Share

الفصل 6

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-09-02 07:55:47

ذهبت ياسمين إلى شركة عاصم كعادتها في صباح اليوم التالي.

لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.

للمرة الأولى منذ أن عملت هنا، لم تدخل المبنى وهي تفكر في عاصم.

لم تفكر في فنجان قهوته الذي يجب أن يكون جاهزًا في التاسعة.

ولا في اجتماعاته.

ولا في الملفات التي يحب أن يجدها مرتبة على مكتبه قبل وصوله.

ولا حتى في السؤال الذي اعتادت أن تطرحه على نفسها كل صباح:

كيف أجعل يومه أفضل؟

لم تعد تلك مسؤوليتها.

كانت هنا لسبب واحد فقط.

إنهاء عملها.

دخلت المبنى بخطوات ثابتة، وتوجهت نحو مكتبها.

لكن قبل أن تصل إليه، لمحت السكرتير الأول لعاصم واقفًا بالقرب من مكتبها، وبجانبه شاب لم يتجاوز العشرين من عمره تقريبًا.

ما إن اقتربت حتى التفت الرجل إليها.

— صباح الخير، سيدة ياسمين.

— صباح الخير.

ابتسم وأشار إلى الشاب الواقف بجانبه.

— قبل أن تبدئي عملك، أود أن أعرفكِ على ساهل.

نظر الشاب إليها بابتسامة خجولة.

أكمل السكرتير:

— ساهل سينضم إلى فريق السكرتارية، وسيتولى مهامك بعد انتهاء فترة الاستقالة.

نظرت ياسمين إليه.

كان يبدو هادئًا، حسن المظهر، ويحمل دفترًا صغيرًا وقلمًا، وكأنه جاء مستعدًا منذ اللحظة الأولى.

مد يده إليها باحترام.

— تشرفت بمعرفتك، سيدة ياسمين.

صافحته ياسمين.

— وأنا أيضًا. لكن لا داعي لأن تناديني بسيدة ياسمين طوال الوقت.

ارتبك قليلًا.

— حسنًا... ياسمين.

ابتسمت.

— أفضل.

تدخل السكرتير قائلًا:

— سيبقى معكِ خلال الأيام الخمسة عشر القادمة. أريد منكِ أن تنقلي إليه جميع مهامكِ وتفاصيل العمل، حتى لا تحدث أي مشكلة بعد مغادرتك.

أومأت ياسمين.

— لا تقلق، سأحرص على أن يعرف كل شيء.

غادر السكرتير، وبقي ساهل واقفًا أمامها.

أشارت إلى المكتب.

— اجلس.

جلس فورًا، وفتح دفتره.

نظرت إليه ياسمين.

— هل أنت مستعد؟

ابتسم.

— أعتقد ذلك.

— لا تقل "أعتقد". لأنني سأجعلك تحفظ نصف حياة السيد عاصم خلال خمسة عشر يومًا.

ضحك بخفة.

— هل الأمر إلى هذه الدرجة؟

— ربما أكثر.

بدأت تشرح له.

مواعيد عاصم.

اجتماعاته.

ملفاته.

الأشخاص الذين يتعامل معهم.

الاجتماعات التي لا يحب أن تتأخر.

والاجتماعات التي يفضل أن تتم داخل مكتبه بدلًا من قاعات الشركة.

كان ساهل يدون كل كلمة بسرعة.

وبعد فترة، رفع رأسه وسأل:

— قهوته الساعة التاسعة؟

— نعم.

— دون سكر؟

— صحيح.

كتبها.

ثم عاد يسأل:

— ويُفضل أن تكون ساخنة، لكن ليس بدرجة حرارة عالية جدًا؟

توقفت ياسمين ونظرت إليه.

— من أخبرك؟

ابتسم.

— أنتِ.

ضحكت.

— جيد. كنت أظنك لا تستمع.

— أحاول ألا أفوّت أي تفصيل.

استمرت في الشرح.

وبعد ساعات، بدأت تلاحظ شيئًا لم تتوقعه.

ساهل سريع التعلم.

لم يكن يحتاج إلى تكرار المعلومة أكثر من مرة، وكان يسأل عن التفاصيل التي قد يتجاهلها موظف آخر.

وفي منتصف النهار، أغلق دفتره وقال:

— أعتقد أنني فهمت معظم الأمور.

