Share

148

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-09 16:16:51

بعد انتهاء الاجتماع الرسمي والمهم مع الملك "مرنبتاح"، عاد الأمير "خع إم واست" إلى جناحه الملكي الخاص في معبد بتاح الكبير بمدينة منف. كانت الشمس قد غابت تماماً عن السماء، وحل محلها القمر الذي بدأ يلقي ضوءه الفضي الهادئ والجميل على الأشجار والحدائق المقدسة المحيطة بالمكان.

وجد زوجته الحبيبة "تفنوت" تنتظره على شرفة الجناح الواسعة. كانت ترتدي ثوباً أبيض خفيفاً، وشعرها الأسود الطويل منسدلاً برقة على كتفيها، وتمسك في يدها كأساً من النبيذ المعتدل. جلس خع إم واست بجانبها بهدوء، وأمسك بيدها الدافئة، ثم قبل كفها بلطف وحنان قبل أن يبدأ الحديث معها.

نظر خع إم واست في عينيها وقال بصوت هادئ ورزين:

"لقد تحدثتُ مع مرنبتاح اليوم في قاعة الحكم. واقترح عليّ فكرة جديدة تخص العائلة؛ إنه يرى في الأميرة الشمالية أناتيرا زوجة مناسبة جداً لابننا سى اوزير. قال لي إنها فتاة جميلة ومؤدبة، وتندمج بسرعة مذهلة مع عاداتنا وثقافتنا. يبدو الملك متحمساً جداً لهذه الفكرة، ويرى فيها فرصة سياسية عظيمة لتقوية الروابط وتأمين الولاء مع ممالك الشمال."

ظلت تفنوت صامتة لعدة لحظات، وهي تنظر بتركيز إلى مجرى نهر النيل الخالد الذي كان يلمع ويتلألأ تحت ضوء القمر الفضي. ثم تنهدت بلطف شديد، وقالت بصوت ناعم يحمل حكمة الأم وخوفها:

"أناتيرا فتاة جميلة للغاية وحسناء بالفعل يا خع إم واست... إنها رقيقة، خجولة، وتبدو شغوفة جداً بطلب العلم والتعلم. أنا أراها في كل يوم تقريباً داخل أروقة المعبد، تبتسم بأدب وتسأل الكهنة بذكاء فذ. أنا لا أعارض هذه الفكرة من حيث المبدأ... ولكنني أقترح بجدية أن ننتظر بعض الوقت وألا نستعجل الأمر يا حبيبي. نحن لا نعرف حقيقتها جيداً بعد. وعلى الرغم من أنها تبدو على خلق طيب، وجميلة، ورقيقة، إلا أنني أحس في بعض الأوقات بشيء غريب عندما أقترب منها... شيء ضخم ومجهول، كأن هناك طبقة خفية وقوية مخبوءة وراء كل هذا الهدوء والخجل الظاهر. ربما يكون هذا مجرد شعور أمومي زائد وقلق طبيعي، ولكن قلبي يقول لي أن ننتبه ونحذر."

نظر إليها خع إم واست باهتمام عميق وعناية كبيرة، فقد كان يعلم أن حدس زوجته لا يخطئ أبداً. جذبها إليه بلطف، ووضع ذراعه القوية حول كتفها ليمنحها الأمان، ثم قال بنبرة مطمئنة:

"أنا أثق بحدسكِ وبمشاعركِ دائماً يا تفنوت. أنتِ الأم، وأنتِ تعرفين طبيعة ابننا أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم. إذا كنتِ تشعرين بوجود شيء غريب أو غير مريح حول هذه الفتاة، فسنكون على درجة عالية من الانتباه والحذر. مرنبتاح متحمس للفكرة من الناحية السياسية لتأمين الإمبراطورية، لكننا لن نستعجل في اتخاذ أي قرار. سى اوزير ليس مجرد وريث لعائلة رمسيس... هو ابننا الغالي قبل كل شيء، ويجب أن يكون سعيداً ومرتاحاً في حياته وزواجه."

وضعت تفنوت رأسها برقة على صدره الواسع، واستمعت إلى دقات قلبه المنتظمة، وقالت:

"بالتأكيد يا حبيبي. فالزواج ليس مجرد تحالف سياسي أو وسيلة لبسط النفوذ. أنا أريد لابننا زوجة تحبه وتصونه بصدق من كل قلبها، لا مجرد فتاة تُستخدم لتقوية السلطة. دعنا الآن ننتهي من التجهيز والتحضير لعيد 'الأوبت' العظيم الذي اقترب موعده كثيراً؛ فالشعب المصري ينتظر هذا الاحتفال بفارغ الصبر، والكهنة في المعابد يعدون الطقوس الكبرى والمقدسة له. وبعد أن تنتهي أيام العيد ويستقر الوضع، سنجلس مع ابننا الشاب بهدوء ونسمع رأيه الخاص؛ فهو الذي سيعيش معها، ويجب أن يكون القرار قراره وحده دون ضغط."

