LOGINظلت مريام مسمرة أمام النافذة، تتنفس بصعوبة وهي تعيد قراءة السطر الأحمر على الشاشة: *"أنا أعرف من قتل والديكِ..."*
— "شاهين!" صرخت مريام بنبرة هزت أرجاء المكتب، وعيناها الرماديتان تتوهجان بغضب مرعب. انفتح الباب فوراً ودخل شاهين بملامحه الجادة: — "أوامركِ يا آنسة مريام؟" التفتت إليه والشرار يتطاير من عينيها: — "هذا الفتى... جوزيف! أين هو الآن؟!" — "كما أمرتِ تماماً. أُغلقت حساباته البنكية، وطُردت أخته يارا من المستشفى، والشرطة تحاصر الحي." رفعت مريام هاتفها في وجهه وصاحته: — "لا أريد شرطة! لا أريده في السجن! أحضره إلى هنا فوراً... سديداً أو حياً، أريده تحت قدمي خلال نصف ساعة!" — "علم ويُنفّذ فوراً." تحت المطر الغزير في الزقاق المظلم... كان جوزيف يجثو على الأسفلت المبتل، يضم أخته المرتجفة يارا التي تصارع من أجل الهواء. — "جـ... جوزيف... البرد... لا أستطيع التنفس..." — "يارا! أرجوكِ فتحي عينيكِ... تمسكي بي!" توقفت سيارتان سوداوان بدوي مرعب أمام الرصيف مباشرة. هبط شاهين ومعه الحراس، ووقف فوق رأس جوزيف كالجدار الأسود، ممسكاً بملف أسود وقلم. — "الشرطة على بعد دقيقة واحدة يا جوزيف... وأختك تلفظ أنفاسها الأخيرة." انتفض جوزيف صارخاً بوجهه وسط زخات المطر: — "أنت وحش! أهذه أوامر سيدتك السادية مريام الفارس؟!" ابتسم شاهين ببرود، وأشار إلى الملف: — "الآنسة مريام لا تتفاوض. توقّع الآن على عقد التنازل المطلق والعمل تحت إقامتها الجبرية... أو تترك أختك تموت هنا وتذهب أنت للسجن." — "هذا ليس عقد عمل... هذا بيع للبشر!" — "بقي ثلاثون ثانية... اختر يا صاحب المبادئ الشريفة!" شهقت يارا شهقة مكسورة بين يديه: "جوزيف... نـ... نجدني..." صزّ جوزيف على أسنانه حتى كادت تتكسر، والتقط القلم بيد ترتجف بالغل، ووقع اسمه بعنف: — "وقّعت! أنقذ أختي فوراً يا خادم الشيطان!" لوّح شاهين بيده نحو سيارة الإسعاف: "نقلو الفتاة للمستشفى الملكي فوراً." ثم التفت لجوزيف ودق كتفه بقسوة: "أما أنت... فسيدتك تنظرك بشغف." داخل القصر... كانت مريام تقف ببدلتها الفاخرة، تدور في القاعة كالنمر المحبوس. انفتح الباب، ودخل جوزيف مبللاً بقطرات المطر، وعيناه تشتعلان بكره لم تره مريام من قبل. اقتربت منه خطوات حادة، ورفعت هاتفها أمام وجهه، وقالت بصوت كالجمر: — "الرسالة الشفرية يا جوزيف! من أين عرفت سر حادث والدتي ووالدي؟! من أرسلك إليّ؟!" رد جوزيف بنبرة خفيضة كالسم، ورأسه مرفوع بكبرياء: — "أوه... هل تهتز إمبراطورية مريام الفارس بسبب رسالة؟ أين كبرياؤكِ وساديتكِ الآن؟" ضغطت مريام بأظافرها الحمراء على فكه بقسوة: — "لا تلعب معي! أنت مجرد عبد وقع على عقد عبودية باسمي قبل قليل... أنطق قبل أن أدفنك في هذا القصر!" سحب جوزيف رأسه بحدة من يدها، واقترب من أذنها بابتسامة غامضة أزالت كل أثر للهزيمة عن وجهه: — "أنا لم أختلق تلك الرسالة يا سيدة الموت... أنا اختلقت الشفرة لأنني فككت السيرفر المظلم لعائلتكِ. وأملك الدليل الرقمي كاملاً الذي يثبت أن عمكِ فريد وزوجته كاميليا هما من دبرا حادث السيارة وقتلا والديكِ!" تجمّدت مريام في مكانها، وشحب وجهها الناصع البياض كالموتى: — "عمي... فريد؟!" ابتسم جوزيف بثبات مرعب، واقترب خطوات إضافية يفرض بها وجوده: — "نعم... والملف المشفر الوحيد الذي يحوي تسجيلات المحادثات وتحويلات الأوراق المالية موجود في رأسي وعلى حاسوبي المشفّر... ولا أحد في هذا العالم يستطيع فكه غيري." اتسعت عينا مريام بصدمة قاتلة، بينما واصل جوزيف بنبرة تحدٍّ قاطعة: — "والآن يا مريام... هل ستعاملينني كعبد ومساعد مقيد... أم ستترجيني كي أمنحكِ ثأر والديكِ؟"كانت جدران المكتب الشاسع تشهد على صمت ثقيل يكاد يخنق الأنفاس. لم تكن الصدمة مجرد كلمات أُلقيت في الهواء، بل كانت زلزالاً هدم كل الثوابت التي بناها جوزيف طوال حياته. سر والديه اللذين عاش يظن أنهما مجرد ضحيتين بسيطتين، اتضح أنه جزء من شبكة شائكة من الخداع والأطماع. وقف جوزيف أمام النافذة الزجاجية المطلة على المدينة، يطالع انعكاس وجهه الخالي من أي تعبير. كانت شاشة حاسوبه المحمول لا تزال تعرض ملفات التشفير التي فكها للتو، لكن عقله لم يعد يستوعب المزيد من الأرقام. اقتربت مريام منه بخطوات بطيئة، ولأول مرة في حياتها لم تكن تشعر بتلك القوة المطلقة التي اعتادت أن ترتديها كدرع. رفعت يدها لتربت على كتفه، لكنها ترددت وأسقطتها بجانبها وهي تقول بنبرة خافتة: * جوزيف... أعلم أن الأمر أكبر من أن يُحتمل، لكننا سنواجه هذا معاً. التفت إليها جوزيف. لم تكن في عينيه حدة الحلفاء ولا دفء الأصدقاء، بل فقط تعب إنسان أُنهك من كثرة الأقنعة. رد بصوت خفيض وخالٍ من أي انفعال: * لا يا مريام. ليس هذه المرة. ما سمعته اليوم ثقيل جداً... ثقيل لدرجة أنني لا أستطيع الوقوف بجانبك وكأن شيئاً لم يكن. انقبض قلب مريام،
صَدَحَ صَرِيرُ إِطَارَاتِ السَّيَّارَةِ عَلَى الحَصَى أَمَامَ بَوَّابَةِ القَصْرِ الجَبَلِيِّ. دَفَعَتْ مريام البَابَ بَحِدَّةٍ، ونَزَلَتْ تَمْشِي بِخُطُوَاتٍ مُتَسَارِعَةٍ يَمْلَؤُهَا الغَضَبُ والذَّهُول. انْتَثَرَ شَعْرُهَا الأَحْمَرُ النَّارِيُّ عَلَى كَتِفَيْهَا مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ تَقْطَعُ بِهَا المَمَرَّ المَرْمَرِيَّ الطَّوِيل. لَمْ تَنْتَظِرْ إِذْناً، ولَمْ تَقْرَعْ البَاب. دَفَعَتْ بَابَ مَكْتَبِ الجَدِّ بِكِلْتَا يَدَيْهَا، فِانْفَتَحَ بِمِصْرَاعَيْهِ وأَصْدَرَ صَوْتاً جَهْوَريّاً ارْتَدَّ فِي أَرْجَاءِ القَاعَةِ المُظْلِمَة. تَجَمَّدَتْ مريام فِي مَكَانِهَا. اتَّسَعَتْ عَيْنَاهَا الكَحِيلَتَانِ بِصَدْمَةٍ زَلْزَلَتْ كِيَانَهَا. كَانَ الجد سليمان يَقِفُ عِنْدَ النَّافِذَةِ الزُّجَاجِيَّةِ الضَّخْمَة. لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْقِياً عَلَى الفِرَاشِ، ولَمْ يَكُنْ جَالِساً عَلَى الكُرْسِيِّ المُتَحَرِّكِ الَّذِي رَأَتْهُ عَلَيْهِ لِسَنَوَات. كَانَ يَقِفُ مُنْتَصِباً عَلَى قَدَمَيْهِ بِكَامِلِ صِحَّتِهِ وسَدَادِ قَامَتِهِ، يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَلَفّاً أَبْيَضَ ويَقْرَأُ ف
