LOGINفي اليوم التالي، استيقظت أريام باكرًا، واستعدت للذهاب إلى الجامعة. كان الصباح هادئًا، والمدينة بدأت تستعيد ضجيجها المعتاد مع حركة السيارات والطلاب والموظفين. أوصلها جلال إلى الجامعة كعادته، وتبادلا كلمات قليلة قبل أن تنزل من السيارة. راقبها جلال للحظات وهي تبتعد باتجاه بوابة الجامعة، ثم انطلق بسيارته متوجهًا إلى الشركة. لم يكن لدى أريام في ذلك اليوم سوى محاضرتين، لذلك انتهت منهما في وقت مبكر. وبعد أن خرجت من القاعة، وقفت مع صديقاتها لبعض الوقت، ثم اتجهن نحو النادي الطلابي. كانت تتحدث معهن وتضحك على شيء قالته إحدى صديقاتها، حين اهتز هاتفها في يدها. نظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم المتصل حتى ارتسمت ابتسامة عفوية على وجهها. كان بسام. أجابت فورًا. "مرحبًا، أخي." جاءها صوته من الطرف الآخر بنبرة دافئة: "مرحبًا أريام، هل انتهيتِ من محاضراتك؟ أنا أنتظركِ في موقف السيارات." توقفت عن المشي فجأة. "ماذا؟ كيف عرفت أنني انتهيت؟" ضحك بسام. "وهل نسيتِ أنني أعرف جدولك؟ تعالي." هزت رأسها وهي تبتسم، رغم أنه لا يستطيع رؤيتها. "حسنًا، سأأتي." أنهت المكالمة، ثم التفتت إلى صديقاتها. "سأذهب
ضحك. "كنت مؤدبًا قبل أن أعرفك." احمر وجهها رغماً عنها. لاحظ ذلك فورًا. وكانت تلك المشكلة الأخرى. جلال يلاحظ كل شيء. لاحظ احمرار وجهها. لاحظ ارتباكها. لاحظ صمتها. وهي لم تكن تريد أن يلاحظ أيًا منها. ضحك بهدوء. نظرت إليه بضيق. "لا تضحك." حاول كتم ضحكته بأبتسامه: "أنا لا أضحك." اشتعلت وجنتاها أكثر. كرهت أنه يستطيع استفزازها بهذه السهولة. وقبل أن تتمكن من الرد، اقترب منها مرة أخرى وقبّلها. أطال القبلة هذه المرة، ولم تكن لديها القوة لدفعه بعيدًا. شعرت بيده تتحرك من خلف رقبتها إلى خدها، ثم تتوقف عند ذقنها، وترفع وجهها برفق ليواجهها. كانت شفتاه دافئتين، ناعمتين، وكأنها كانت تذوب مع كل ثانية تمر. لم تستطع أن تفكر. كل ما استطاعت فعله هو الشعور. لم تشعر بأن قلبها اختار جلال. كان الأمر أقرب إلى استسلام للحظة، إلى قرب أصبح مألوفًا أكثر مما تريد الاعتراف به. ابتعد عنها حين شعر بأن أنفاسها تضيق،لكنه ظل قريبًا بدرجة كافية لتشعر بأنفاسه على وجهها. لم تنظر في وجهه بل دفنت وجهها في صدره حتى لا يرى وجهها. قالت بصوت مكتوم: "لا تفكر في تقبيلي ثانية." ضحك.
شهقت أريام من المفاجأة، وما إن حاولت ابتلاع الطعام حتى دخلت في نوبة سعال. "أريام!" تحرك جلال فورًا. وضع يده على ظهرها وراح يربت عليه بخفة، بينما مد فارس يده بسرعة وناولها كوب الماء. أخذته أريام وشربت منه عدة رشفات حتى هدأ سعالها. قال جلال بقلق: "بهدوء." ثم رفع عينيه نحو والدته. "أمي." نظرت إليه فاديا. قال بجدية: "لم يمضِ على زواجنا سوى أقل من شهر. هذا الحديث سابق لأوانه." ساد الصمت للحظة. ابتسمت فاديا وقالت: "أنا لم أقل شيئًا، كنت أنصحها فقط بالاهتمام بنفسها." ثم أضافت: "لا تحوّل كل كلمة إلى شيء آخر." رد جلال بلا تردد: " انصحيني أنا، أنا أهتم بها، فلا تقلقي." اتسعت عينا أريام. التفتت إليه بسرعة، ثم أمسكت بطرف كم قميصه تحت الطاولة، محاولةً إسكاته. كانت تشعر بإحراج شديد. اشتعلت وجنتاها بالحمرة، حتى إن أذنيها احمرتا أيضًا. خفضت رأسها، متمنية لو أن الأرض انشقت وابتلعتها. كان فارس يراقبها. وللمرة الأولى منذ بداية العشاء، لم يستطع منع نفسه من التأمل في ملامحها. كانت خجولة بصورة مختلفة عن المعتاد، ووجهها المحمر جعلها تبدو أكثر رقة. أعجبه