نظرت إليه ياسمين.

— معظمها؟

— بقي الجزء الأصعب.

— وما هو؟

فكر لحظة.

— معرفة مزاج السيد عاصم.

انفجرت ياسمين بالضحك.

— هذا الجزء لن تتعلمه في خمسة عشر يومًا.

— لماذا؟

— لأنني عملت معه عامًا كاملًا وما زلت لا أفهمه.

ابتسم ساهل.

— إذن أنا في ورطة.

— بالتأكيد.

كانت ضحكتها هذه المرة حقيقية.

ولأول مرة منذ مدة طويلة، شعرت أن العمل يمكن أن يكون مجرد عمل.

لا علاقة له بالزواج.

ولا بالحب.

ولا بمحاولة إرضاء رجل لا يرى ما تفعله من أجله.

مجرد عمل.

وهذا الشعور وحده كان مريحًا.

---

مع حلول المساء، أغلقت ياسمين آخر ملف أمامها.

نظرت إلى الساعة.

اقترب موعد لقائها مع ندى.

وضعت الأوراق في مكانها، ثم أخذت حقيبتها.

وقبل أن تغادر، ألقت نظرة سريعة على المكتب الذي جلست خلفه لعام كامل.

لم تشعر بالحنين.

ربما لأنها لم تكن تغادر عملًا فقط.

كانت تغادر نسخة قديمة من نفسها.

خرجت من الشركة.

هذه المرة، لم تلتفت نحو مكتب عاصم.

---

وصلت ياسمين إلى المقهى في الموعد المحدد.

دخلت بهدوء، وأخذت تبحث بعينيها بين الطاولات.

لم تكن تعرف شكل ندى سوى الاسم.

وبينما كانت تتلفت، رفعت إحدى النساء يدها من الطاولة القريبة.

— ياسمين؟

التفتت إليها.

— نعم.

وقفت المرأة بابتسامة.

— أنا ندى السميري.

ابتسمت ياسمين.

— تشرفت بلقائك.

— وأنا سعيدة لأنك جئتِ.

جلستا.

كانت ندى امرأة طويلة وأنيقة، تتمتع بحضور واضح.

لم تكن تحتاج إلى رفع صوتها كي تلفت الانتباه.

في عينيها ثقة امرأة تعرف جيدًا ماذا تريد

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيخترني بعد فوات الاوان    الفصل 42

    ساد الصمت للحظات.لم يكن السؤال جديدًا، لكنه كان من الأسئلة التي لم يكن عاصم يرغب في مواجهتها. فطلاقه من ياسمين لم يكن قرارًا يستطيع اتخاذه دون عواقب؛ إذ كان يعرف موقف جده، كما أن هناك أمورًا كثيرة لا يريد أن يشرحها لسارة.أجاب أخيرًا:— لأن الموضوع ليس بهذه البساطة. جدي لن يتقبل الأمر بسهولة، وهناك أمور عائلية لا أريد تحويلها إلى حرب. لكن هذا لا يعني أنني سأبقى معها لأنني أحبها.لم تبدُ سارة مقتنعة تمامًا.— وأين أكون أنا في كل هذا؟اقترب منها عاصم، وأمسك بيدها.— أنتِ تعرفين مكانتك عندي.سحبت يدها قليلًا، لكنها لم تفلتها تمامًا.— لا، يا عاصم. أعرف ما تقوله لي، لكنني لم أعد أعرف إن كان ما تفعله يطابق كلامك.تغيرت ملامحه، وأصبح صوته أكثر جدية.— هل تشكّين في كل ما بيننا بسبب موقف واحد؟— لم يكن موقفًا واحدًا! هناك أشياء كثيرة بدأت ألاحظها. كلما حدث شيء يتعلق بياسمين، تجد نفسك مضطرًا إلى البقاء معها أو تلبية طلباتها. وكلما سألتك، أخبرتني أن الأمر لا يعني شيئًا.رفعت عينيها إليه وأضافت:— أريد أن أعرف إن كنت أعيش علاقة حقيقية معك، أم أنني مجرد امرأة تلجأ إليها حين يناسبك الأمر.لم يجب