ساد الصمت الهادئ للحظات بين الزوجين، وكان المكان مليئاً بمشاعر الحنان، الحب، والتفاهم العميق. كان خع إم واست يقبل شعرها بلطف، وتفنوت تمسك بيده بقوة وتشد عليها كعهد دائم بينهما.

سألها خع إم واست بصوت خافت:

"أنتِ على حق تماماً، سننتظر حتى ينتهي العيد. ولكن أخبريني بصراحة... هل تشعرين بوجود خطر حقيقي وملموس منها يهددنا؟ أم أن الأمر مجرد قلق أمومي طبيعي بسبب كبر سن ابننا واقترابه من الزواج؟"

ترددت تفنوت لثوانٍ قليلة، ثم أجابته بنبرة حائرة:

"لا أعرف بدقة حتى الآن يا خع إم واست... ولكن قلبي لا يشعر بالراحة التامة تجاهها. هي جميلة جداً بشكل مفرط... ورقيقة جداً فوق الطبيعي... وربما هذا التميز الشديد هو ما يجعلني أشعر بالقلق. فالرقة المبالغ فيها أحياناً تكون سلاحاً خفياً وأقوى بكثير من نصل السيف في الحروب."

ابتسم خع إم واست ابتسامة دافئة، وانحنى ليقبل جبينها برقة وقال:

"سنراقب تصرفاتها معاً بذكاء، وسنحمي ابننا الشاب من أي سوء أو خطر. والآن... دعينا نبتعد عن أمور السياسة ونستمتع بهذه الليلة الهادئة والجميلة معاً، قبل أن تبدأ أعمال التحضير الشاقة للعيد الكبير."

احتضنها الأمير بقوة، وجلسا معاً ينظران إلى مياه نهر النيل الخالد، ويتحدثان بهمس عن ذكريات الماضي الجميل، وعن جدهما رمسيس العظيم، وعن أملهما الكبير في أن يكون مستقبل ابنهما سى اوزير مليئاً بالنور والسلام والنجاح.

وفي مكان آخر، بعيداً عن جناح الأمير، وتحديداً في زاوية مظلمة وكاحلة من زوايا المعبد الكبير، كانت أناتيرا — الإلهة المتنكرة "عنات" — تقف في عتمة الظل بثبات.

كانت تلتف بعباءتها، وتنظر نحو الأعلى، وترتسم على شفتيها ابتسامة باردة، قاسية، ومليئة بالمكر والشماتة، وهي تراقب من بعيد ضوء الشموع الدافئ المنبعث من نافذة غرفة خع إم واست وتفنوت.

كانت تدرك بحواسها الإلهية الخفية أن الأفكار بدأت تدور حولها، وأن فكرة زواجها من الأمير الشاب بدأت تُطبخ في عقول الملوك. وعلى الرغم من حذر الأم وتوجس تفنوت، إلا أن عنات كانت تشعر بنشوة عارمة؛ لأن الخطة الخبيثة التي وضعتها كانت تسير ببطء شديد، وبثبات، وبدقة متناهية نحو تحقيق هدفها الأكبر بتدمير عائلة رمسيس من جوفها وسحق طهارة سى اوزير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   150

    دخلت أناتيرا الغرفة بخطوات خفيفة، رشيقة، تتصنع الارتجاف والهلع الشديد، وكانت تبدو في تلك الساعة المتأخرة من الليل كأنها غزال بري يفر من بندقية صياد في وادٍ موحش. وعلى الرغم من الاضطراب العنيف الذي كان يمزق صدر الأمير الشاب سى اوزير، والحرارة اللافحة التي جرت في عروقه كالبركان، إلا أن دماء أجداده الفراعنة العظام، وتعاليم والده الكاهن الأكبر خع إم واست، انتفضت في عروقه فجأة لتعيد إليه قناع الوقار والشرف.تحرك بخطى سريعة نحو الباب الخشبي الضخم المصنوع من خشب الأرز النقي، ودفع الضلفتين بقوة ليتركه مفتوحاً على مصراعيه كعلامة راسخة على الشرف، والنبل، والاحترام الرفيع؛ ليعلن للكون، ولحراس المعبد الراصدين في الممرات، أن أمير مصر لا يختلي بفتاة مستأمنة في غسق الليل، ولكي يرفع الحرج والشك عن نفس هذه الأميرة المغتربة التي جاءت تستجدي حمايته.كانت نبضات قلبه تدق بعنفوان شديد، كأنها طبول حرب تضرب في صدره المفتول، وكان وجهه يشتعل حمرة من فرط الخجل والارتباك المكتوم. أخذ نفساً عميقاً يحاول فيه استجماع شتات عقله المشتت وصوته المبحوح، وأشار بيده الدافئة المرتعشة نحو الكرسي الخشبي الفاخر المبطن بالجلد

