Share

93

Author: Ahmed Habib
last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-01 14:12:38

كان الأمير "خع إم واست" جاثياً على ركبتيه فوق البلاط الحجري الذي تخضب بالدماء والرماد السحري، ملتصقاً بـ "تفنوت" باحتضانٍ يائس، كأنه يخشى أن تذوب ذرات جسدها بين ذراعيه وتتحول إلى سراب. كان جسدها لا يزال يحتفظ بدفء الحياة، ونبضها واهناً كموجة بحرٍ توشك على الجفاف، لكنه منتظم. وجهها الشاحب، الذي كان يوماً بياضه كمرمر المعابد، يحمل الآن خطوطاً خفيفة من ألمٍ يفوق طاقة البشر.

أمسك برأسها بكفيه اللتين كانت ترتجفان بوجل، وقبّل جبينها مرات ومرات، قبلات ممزوجة بملوحة دموعه الساخنة التي كانت تسيل على وجنتيها كالأمطار الغزيرة فوق أرضٍ عطشى. همس بصوت متهدج مكسور، صوتٍ لم يعد يحمل كبرياء الملوك، بل حمل كل ما تبقى له من إنسانية، وندم، وحبٍ طال كبته:

"تفنوت... زوجتي... ضياء عيني وأم ابني... أرجوكِ، لا تمضي إلى حقول القصب وتتركيني وحيداً في هذا القفر. أنا هنا... لقد عاد خع إم واست الذي تعرفينه... لقد أفقتُ من كابوسي وعُدتُ إليكِ. سامحيني على كل سكينٍ غرزتُها في قلبكِ... سامحيني على السنة العجفاء التي سرقتها الغواية منا... سامحيني على الضعف المخزي الذي أذل كرامتي وجعلني مسخاً بين يدي ساحرة..."

مع كل قطرة دمع تسقط من عينيه لتلامس بشرتها، كان يشعر بخفقات قلبها الواهنة تحت كفه العارية. وفي تلك اللحظة الوجيعة، وفي أعمق دهاليز روحه المُستعبَدة، شعر بوخزٍ خفيف لكنه حاد كالنصل. إنه ذلك الوميض الضئيل، الجمرة الفيروزية المقدسة التي أبى الظلام أن يطفئها طوال عامٍ كامل من الأسر المظلم. بدأ ذلك الوميض يتوهج، يتسع، وينبض بقوة زلزلت كيانه.

كان النور يعود إليه؛ لم يكن صعوداً سهلاً، بل كان مخاضاً مؤلماً، مرعباً، وقاسياً، كأنما تُولد روحه من جديد من بين فكي الموت. تدفقت الذكريات في عقله كشلالٍ هادر من الضياء، تحطم سدود النسيان والسحر الأسود التي ضربتها "تابوبو" حول عقله:

ليلة العهد المقدس: رأى نفسه واقفاً مع تفنوت تحت ضوء القمر الفضي الساكب في فناء معبد "بتاح"، حيث امتزجت أنفاسهما بوعود الأبدية.

معجزة الصرخة الأولى: تذكر لحظة ولادة "سى اوزير"؛ صرخة الطفل الأولى التي شقت صمت المحراب، والوميض الفيروزي الخارق الذي أحاط بالمهد كبشارة من الآلهة.

حضن الآب الروحي: تذكر الدفء المهيب في حضن أبيه، الفرعون العظيم "رمسيس الثاني"، عندما عاد خع إم واست من رحلته المظلمة في أعماق "الدوات" (العالم السفلي).

ضحكات الحديقة الشاردة: تذكر رنين ضحكات "تفنوت" وهي تركض بين أشجار الجميز واللوتس في حديقة القصر بـ "منف"، والنسيم يحمل عطرها.

التعويذة الأولى: تجسدت أمامه يد ابنه الصغيرة، الطرية، وهي تمسك بأصابعه المرتجفة وهو يعلمه كيف يخط الرموز المقدسة وأولى تعاويذ الحماية.