  • سيخترني بعد فوات الاوان    الفصل 41

    لم يكن عاصم يتوقع أن ينتهي يومه بهذه الطريقة.فبعد أن أوصل ياسمين إلى المنزل، عاد إلى المنتجع وهو ينوي إنهاء الأمر مع سارة سريعًا. كان يعلم أنها غاضبة، وتوقع أن تستقبله بعتاب طويل بسبب اضطراره إلى تناول الغداء مع عائلته، لكنه كان يظن أن بضع كلمات كافية لتهدئتها، كما حدث في مرات سابقة.غير أن ما إن وصل إلى المنتجع حتى أدرك أن الأمر لن يكون بهذه البساطة.توقفت سيارته أمام المدخل، وترجّل منها قبل أن يتجه إلى الردهة بخطوات سريعة. كان يتوقع أن يجد سارة في غرفتها، تنتظره بملامح عابسة، وربما ترفض الحديث معه في البداية قبل أن تلين كعادتها.لكن الغرفة كانت فارغة.تأمل المكان للحظات، ثم أخرج هاتفه واتصل بها.رن الهاتف طويلًا دون إجابة.قطّب حاجبيه وأعاد الاتصال، إلا أن النتيجة كانت نفسها. لم تجب سارة، ولم ترسل حتى رسالة تخبره فيها بمكانها.تنفّس بضيق، ثم كتب لها:«سارة، أين أنتِ؟ وصلت إلى المنتجع. اتصلي بي عندما ترين رسالتي.»انتظر قليلًا، لكنه لم يتلقَّ أي رد.بدأ نفاد صبره يظهر على ملامحه. لم يكن معتادًا أن تتجاهله سارة بهذه الطريقة، خصوصًا أنه لم يفعل، من وجهة نظره، سوى الالتزام بموعد عائلي

  • سيخترني بعد فوات الاوان    الفصل 40

    انتهى الغداء بعد وقت من الأحاديث والضحكات، ثم اقترح الجد العودة إلى المنتجع لقضاء بقية اليوم والاستمتاع بالينبوع الحار. وافق معظم أفراد العائلة، لكن ياسمين اعتذرت بلطف. — أشعر ببعض التعب يا جدي، وأفضّل العودة إلى المنزل لأرتاح. تبدلت ملامح الجد إلى القلق، والتفت إليها متفحصًا وجهها. — هل ما زال كاحلكِ يؤلمكِ؟ إذا كنتِ تشعرين بأي ألم، فلا داعي لأن تتحاملي على نفسكِ. هزت رأسها مطمئنةً إياه. — لا، أنا بخير. لم يعد يؤلمني، لكن الأسبوع كان متعبًا، وأحتاج إلى بعض الراحة في المنزل. وقبل أن يجيب الجد، تدخل عاصم، الذي بدا أنه وجد في طلبها فرصة مناسبة لإنهاء هذا اليوم والعودة إلى حياته المعتادة. — يمكنكِ أن ترتاحي في غرفة المنتجع. لا داعي للعودة إلى المنزل من أجل ذلك. التفتت إليه ياسمين بهدوء. — أفضل المنزل. لن أرتاح جيدًا إلا هناك. لم ترفع صوتها، ولم تحاول استفزازه، لكنها لم تتراجع عن قرارها أيضًا. كان عاصم آخر من يرغب في قضاء وقت إضافي معها بعد ما حدث في المنتجع، ومع ذلك لم يكن بوسعه الاعتراض بإلحاح أمام العائلة من دون أن يثير الأسئلة. حسم الجد الأمر قبل أن يتدخل أحد

  • سيخترني بعد فوات الاوان    الفصل 39

    استقرت ياسمين في مقعد الراكب إلى جوار عاصم، استعدادًا للتوجه إلى الفندق القريب حيث ستجتمع العائلة لتناول الغداء. ما إن تحركت السيارة حتى أخرج عاصم هاتفه، وأخذ يكتب رسالة قصيرة، بينما بقيت عيناه تتنقلان بين الطريق والشاشة. لم تحتج ياسمين إلى أن تسأله عن هوية الشخص الذي يراسله. كانت تعرف جيدًا إلى من يكتب، وما الذي يحاول إخبارها به؛ لا بد أنه يخبر سارة بأنه لن يتمكن من العودة إليها الآن، وأن عليه قضاء بعض الوقت مع عائلته قبل أن يأتي إليها. أدارت وجهها نحو النافذة، متظاهرةً بالانشغال بمشاهدة الطريق، فيما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة سرعان ما أخفتها. لم يمضِ وقت طويل حتى اهتز هاتف عاصم بإشعارات متتالية. ألقى نظرة عابرة على الشاشة، فرأى عدة رسائل من سارة، تتابعت واحدة تلو الأخرى. لم يفتح أيًّا منها. اكتفى بقلب الهاتف على وجهه، ثم أعاد تركيزه على الطريق. كان يعرفها جيدًا بما يكفي ليتوقع غضبها. فمن المؤكد أنها لم تستقبل رسالته بالهدوء الذي كان يأمله، لكن ذلك لم يبدُ مشكلة تستحق أن ينشغل بها الآن. سيصل إلى الفندق، ويتناول الغداء مع العائلة، ثم يتصل بها ويشرح لها ما حدث. وفي أ