  • سيد الرماد والضوء   149

    كان سى اوزير مستلقياً على سريره في غرفته الملكية الفسيحة بمعبد بتاح، لكن النوم كان يهرب من عينيه. كان القمر المكتمل يلقي ضوءه الفضي البارد من خلال النوافذ الخشبية، ليرسم ظلالاً طويلة ومتحركة على الجدران المنقوشة بمشاهد النيل المبارك وتماثيل الآلهة العظام. كانت عيناه مفتوحتين على وسعهما، تنظران إلى السقف المزين بالنجوم، بينما كان عقله يدور في دوامة لا تهدأ من الأفكار الحائرة."ماذا يحدث لكياني؟"همس لنفسه بصوت مكسور، ووضع ذراعه القوية على جبينه المحموم، وتابع:"منذ أن ظهرت هذه الفتاة الشمالية أناتيرا في حياتي... لم أعد أسيطر على أفكاري ولا على نبضات قلبي."كان ذلك المشهد المثير يتردد في خياله مراراً وتكراراً دون انقطاع: أناتيرا تقف وحيدة على ضفة النيل، تحل عقد فستانها الأبيض ببطء شديد، ليفر الثوب عن جسدها العاري الذي يتوهج ويتلألأ تحت ضوء القمر الشاهد. كان يرى بوضوح منحنياتها الرقيقة، وصدرها الجميل المرتفع الذي يتحرك مع أنفاسها، وخصرها النحيل، ومؤخرتها المستديرة المشدودة التي تبرز فتنتها الطاغية. كان يتذكر بدقة كيف تحرك جسدها في الماء؛ ناعماً، لامعاً، كأنه تمثال حي نُحت من الجمال الإله

  • سيد الرماد والضوء   148

    بعد انتهاء الاجتماع الرسمي والمهم مع الملك "مرنبتاح"، عاد الأمير "خع إم واست" إلى جناحه الملكي الخاص في معبد بتاح الكبير بمدينة منف. كانت الشمس قد غابت تماماً عن السماء، وحل محلها القمر الذي بدأ يلقي ضوءه الفضي الهادئ والجميل على الأشجار والحدائق المقدسة المحيطة بالمكان.وجد زوجته الحبيبة "تفنوت" تنتظره على شرفة الجناح الواسعة. كانت ترتدي ثوباً أبيض خفيفاً، وشعرها الأسود الطويل منسدلاً برقة على كتفيها، وتمسك في يدها كأساً من النبيذ المعتدل. جلس خع إم واست بجانبها بهدوء، وأمسك بيدها الدافئة، ثم قبل كفها بلطف وحنان قبل أن يبدأ الحديث معها.نظر خع إم واست في عينيها وقال بصوت هادئ ورزين:"لقد تحدثتُ مع مرنبتاح اليوم في قاعة الحكم. واقترح عليّ فكرة جديدة تخص العائلة؛ إنه يرى في الأميرة الشمالية أناتيرا زوجة مناسبة جداً لابننا سى اوزير. قال لي إنها فتاة جميلة ومؤدبة، وتندمج بسرعة مذهلة مع عاداتنا وثقافتنا. يبدو الملك متحمساً جداً لهذه الفكرة، ويرى فيها فرصة سياسية عظيمة لتقوية الروابط وتأمين الولاء مع ممالك الشمال."ظلت تفنوت صامتة لعدة لحظات، وهي تنظر بتركيز إلى مجرى نهر النيل الخالد الذي

