Share

114

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-02 04:02:36

ارتفعت نبرة صوت أدنوك حتى كادت حباله الصوتية تتمزق، ورفع سيفه الحيثي المقوس نحو الغيوم المتفجرة بالبرق، وصرخ بأعلى صوته:

"الإله بعل العظيم — سيد العواصف والرعد وقاهر الأعماق — معنا في هذه الليلة وفي كل ليلة! هو الذي اختارنا لنكون نصل عقابه، هو الذي وعدنا بالقوة التي تدك الحصون. لن يتركنا نحارب بحديدنا فقط؛ بل سيمطر من السماء البرق الحارق ليحرق أعداءنا في معسكراتهم، وسيرسل من بوابات الظلام جيشاً هائلاً من الوحوش الغيبية ليقاتل في طليعتنا!

نعم... سترون بأعينكم سباعاً مخلوقة من الدخان الأسود اللاهب، وطيوراً من الظل الخالص تنقر عيون رماة الفراعنة، وعمالقة من النار المستعرة تخرج من جوف الأرض لتسحق عجلات مصر الحربية وتحيلها إلى رماد!

تخيلوا معي ذلك اليوم القريب... الذهب المصري الخالص يملأ خزائن بيوتكم، والنساء المصريات ذوات البشرة الخمرية يخدمن في قصوركم ويركعن عند أقدامكم، والمعابد المقدسة لآمون ورع تُحرق وتتحول إلى ركام أمام أعينكم الذليلة! سنمحو اسم رمسيس من على الجدران والتاريخ، وسنكتب اسم بعل على مسلاتهم بالدم المصري القاني!"

تحرك أدنوك على المنصة، ونظر إلى الوجوه المترددة لبعض القادة الصغار، وتابع بنبرة ملأها التحدي والسخرية:

"من يتبعني اليوم في هذه الرحلة المقدسة، سيعود إلى دياره ملكاً متوجاً أو شهيداً في قاعات بعل! ومن يدب الخوف في قلبه... فليبقَ هنا في البرد، يرعى الماعز بين الصخور ويتضور جوعاً! لكنني أنظر إليكم فلا أرى رعاة ماعز... أنظر إليكم فأرى رجال العاصفة الشرسين! أنظر فأرى أبناء بعل الحقيقيين!"

ما إن أنهى الملك أدنوك كلماته النارية، حتى انفجر الجيش الهائل في هتاف مدوٍّ جماعي، كان صوته قوياً كقصف الرعد، تسبب في اهتزاز جدران معبد بعل وتطاير الثلوج المستقرة على قمم الأبراج الحجرية. رُفعت ستون ألف حربة إلى السماء في لحظة واحدة، فبدت الساحة وكأنها غابة من الحديد المستعر الذي يتحدى الآلهة.

كان الملوك المتحالفون — من أمورو وكنعان وأوغاريت ويسريار وكنعان— يصفقون بحماس باللغ، يتبادلون نظرات الطمع التي أسالت لعابهم، بينما اندفع الكهنة السود نحو المذابح الحجرية الضخمة التي تتوسط الساحة، وبدأوا يرقصون رقصاتهم الحربية الطقسية الدائرية، يلوحون بخناجرهم البرونزية ويصرخون بتعاوذهم القديمة بطلب النصر والدمار.

سحب الكهنة ثيراناً سوداء ضخمة، كانت قد غُذيت لشهور لهذا اليوم، وطعنوها في أعناقها لتتدفق دماؤها الداكنة فوق المذابح، ممزوجة بالزيوت المقدسة والسموم، وتصاعدت أبخرة اللحم المحترق والبخور الثقيل لتمتزج بغيوم السماء، كقرابين ترضي جوع بعل للخراب.

وسط هذا الصخب الأعمى وقرع الطبول الجنائزية الكبيرة وصياح الأبواق النحاسية التي تصم الآذان، عاد أدنوك ليقف في طليعة المنصة، وصوته يخترق الضجيج كالنصل:

"رمسيس العظيم الذي كنتم تخشونه قد مات وشبع موتاً! وابنه الجديد مرنبتاح ضعيف، لا يمتلك سوى ظل أبيه! جيوشنا الجرارة ستدخل حدود مصر كالسيل الجارف الذي لا يرده سد. سنحرق طيبة عاصمتهم، وننهب "منف" العتيقة، ونستبيح نساء الفراعنة في مخادعهن! بعل سيمطر علينا القوة، ووحوشه الظلامية ستنزع الأرواح من أجساد المصريين وتتركها جيفاً للكلاب! هذا الذي نسير إليه ليس مجرد غزو عابر... هذا هو المصير الذي كُتب لنا! مصيرنا أن نكون أسياد هذا العالم وملاكه! هيا أيها الرجال... إلى المجد! إلى الغنائم! إلى الدمار الشامل!"

انفجرت الحشود مجدداً في موجات من الهتاف الصاخب الذي لم تهدأ ثائرته، وبدأت الفصائل العسكرية تترتب في طوابير طويلة، تستعد للتحرك الفوري نحو الجنوب عبر المسالك الجبلية الوعرة والممرات المؤدية إلى أراضي كنعان والدلتا.

تنحى الملك أدنوك جانباً، ووقف بين الملوك المتحالفين الذين كانوا يهنئونه على هذه الخطبة التي حركت الصخر. لكنه لم يكن يستمع إليهم بحق؛ بل دار بجسده الضخم نحو اتجاه الجنوب.. نحو المسافة البعيدة التي تفصل خاتوشا عن طيبة ووادي النيل الدافئ. ارتسمت على شفتيه القاسيتين ابتماسية شريرة، مليئة بالثقة المطلقة والغطرسة، وهمس لنفسه بنبرة خافتة تكاد تبددها الرياح:

"الآن... يا مرنبتاح... يا حورس الصغير الذي يظن أنه ورث الأرض.. سنرى قريباً إن كان تاجك الذهبي سيحميك من رعد بعل،فقد تركوكم الهتكم منذ زمن بعيد وصعدوا للسماء أو إن كان سحر اخيك سيعطلك عن الموت. أنا قادم لأخذ كل شيء."

كانت العاصفة الشمالية السوداء، المحملة بالحديد والوحوش والأطماع، قد بدأت بالفعل بالتحرك الفعلي، زاحفة ببطء وقوة نحو الجنوب، لتلتقي بالقدر الذي ينتظرها.

وفي ذات اللحظة الكونية، على الجانب الآخر من العالم، كان الأسطول الملكي المصري العظيم، بمئتي سفينة وأربعين ألف مقاتل تحت قيادة مرنبتاح وخع إم واست وسى اوزير، يمخر عباب البحر المتوسط متجهاً نحو الشمال في ظلام دامس وحظر تام.

كان الطرفان يتحركان كخطين مستقيمين يسيران نحو نقطة تصادم واحدة، دون أن يعلم أي من الملكين أو الجيشين حجم وجحيم المواجهة الكونية القادمة، مواجهة لن تحدد فقط من يجلس على عرش الوادي أو الجبل، بل ستحدد ما إذا كان النور سيبقى يضيء العالم، أم أن ظلام بعل سيبتلع الكون إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status