كانت كل ذكرى من هذه الذكريات بمثابة كتيبة من جنود النور، تحارب جيوش الظلام داخل خلايا جسده بشراسة ضارية، تحرق خيوط العنكبوت السوداء التي نسجتها الشهوة السامة في دمه.

رفع الأمير رأسه ببطء شديد. التفتت رقبته نحو الزاوية التي تقف فيها "تابوبو". في تلك اللحظة، شعر كل من في المعبد أن الهيكل الحجري قد تبدل سيده.

وجه "خع إم واست" لم يعد وجه العبد الخاضع المغيب. اختفى السواد الحالك الذي كان يغمر حدقتيه كبئر نفط سائل. بدلاً من ذلك، كانت هناك شرارات فيروزية متفجرة، تطق من عينيه كالبرق الوعر في ليلة عاصفة لا ترحم. كانت عيناه تحترقان بنار انتقام نقي، نار لم تشهد الأرض مثل ضراوتها من قبل؛ لأنها نار تغذت على الندم المكبوت والكرامة المستباحة.

لم يعد جسده يرتجف من الخوف أو وطأة السحر، بل كان يهتز بفعل غضب ملكي قديم، غضب جينات الفراعنة الحاكمة التي استيقظت في دمه بعد عام كامل من الاستعباد والإذلال المهين. وقف ببطء، وفي وقفته كانت كل عضلة وعصب في جسده تستعيد ذاكرة المجد، تتذكر من هو حقاً. نظر إلى "تابوبو" بنظرة اخترقت طيات سحرها؛ نظرة لم تنظرها بشرية من قبل... كانت نظرة أمير يجلس على عرش الحق، ونظرة زوج طُعن في عرضه، ونظرة أبٍ سُرقت أبوته، ونظرة الحارس الأعظم لمصر الحية.

[ تحول ملامح الأمير ] العبد المغيب ◄◄◄ الملك المنتقم( عيون سوداء غارقة ) ( شرارات فيروزية بارقة )( جسد يرتجف ضعفاً ) ( جسد ينتفض غضباً ملكياً )

"أنا... لن أترككِ تعبثين بمقادير روحي هذه المرة."

خرج صوته في البداية هادئاً، رخيماً، لكنه كان يحمل في طياته هسيساً مرعباً كرعدٍ مكبوت يتصاعد في جوف السحاب الأسود ليوشك أن يشق السماء. تقدم نحوها خطوة واحدة، فاهتزت الأرض تحت قدمه، والشرارات الفيروزية في عينيه تتألق وتتضاعف كأنهما شمسين مصغرتين:

"لن تكون هناك عودة لكِ إلى عالم الأحيائيين مجدداً. سأحمي عائلتي بدمي، وسأحمي أرض مصر العظيمة من رجس شروركِ إلى أبد الآبدين. أنتِ سَرَقتِ عاماً كاملاً من نبض حياتي... سرقتِ براءة ضحكات ابني... سرقتِ دموع زوجتي التي جفت في غيابي... واليوم... هنا في محراب بو باستيس... سأضع حداً لعمركِ الدنس."

تراجعت "تابوبو" خطوة إلى الوراء، وحفيف ثوبها يرتطم بالحجر. اعتلت وجهها الفاتن ملامح صدمة حقيقية وهلع دفين لم تذق طعمه منذ قرون. كانت واثقة، بيقينها المظلم، أنها روضت هذا الأسد، وأنها قيدت عقله بـ "كتاب تحوت" المشوه والشهوات الجسدية التي لا ينفك البشر يغرقون فيها. لكن الوميض الذي أشعلته قبلة "تفنوت" ودموعها كان طاقة كونية تفوق قدرتها على الاستيعاب.

حاولت استعادة قناع السيطرة والبرود، فارتسمت على شفتيها القرمزيتين ابتسامة متوترة، مشوبة بالخوف، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها غاوية: "جريء جداً يا حبيبي ومليكي... أبهذه السرعة تنكر كل ليلة قضيناها معاً في مخدعنا؟ بعد كل تلك الملذات المحرمة التي أغرقتُ روحك وجسدك فيها حتى ثملت... تختار الآن أن ترفع سيفك ضدي من أجل امرأة فانية؟"

لم يكلف الأمير نفسه عناء الرد بالكلمات. كان الرد زلزالاً انفتح من الجحيم.

