وجبة جيدة مع العائلة أفضل من أن يبقى كل واحد منا منشغ
نزل عاصم من الغرفة متجهًا إلى الطابق السفلي، حيث كان يأمل أن يجد صيدلية قريبة يستطيع شراء المرهم منها. لم يكن راغبًا في إضاعة المزيد من وقته في الاهتمام بطلبات ياسمين، لكنه لم يكن مستعدًا أيضًا لتحمّل محاضرة جديدة من جده إذا علم أنه ترك زوجته تتألم دون أن يساعدها. وما إن وصل إلى الردهة حتى لمح سارة تقف بالقرب من أحد الأعمدة، تنتظره بملامح متوترة. اقتربت منه فورًا، وقالت بنبرة حازمة: — أظن أنني بحاجة إلى تفسير يا عاصم. نظر إليها باستغراب، وكأنه لم يفهم سبب إصرارها على الحديث في تلك اللحظة. — أي تفسير؟ اذهبي إلى الغرفة، سآتي بعد قليل. ثم استدار ليكمل طريقه، لكن سارة أمسكت بيده وأوقفته. — إلى أين أنت ذاهب؟ أجابها بعفوية، دون أن يفكر في وقع كلماته عليها: — لأحضر المرهم. تجمّدت سارة في مكانها. حدّقت فيه، وكأنها لم تستوعب ما سمعته للتو، ثم أفلتت يده ببطء. لم يكن عاصم يرى في الأمر ما يستحق التوقف عنده. كل ما أراده هو إحضار المرهم لياسمين، والتأكد من أنها لن تتصل بجده مرة أخرى وتثير مشكلة جديدة. كان يريد إنهاء الأمر سريعًا والعودة إلى يومه، لا أكثر. أما سارة، فقد فهمت تصرفه بطريق







