Share

109

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-02 04:02:18

في الوقت ذاته، وفي قاصية الشمال البعيد، حيث تلوح القمم الجبلية الوعرة وتغطي الغيوم السوداء قمم الحصون؛ كان المشهد مغايراً تماماً. في القصر الجبلي المشيد من الحجر الأسود، تلقى "بعل" النبأ الذي كان ينتظره منذ عقود.

اندفع أحد سحرته الكبار، يرتدي عباءة رمادية ممزقة الأطراف، وركع على ركبتيه وهو يلهث بشدة والذعر والترقب يملآن وجهه:

"سيدي... مولاي العظيم... لقد حدث ما كنا نترقبه! مات رمسيس... الفرعون العظيم الذي جمد جيوشنا وأرعب قلوب قادتنا لأكثر من ستين عاماً قد رحل إلى الدوات. مرنبتاح، ابنه وقائد جيشه، هو من اعتلى العرش الآن ملكاً جديداً على الوادي."

ارتسمت على شفتي بعل ابتسامة عريضة، مخيفة، أظهرت نواجذه الحادة، بينما كانت عيناه الزرقاوان المتوهجتان تحترقان بنار فرصة تاريخية لا تتكرر. وقف ببطء من فوق عرشه الحجري، فاهتزت أرجاء القاعة، وبدأت تيارات الهواء والرياح الباردة تدور حول جسده الضخم كأعاصير مصغرة مروضة.

قال بصوت مدوٍّ أشبه بهزيم الرعد في غسق الليل:

"أخيراً... أخيراً انقشعت تلك السحابة الثقيلة وحانت اللحظة الحاسمة. الرجل الذي كان يرعب الملوك بمجرد ذكر اسمه قد غدا جثة تحت التراب. مرنبتاح... نعم، أنا أعرفه، هو بارع في فنون الحرب التقليدية، ويمتلك شجاعة الفرسان، لكنه أبداً ليس رمسيس الحكيم. إنه يفتقد لتلك الرؤية التي تجعل الأرض تنصاع لأمره. الآن... الآن أصبحت مصر ثمرة ناضجة تنتظر من يقطفها."

التفت بعل بكبريائه وطاغوته نحو قادة سحرته وجنرالات جيوشه المحتشدين في الظلام، وأصدر أمره الصارم القاطع:

"أعدوا الجيوش في الخفاء، اشحذوا النصال واجمعوا وحوش الصحراء. راقبوا بكل دقة تحركات مرنبتاح وخع إم واست، ولا تدعوا شاردة ولا واردة تفوتكم... لست مستعجلاً، بل استعدوا واقتربوا من الحدود كظلال الليل. سننتظر اللحظة التي يخطئون فيها، أو يدب الوهن والنزاع في صفوفهم بسبب ثقل العرش.. وعندها، سنضرب مصر كالبرق الخاطف الذي لا يبقي ولا يذر."

كانت العاصفة السوداء قد بدأت تتشكل بالفعل في الأفق الشمالي، خيوط من البرد والرعد والظلام تنسج شباكها حول الوادي الأخضر. وفي المقابل، كانت مصر، بنيلها العظيم ومعابدها الشامخة، تنتهي من احتفالات تنصيب ملكها الجديد، وتستعد في صمت مرير لمواجهة القدر المحتوم الذي سيحدد مصير العالم كله.

لم ينم الملك مرنبتاح لعدة ليالٍ خلت؛ إذ كان ثقل التاج الجديد يضغط على روحه كصخر الجرانيت. أمضى الساعات الطوال منفرداً في قاعة الخرائط الملكية الكبرى بطيبة، حيث كانت شموع الشحم الكثيفة تلقي بظلال قلقة متموجة على البرديات العتيقة الكبيرة المبسوطة أمامه. كانت تلك الخرائط، التي رسمها أمهر جغرافيي القصر، تمثل تفاصيل الدلتا، والحدود الشمالية، والممرات البحرية الوعرة المؤدية إلى بلاد الشام وجزر البحر. كان وجه الملك حاد الملامح، وعيناه تشتعلان بعزم ملكي صارم لا يلين، كأنه نصل قد شُحذ لتوه في أتون المعركة.

بعد طول تأمل ودراسة لخطوط السير، لملم الملك بردياته وخرج بخطى واثقة إلى الرواق الخارجي الفسيح، حيث كان شقيقه الأمير "خع إم واست" في انتظاره، متكئاً على سور الحجر، يتأمل انعكاس النجوم على صفحة النيل الساكنة.

ولج مرنبتاح الرواق، ونبرات صوته الحازمة تبدد سكون الليل:

"أخي... لقد حسمتُ أمري بعد طول تفكير مجهد. إن ملاقاة الجيوش المعادية خارج حدودنا هو الدرع الوحيد الذي سيحمي أرض مصر وشعبها الطيب من أهوال الدمار. إذا نحن تقاعسنا، وسمحنا لتلك الحشود الغازية بالدخول إلى أرض الكنانة، فسيحرقون القرى الخضراء، وينهبون المعابد المقدسة، ويروعون الآمنين من شعبنا. الأفضل والأسلم أن يدور رحى الحرب على أرضهم هم، لا أرضنا. سنباغتهم بضربة قاصمة قبل أن يستكملوا حشد قواهم."

التفت خع إم واست نحو أخيه الملك، والقلق بادٍ في خطوط وجهه الوقور، لكنه أصغى إليه باهتمام بالغ. استطرد مرنبتاح والشرر يتطاير من عينيه:

"لقد وضعتُ خطة محكمة؛ سنتحرك بجيوشنا شمالاً عبر عباب البحر. هذا خيار لا يتوقعونه أبداً، إذ يظنون أننا سنحتمى خلف حصون الحدود بانتظار هجومهم. سننقل فيالق الجيش على متن الأسطول الكبير، لننزل بغتة على شواطئهم، ونكتسح معاقلهم الأمامية. سنسحق جيوشهم التقليدية قبل أن يجمعوا شتاتهم. وإذا ما ظهر "بعل" متجسداً بظلامه... فحينها سنرى كيف نواجهه، لكنني أؤمن في أعماقي أن الإله "ست" لن يخذلنا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status