انفجرت المعركة بشراسة أسطورية لم يشهد المعبد، بل ولم تشهد "منف" كلها، مثيلاً لها في غابر الأزمان.

أطلقت "تابوبو" يدها في الهواء، فاندفع من كفيها طوفان من المادة السوداء اللزجة، تحولت في ثوانٍ إلى أفاعٍ عملاقة مشوهة، حراشفها من الفحم الملتهب، وأنيابها تقطر سمّاً أسود يغلي بالنيران. اندفعت الأفاعي نحو خع إم واست لتمزقه وتلتهم روحه.

بسرعة خارقة تخطت حدود القدرة البشرية، قفز الأمير في الهواء. في يده، لم يكن هناك سيف حديدي، بل استدعى سيفاً أثيرياً صُنع من خالص طاقة النفس والمتولد من المعرفة العميقة لكتاب تحوت. لمع السيف بنور فيروزي متجدد، يشع ضياءً يحرق العتمة. هبط كالصاعقة، وبضربات متلاحقة سريعة كالبرق، بدأ يقطع رؤوس الأفاعي الظلامية. ومع كل قطرة نصل، كانت الأفاعي تتلاشى في شرارات نارية زرقاء تشتعل في الهواء وتصدر عويلاً كأرواحٍ معذبة تتبخر.

كان يقاتل بغضب ملكي كاسح؛ لم تكن الضربات مجرد حركات سيف، بل كانت تفريغاً لسنوات من الألم المكبوت، والذل الذي تجرعه، والندم الممزق، والحب الذي حُرم منه.

"أنتِ دمرتِ حياتي وجعلتِني خائناً لنفسي!" صاح بصوت زأرت له جدران المعبد، وهو يطيح برأس أفعى ضخمة كادت تندفع نحو جسد "تفنوت" الملقى. "أنتِ سَرَقتِ سنة كاملة من عمري وأنا حي كالميت! سرقتِ ضحكات طفلي! سرقتِ حضن زوجتي الدافئ!"

كانت "تابوبو" تتحرك وسط المعركة بأناقة مرعبة وخفة جنية عتيقة. كان جسدها الفاتن ينحل جزئياً ليتحول إلى دخان أسود كثيف يفلت من ضربات سيفه، ثم يعود ليتجسد في مكان آخر. كانت تطلق من فمها وعينيها لهيباً أسود كالحاً، نيراناً لا تحرق الجسد بل تحرق الروح والذاكرة. كانت تضحك ضحكات هستيرية صاخبة وهي تقاتل، لكن ضحكتها كانت تفضح توتراً خفياً، نبرة خوف من رجل لم يعد لديه ما يخسره.

صرخت وسط دوي السحر: "أنت من اخترتني في ذلك اليوم المشؤوم! أنت من جئت إلى عتبة داري تبحث عن المعرفة المطلقة والجمال الذي لا يشيخ! أنت من استسلمت لقبلاتي وألزمت نفسك بعهدي!"

تلقى خع إم واست لهيبها الأسود بدرع من الطاقة الفيروزية شع من كف يسراه، ورَد بضربة سيف هائلة أحدثت موجة صدمية شقت أرضية المعبد الحجرية إلى نصفين، وصرخ متمرداً:

"كنتُ مخدوعاً بستائر سحركِ وزيف وعودكِ... أما اليوم... وبدموع زوجتي ونور ابني... أنا حــــــــر!"

وصلت المعركة إلى ذروة مرعبة من الألم والجهد الإلهي. كان خع إم واست يستنزف كل قطرة طاقة بقيت له من علوم "كتاب تحوت" المقدس. ومع كل ضربة سيف، كان يشعر بالخيوط السوداء والروابط الروحية اللعينة التي كانت لا تزال تمتد من قلب تابوبو لتحاول الالتصاق به مجدداً، وهي تنقطع وتتطاير كأشلاء منسوجة من الكوابيس.