  • سيد الرماد والضوء   147

    أشرقت الشمس على مدينة "منف" في الصباح التالي، وملأ نورها الذهبي معبد الإله بتاح الكبير. لكن هذا النور لم يغير شيئاً داخل قلب الأمير الشاب "سى اوزير". كان يشعر بخوف وقلق شديدين، ولم يستطع النوم في الليل إلا لعدة ساعات قليلة. كانت الأحلام المثيرة تلاحقه في نومه، وتركت في نفسه شعوراً كبيراً بالذنب والارتباك.وقف سى اوزير أمام حوض الماء، وغسل وجهه بالماء البارد مرات كثيرة. كان يحاول بكل قوته أن ينسى صورة أناتيرا وهي تسبح في النيل عارية تحت ضوء القمر، لكنه لم يستطع مسح الصورة من عقله. نظر إلى نفسه في المرآة وقال بصوت حزين ومضطرب:"كيف سأنظر في عينيها اليوم؟ ماذا لو عرفت أنني رأيتها؟ ماذا لو شعرت أنني نظرت إليها بطريقة سيئة ليلة أمس؟ سأموت من الخجل إذا وقفتُ أمامها في قاعة الدرس."ارتدى ثيابه الأميرية البيضاء بسرعة، ووضع تميمة الإله ست فوق صدره. أخذ نفساً عميقاً، وحاول أن يبدو هادئاً وطبيعياً كالعادة أمام الناس، ثم خرج من غرفته وهو يستعد لمواجهة صعبة لم يكن يريدها.لم يكن أمام الأمير شاب مفر من الذهاب إلى درس الصباح في قاعة العلوم؛ لأن غيابه سوف يثير شكوك والده الأمير خع إم واست. دخل سى اوز

  • سيد الرماد والضوء   146

    دخل سى اوزير غرفته وهو يضرب رأسه بكفيه بقوة وعنف، كأنه يحاول معاقبة نفسه جسدياً على خطيئة ارتكبتها عيناه رغماً عنه. أغلق الباب الخشبي خلفه بعنف شديد، ثم وقف في منتصف الغرفة يلهث بأنفاس متلاحقة، وكان وجهه يشتعل حمرة من فرط الخجل الشديد والغضب العارم من ذاته وسقوط حصونه الروحية."ماذا فعلتُ؟! يا إلهي... ماذا فعلتُ؟!"همس بصوت مكسور ومتهدج، وبدأ يدور في جنبات الغرفة بخطوات مضطربة كوحش كاسر حُبس في قفص حديدي."لقد رأيتُ جسدها... عارياً تماماً... تحت ضوء القمر الشاهد... ولم أستطع، تباً لي، لم أستطع أن أغلق عينيّ أو أشيح بوجهي! أنا... أنا الذي تربيتُ على طقوس ماعت، انتهكتُ حرمة فتاة بريئة مستأمنة في حمانا! فتاة خجولة، وحيدة، جاءت تبحث عن العلم والنور في بلدنا... وأنا وقفتُ أنظر إلى مفاتنها كأي فاسق سلبته الغرائز عقله!"جلس على حافة السرير الحجري الوثير، وأمسك برأسه بكلتا يديه، وغرس أصابعه بقوة في خصلات شعره الطويل. كان عقله المحموم يتخيل وجه أناتيرا البريء والذعر يتملكها إذا عرفت بطريقة ما أنه كان يراقبها. كيف ستشعر تلك الفتاة الرقيقة الخجولة التي طالما تنحني بأدب جم، وتتعلم بجدية في المعبد

  • سيد الرماد والضوء   145

    في تلك الليلة، كان سى اوزير مستلقياً على سريره الواسع في غرفته الملكية بمعبد بتاح، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن جفونه المتعبة. كان القمر المكتمل يتربع في كبد السماء، يرسل ضياءه الفضي البارد من خلال النوافذ الخشبية المشبكة، ليرسم ظلالاً رقيقة ومتحركة على الجدران المنقوشة برموز الأجداد والآلهة.لم يكن عقله قادراً على التركيز في نصوص البرديات؛ إذ كان يتردد في مخيلته مشهد واحد فقط لا يغيب: أناتيرا.كان صوتها العذب، الذي يشبه عزف القيثار في سكون الليل، يتردد في مسامعه كأنه لحن سحري يأبى الرحيل، وهيئتها الأنثوية الرقيقة تتبدى أمام عينيه بوضوح كلما أغمض جفنيه بحثاً عن الراحة. كان يتذكر منحنيات جسدها المتناسق تحت ثوبها الكتاني الخفيف، وطريقة وقوفها الخجولة، وابتسامتها الرقيقة التي تأسر القلوب، وعينيها الخضراوين اللتين تحملان بريقاً غامضاً وعميقاً لا يفسره منطق.كان سى اوزير شاباً في مقتبل العمر، يافعاً وسيماً، وممتلئاً بطاقة الشباب الحارة وعنفوانه الفتي، فكانت غرائزه وجسده يستجيبان لهذه الصور الفتّانة رغماً عن إرادته وقوته الروحية. وضجع في فراشه يتقلب، ووضع ذراعه القوية تحت رأسه يتساءل بذهول

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status