سارت اريام إلى جانب لمى في أحد الممرات الواسعة للقصر. كانت لمى تتقدمها بخطوات هادئة، بينما راحت أريام تتلفت حولها بفضول واضح. كانت هذه زيارتها الأولى للقصر منذ زواجها بجلال، ورغم أنها رأت أجزاءً منه في زيارات سابقة، إلا أن المكان بدا لها مختلفًا كلما دخلت جناحًا أو ممرًا جديدًا. كانت جدران القصر تحمل لوحات قديمة لعائلة شاهين، وإلى جانبها صور عائلية مؤطرة بإطارات ذهبية، بينما انتشرت الطاولات الصغيرة والتحف الأثرية في الزوايا. أما الأرضية الرخامية فكانت تعكس ضوء الثريات الكبيرة المعلقة في السقف. قالت لمى وهي تشير إلى أحد الممرات: "تعالي، سأريك شيئًا." نظرت إليها أريام باستغراب. "إلى أين؟" ابتسمت لمى ابتسامة صغيرة وقالت: "غرفة جلال القديمة." توقفت أريام للحظة. "غرفته؟" ضحكت لمى. "نعم... غرفته قبل الزواج." زاد فضول أريام، فتتبعتها دون اعتراض. وصلتا إلى باب خشبي كبير في نهاية الممر. وضعت لمى يدها على المقبض ثم فتحته بهدوء. دخلت أريام خلفها. كانت الغرفة واسعة، لكنها مختلفة تمامًا عن الجناح الذي يعيش فيه جلال الآن. الأثاث كان يحمل طابعًا أكثر بساطة، والألوان داكنة وهادئة، وعل
كانت الساعة قد تجاوزت السادسة بقليل حين توقفت سيارة جلال أمام قصر آل شاهين. انطفأ المحرك، وساد الصمت للحظات قبل أن يفتح جلال الباب وينزل. التفت إلى الجهة الأخرى، وما إن ترجلت أريام حتى مد يده إليها دون تردد. وضعت يدها في يده، فشبك أصابعه بأصابعها، وسارا معًا نحو القصر. كان المساء قد بدأ يفرض هدوءه على المكان، والحديقة المحيطة بالقصر تلمع تحت أضواء صغيرة موزعة بعناية بين الأشجار. وعلى الطرف الآخر، كان عدد من الخدم يتحركون بانشغال حول طاولة طويلة أُعدت لاستقبال أفراد العائلة، يضعون الأطباق ويرتبون المقاعد ويشعلون المصابيح الصغيرة الممتدة فوقها. كل شيء كان يوحي بأن الليلة لن تكون عائلية هادئة كما ظنت أريام. وما إن دخلا إلى غرفة الاستقبال الواسعة حتى أدركت السبب. كانت العائلة مجتمعة. والد جلال، بشير، كان يجلس إلى جانب أعمامه الثلاثة الباقين، بينما انتشر أبناء الأعمام وزوجاتهم في أرجاء الغرفة. كان هناك أيضًا عدد قليل من الأطفال الذين كانوا يتنقلون بين المقاعد، يملؤون المكان بحركة وضجيج خفيف. توقفت أريام للحظة وهي تتأمل العدد الكبير من الأشخاص. لم تكن قد رأت معظمهم من قبل.
كان جلال هو من اختار لها ذلك الفستان البني.ومنذ أن وقعت عيناه عليها به، أدرك أنه اتخذ القرار الصحيح... ثم ندم عليه في اللحظة نفسها.اقترب منها وقبّل شفتيها قبلة هادئة وحنونة وبطيئه. جلسا لبعض الوقت يتبادلان القبل، حتى ارتبكت أنفاسها قليلًا.ثم ابتعد عنها جلال واتجه إلى مكتبه ليكمل عمله.جلس خلف المكتب، فتح حاسوبه وبعض الملفات أمامه، لكنه لم يستطع التركيز مباشرة.رفع عينيه إليها.كانت تمسك المرآة الصغيره، تعدل أحمر شفاهها الذي اختفى جزء منه بسبب قبلاتهما.ابتسم دون أن يشعر.كانت تفعل ذلك بعناية وكأنها لم تلاحظ أنه يراقبها، بينما هو كان يجد في أبسط تفاصيلها شيئًا يستحق التأمل.التفتت إليه فجأة، والتقت عيناه بعينيها.قالت:"هل تريد مساعدة؟"رفع حاجبه قليلًا."وكيف يمكنك مساعدتي؟"ابتسمت بثقة، ثم قالت:"أنا أفهم في بعض الأمور... كنت أساعد بسام عندما يعمل لوقت طويل."أشارة إلى الكرسي المقابل لمكتبه.جلست أمامه، ومدت يدها.نظر إلى يدها، ثم دفع نحوها مجموعة من الملفات.قال بنبرة تحمل شيئًا من التحدي:"أريد أن أرى كيف ستساعدينني."أمسكت الملفات بثقة وقالت:"أكمل عملك ريثما أراجع هذه."عاد ج