كانت ذكرياته الحقيقية تعود لتشحن سيفه بنور متجدد مع كل ومضة: ليلة الزفاف، صرخة الابن، حضن رمسيس العائد من الموت، وضحكة تفنوت في حديقة اللوتس. كل ومضة ذكرى كانت بمثابة وقود مقدس يغذي النار الفيروزية، وكل ذكرى كانت بمثابة شمس تحرق وتذيب مساحات الظلمة داخل المعبد.

استشاطت "تابوبو" غضباً بعد أن رأت حصونها تتهاوى. تخلت عن مظهرها الأنثوي الفاتن، وتحولت بالكامل إلى ظل عملاق، وحش هلامي أسود يمتد ليمر عبر جدران وسقف المحراب. انطلقت من هذا الظل عشرات الأيدي السوداء الطويلة، ذات الأظافر الحادة، محاولة خنقه، ومحاولة الوصول إلى "تفنوت" و"سى اوزير" لتمزيقهم أمامه كأخر ورقة ضغط.

لكن الأمير كان قد تحول إلى إعصار من النور لا يمكن إيقافه. كان يقف كالطود العظيم أمام عائلته، يقطع الأيدي الظلامية سيفاً تلو سيف، ويصرخ بأعلى صوته الذي تضخم كأنه صوت ملوك مصر الراحلين جميعاً يتحدثون من حنجرته:

"لن أدعكِ تؤذين عائلتي مرة أخرى! لن أدعكِ تدنسين أرض مصر بظلالكِ العفنة ما دام في صدري عرق ينبض!"

وفي لحظة تاريخية خاطفة، لحظة تلاقت فيها الإرادة البشرية مع الفرصة السانحة، جمع خع إم واست كل ما يملك من قوة روحه وجسده، وقفز في الهواء قفزة أسطورية نحو قلب الظل العملاق. اخترق دفاعات السحر الأسود المتساقطة كالمطر، ووجه طعنة نافذة بكلتا يديه بسيفه الأثيري الفيروزي، ليغرز النصل في كتف وصدر التجسد المادي لـ "تابوبو".

انطلق من جوف الساحرة عويل مرعب صم الآذان، عويل شق جدران المعبد وتسبب في انهيار بعض الأعمدة الجانبية. تراجعت إلى الوراء وهي تتخبط، وجسدها يعود لشيرته البشرية مستندة إلى حائط المعبد، بينما كان يسيل من جرحها دم أسود غريب، لزوجته تحرق الأرض الحجرية حيثما سقطت.

كانت المعركة لا تزال في أوج غبارها، والأنقاض تتساقط، لكن الميزان كان قد حُسم. النور الفيروزي والذهبي كان يتصاعد من جسد الأمير ومن أركان المحراب كأمواج طوفان جارف، بينما كان الظلام يتراجع، ينكمش، وينسحب رويداً رويداً إلى الزوايا الضيقة والظلال الشاحبة كأنه وحش يحتضر.

على الأرض، وبدعم خفي من بقايا البركة الذهبية للإلهة حتحور، كانت الأميرة "تفنوت" تبدأ في فتح عينيها ببطء شديد. التفتت برأسها المثقل، لتجد زوجها واقفاً كالبطل الأسطوري في الأساطير القديمة، يحيطه الضياء الفيروزي من كل جانب، وسيفه يقطر من دماء الظلام. نظرت إليه، ورغم التعب والألم، التمعت عيناها بأمل جديد، أمل أعلن صراحة أن ليل السنة العجفاء قد انقشع، وأن الفجر قد بزغ أخيراً على ضفاف روحهما المنهكة.

كانت المعركة تلملم فصولها في ذروتها الدرامية الكبرى... والنور، بكل ما أوتي من قوة الحق والذكرى، كان يعلن انتصاره الساحق على الظلام في قلب معبد بو باستيس العتيق.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status