LOGINدخلت أناتيرا الغرفة بخطوات خفيفة، رشيقة، تتصنع الارتجاف والهلع الشديد، وكانت تبدو في تلك الساعة المتأخرة من الليل كأنها غزال بري يفر من بندقية صياد في وادٍ موحش. وعلى الرغم من الاضطراب العنيف الذي كان يمزق صدر الأمير الشاب سى اوزير، والحرارة اللافحة التي جرت في عروقه كالبركان، إلا أن دماء أجداده الفراعنة العظام، وتعاليم والده الكاهن الأكبر خع إم واست، انتفضت في عروقه فجأة لتعيد إليه قناع الوقار والشرف.تحرك بخطى سريعة نحو الباب الخشبي الضخم المصنوع من خشب الأرز النقي، ودفع الضلفتين بقوة ليتركه مفتوحاً على مصراعيه كعلامة راسخة على الشرف، والنبل، والاحترام الرفيع؛ ليعلن للكون، ولحراس المعبد الراصدين في الممرات، أن أمير مصر لا يختلي بفتاة مستأمنة في غسق الليل، ولكي يرفع الحرج والشك عن نفس هذه الأميرة المغتربة التي جاءت تستجدي حمايته.كانت نبضات قلبه تدق بعنفوان شديد، كأنها طبول حرب تضرب في صدره المفتول، وكان وجهه يشتعل حمرة من فرط الخجل والارتباك المكتوم. أخذ نفساً عميقاً يحاول فيه استجماع شتات عقله المشتت وصوته المبحوح، وأشار بيده الدافئة المرتعشة نحو الكرسي الخشبي الفاخر المبطن بالجلد
كان سى اوزير مستلقياً على سريره في غرفته الملكية الفسيحة بمعبد بتاح، لكن النوم كان يهرب من عينيه. كان القمر المكتمل يلقي ضوءه الفضي البارد من خلال النوافذ الخشبية، ليرسم ظلالاً طويلة ومتحركة على الجدران المنقوشة بمشاهد النيل المبارك وتماثيل الآلهة العظام. كانت عيناه مفتوحتين على وسعهما، تنظران إلى السقف المزين بالنجوم، بينما كان عقله يدور في دوامة لا تهدأ من الأفكار الحائرة."ماذا يحدث لكياني؟"همس لنفسه بصوت مكسور، ووضع ذراعه القوية على جبينه المحموم، وتابع:"منذ أن ظهرت هذه الفتاة الشمالية أناتيرا في حياتي... لم أعد أسيطر على أفكاري ولا على نبضات قلبي."كان ذلك المشهد المثير يتردد في خياله مراراً وتكراراً دون انقطاع: أناتيرا تقف وحيدة على ضفة النيل، تحل عقد فستانها الأبيض ببطء شديد، ليفر الثوب عن جسدها العاري الذي يتوهج ويتلألأ تحت ضوء القمر الشاهد. كان يرى بوضوح منحنياتها الرقيقة، وصدرها الجميل المرتفع الذي يتحرك مع أنفاسها، وخصرها النحيل، ومؤخرتها المستديرة المشدودة التي تبرز فتنتها الطاغية. كان يتذكر بدقة كيف تحرك جسدها في الماء؛ ناعماً، لامعاً، كأنه تمثال حي نُحت من الجمال الإله
بعد انتهاء الاجتماع الرسمي والمهم مع الملك "مرنبتاح"، عاد الأمير "خع إم واست" إلى جناحه الملكي الخاص في معبد بتاح الكبير بمدينة منف. كانت الشمس قد غابت تماماً عن السماء، وحل محلها القمر الذي بدأ يلقي ضوءه الفضي الهادئ والجميل على الأشجار والحدائق المقدسة المحيطة بالمكان.وجد زوجته الحبيبة "تفنوت" تنتظره على شرفة الجناح الواسعة. كانت ترتدي ثوباً أبيض خفيفاً، وشعرها الأسود الطويل منسدلاً برقة على كتفيها، وتمسك في يدها كأساً من النبيذ المعتدل. جلس خع إم واست بجانبها بهدوء، وأمسك بيدها الدافئة، ثم قبل كفها بلطف وحنان قبل أن يبدأ الحديث معها.نظر خع إم واست في عينيها وقال بصوت هادئ ورزين:"لقد تحدثتُ مع مرنبتاح اليوم في قاعة الحكم. واقترح عليّ فكرة جديدة تخص العائلة؛ إنه يرى في الأميرة الشمالية أناتيرا زوجة مناسبة جداً لابننا سى اوزير. قال لي إنها فتاة جميلة ومؤدبة، وتندمج بسرعة مذهلة مع عاداتنا وثقافتنا. يبدو الملك متحمساً جداً لهذه الفكرة، ويرى فيها فرصة سياسية عظيمة لتقوية الروابط وتأمين الولاء مع ممالك الشمال."ظلت تفنوت صامتة لعدة لحظات، وهي تنظر بتركيز إلى مجرى نهر النيل الخالد الذي