  • سيخترني بعد فوات الاوان    الفصل 38

    قرر أخيرًا النزول إلى الطابق السفلي، عازمًا على مواجهتها بعيدًا عن أعين العائلة. حين وصل عاصم إلى الطابق السفلي، وجد ياسمين جالسة إلى جانب جده، تتحدث معه بابتسامة مشرقة، وكأنها لم تكن قبل دقائق تتظاهر بالإصابة في غرفتهما. كان الجد يبدو سعيدًا بوجودها، يستمع إليها باهتمام، بينما جلست هي إلى جانبه في راحة تامة. اقترب عاصم منهما، فرفع الجد رأسه ورحب به: — ها قد عدت يا عاصم! تعال، اجلس معنا. كنا نتحدث عن الغداء. جلس عاصم في المقعد المقابل، لكنه أبقى عينيه على ياسمين، محاولًا أن يفهم كيف تستطيع الحفاظ على هدوئها بهذه السهولة. أما الجد، فالتفت إلى ياسمين وقال بحماس: — أخبرتني زوجة حفيدي العزيزة أنها تشتهي القريدس المقلي، ويبدو أن مطبخ المنتجع لا يقدمه بالطريقة التي تحبها. لذلك قررت أن نذهب جميعًا إلى الفندق القريب ونتناول الغداء هناك. ما رأيك يا عاصم؟ ابتسمت ياسمين بامتنان. — شكرًا لك يا جدي. لا أعرف كيف أرد لك كل هذا الاهتمام. ربت الجد على يدها بحنان. — لا أريد منك ردًا يا ابنتي. يكفيني أن أراك سعيدة. ثم إن تناول وجبة جيدة مع العائلة أفضل من أن يبقى كل واحد منا منشغ

  • سيخترني بعد فوات الاوان    الفصل 37

    نزل عاصم من الغرفة متجهًا إلى الطابق السفلي، حيث كان يأمل أن يجد صيدلية قريبة يستطيع شراء المرهم منها. لم يكن راغبًا في إضاعة المزيد من وقته في الاهتمام بطلبات ياسمين، لكنه لم يكن مستعدًا أيضًا لتحمّل محاضرة جديدة من جده إذا علم أنه ترك زوجته تتألم دون أن يساعدها. وما إن وصل إلى الردهة حتى لمح سارة تقف بالقرب من أحد الأعمدة، تنتظره بملامح متوترة. اقتربت منه فورًا، وقالت بنبرة حازمة: — أظن أنني بحاجة إلى تفسير يا عاصم. نظر إليها باستغراب، وكأنه لم يفهم سبب إصرارها على الحديث في تلك اللحظة. — أي تفسير؟ اذهبي إلى الغرفة، سآتي بعد قليل. ثم استدار ليكمل طريقه، لكن سارة أمسكت بيده وأوقفته. — إلى أين أنت ذاهب؟ أجابها بعفوية، دون أن يفكر في وقع كلماته عليها: — لأحضر المرهم. تجمّدت سارة في مكانها. حدّقت فيه، وكأنها لم تستوعب ما سمعته للتو، ثم أفلتت يده ببطء. لم يكن عاصم يرى في الأمر ما يستحق التوقف عنده. كل ما أراده هو إحضار المرهم لياسمين، والتأكد من أنها لن تتصل بجده مرة أخرى وتثير مشكلة جديدة. كان يريد إنهاء الأمر سريعًا والعودة إلى يومه، لا أكثر. أما سارة، فقد فهمت تصرفه بطريق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status