أشرقت الشمس على مدينة "منف" في الصباح التالي، وملأ نورها الذهبي معبد الإله بتاح الكبير. لكن هذا النور لم يغير شيئاً داخل قلب الأمير الشاب "سى اوزير". كان يشعر بخوف وقلق شديدين، ولم يستطع النوم في الليل إلا لعدة ساعات قليلة. كانت الأحلام المثيرة تلاحقه في نومه، وتركت في نفسه شعوراً كبيراً بالذنب والارتباك.وقف سى اوزير أمام حوض الماء، وغسل وجهه بالماء البارد مرات كثيرة. كان يحاول بكل قوته أن ينسى صورة أناتيرا وهي تسبح في النيل عارية تحت ضوء القمر، لكنه لم يستطع مسح الصورة من عقله. نظر إلى نفسه في المرآة وقال بصوت حزين ومضطرب:"كيف سأنظر في عينيها اليوم؟ ماذا لو عرفت أنني رأيتها؟ ماذا لو شعرت أنني نظرت إليها بطريقة سيئة ليلة أمس؟ سأموت من الخجل إذا وقفتُ أمامها في قاعة الدرس."ارتدى ثيابه الأميرية البيضاء بسرعة، ووضع تميمة الإله ست فوق صدره. أخذ نفساً عميقاً، وحاول أن يبدو هادئاً وطبيعياً كالعادة أمام الناس، ثم خرج من غرفته وهو يستعد لمواجهة صعبة لم يكن يريدها.لم يكن أمام الأمير شاب مفر من الذهاب إلى درس الصباح في قاعة العلوم؛ لأن غيابه سوف يثير شكوك والده الأمير خع إم واست. دخل سى اوز
دخل سى اوزير غرفته وهو يضرب رأسه بكفيه بقوة وعنف، كأنه يحاول معاقبة نفسه جسدياً على خطيئة ارتكبتها عيناه رغماً عنه. أغلق الباب الخشبي خلفه بعنف شديد، ثم وقف في منتصف الغرفة يلهث بأنفاس متلاحقة، وكان وجهه يشتعل حمرة من فرط الخجل الشديد والغضب العارم من ذاته وسقوط حصونه الروحية."ماذا فعلتُ؟! يا إلهي... ماذا فعلتُ؟!"همس بصوت مكسور ومتهدج، وبدأ يدور في جنبات الغرفة بخطوات مضطربة كوحش كاسر حُبس في قفص حديدي."لقد رأيتُ جسدها... عارياً تماماً... تحت ضوء القمر الشاهد... ولم أستطع، تباً لي، لم أستطع أن أغلق عينيّ أو أشيح بوجهي! أنا... أنا الذي تربيتُ على طقوس ماعت، انتهكتُ حرمة فتاة بريئة مستأمنة في حمانا! فتاة خجولة، وحيدة، جاءت تبحث عن العلم والنور في بلدنا... وأنا وقفتُ أنظر إلى مفاتنها كأي فاسق سلبته الغرائز عقله!"جلس على حافة السرير الحجري الوثير، وأمسك برأسه بكلتا يديه، وغرس أصابعه بقوة في خصلات شعره الطويل. كان عقله المحموم يتخيل وجه أناتيرا البريء والذعر يتملكها إذا عرفت بطريقة ما أنه كان يراقبها. كيف ستشعر تلك الفتاة الرقيقة الخجولة التي طالما تنحني بأدب جم، وتتعلم بجدية في المعبد
في تلك الليلة، كان سى اوزير مستلقياً على سريره الواسع في غرفته الملكية بمعبد بتاح، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن جفونه المتعبة. كان القمر المكتمل يتربع في كبد السماء، يرسل ضياءه الفضي البارد من خلال النوافذ الخشبية المشبكة، ليرسم ظلالاً رقيقة ومتحركة على الجدران المنقوشة برموز الأجداد والآلهة.لم يكن عقله قادراً على التركيز في نصوص البرديات؛ إذ كان يتردد في مخيلته مشهد واحد فقط لا يغيب: أناتيرا.كان صوتها العذب، الذي يشبه عزف القيثار في سكون الليل، يتردد في مسامعه كأنه لحن سحري يأبى الرحيل، وهيئتها الأنثوية الرقيقة تتبدى أمام عينيه بوضوح كلما أغمض جفنيه بحثاً عن الراحة. كان يتذكر منحنيات جسدها المتناسق تحت ثوبها الكتاني الخفيف، وطريقة وقوفها الخجولة، وابتسامتها الرقيقة التي تأسر القلوب، وعينيها الخضراوين اللتين تحملان بريقاً غامضاً وعميقاً لا يفسره منطق.كان سى اوزير شاباً في مقتبل العمر، يافعاً وسيماً، وممتلئاً بطاقة الشباب الحارة وعنفوانه الفتي، فكانت غرائزه وجسده يستجيبان لهذه الصور الفتّانة رغماً عن إرادته وقوته الروحية. وضجع في فراشه يتقلب، ووضع ذراعه القوية تحت رأسه يتساءل بذهول