أَوْقَفَ جوزيف السيارة في العتمة، وأَطْفَأَ المحرك، فَسَادَ داخل المقصورة صمتٌ ثقيل. جَلَسَت مريام في مقعدها، وأَسْنَدَت ظهرها إلى الجلد الفاخر، فيما انْتَثَرَ شعرُها الأحمر الناري كالشعلة على كتفيها. نَظَرَت إلى الفراغ بذهول، وأَطْلَقَت تنهيدة مكسورة من أثر الصدمة. خَلَعَ جوزيف قفازه الجلدي الأسود، ورَفَعَ يده الكبيرة، ثُمَّ وَضَعَ أصابعه الدافئة تحت ذقنها، ورَفَعَ وجهها ببطء حتى أَلْتَقَت عينَاها الكحيلتان بعينيه. — "انْتَهَى العالم بالخارج يا مريام... اسْكُنِي معي هنا في هذه اللحظة، ولا تفكري في أحد سواكِ وسواي." تَنَاسَلَت دمعة حارة على خدها، فَمَسَحَهَا جوزيف بإبهامه. أَمَالَت مريام رأسها، واسْتَنَدَت بوجنتها على كفه العريض. — "جوزيف... جدي الذي كُنْتُ أراه الأب والراعي، رَآنِي مجرد أحذقة في رقعة شطرنج! تَجَرَّدَ من عطفه ومَشَى على قدميه ليتركنا ندخل المحرقة! أُحِسُّ ببرودة تطوق روحي... أُحِسُّ بأن العالم كله يرتدي الأقنعة." فَتَحَ جوزيف باب السيارة، وسَحَبَ مريام بلطف لتخرج معه إلى الهواء الجبلي. ضَمَّهَا إلى صدره من الخلف، وأَحَاطَ خصرها بساعديه الصلبين، ثُمَّ دَفَنَ وجه
انْطَلَقَت السيارات السوداء المصفحة تَقْطَعُ عتمة الطريق الساحلي نحو المرفأ الرقمي رقم 9. خَيَّمَ الصمت داخل المقصورة الخلفية، وامتزجت رائحة المطر بالعبق الفاخر لثوب مريام الأسود. انْحَنَى جوزيف نحوها، أَمْسَكَ بكفها الناعم وضَغَطَ عليه بصلابة أعادت إليها الدفء، فيما اسْتَقَرَّ الخاتم الأسود ذو الحجر البركاني في إبهامه، يَعْكِسُ هيبة السلالة الخفية التي ارْتَدَاهَا الليلة لحمايتها. في هذه الأثناء، وفي قلب القصر الجبلي المحاط بأشجار السرو، تَسَلَّلَت يارا، الشقيقة الصغرى لمريام، بخطوات خفيفة عبر الممر الخلفي المؤدي إلى جناح الجد. اسْتَبَدَّ بها الخوف والقلق على جدها بعد اقتحام الحراس للمكتب، لَكِنَّ خطواها تَسَمَّرَت فجأة قرب النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة الداخلية! اتَّسَعَت عينا يارا بصدمة أَلْجَمَت لسانها! في القاعة السفلية المظلمة، يَقِفُ الجد سليمان على قدميه بثبات تام! أَلْقَى عصاه الأبنوسية جانباً، ومَشَى بخطوات سريعة وواثقة دون أي أثر للعرج أو العجز الذي تصنّعه أمام العائلة لسنوات! فَتَحَ الجد خزنة سرية مخفية خلف اللوحة الزيتية، واسْتَخْرَجَ منها ملفاً جلدياً وحاسوباً
تَصَاعَدَ العَبِيرُ الدافئ للخشب المعتق داخل الغرفة السرية، امْتَزَجَ بأنفاسهما المتسارعة التي أَحْرَقَت المسافة الضيقة بينهما. سَكَنَ الصمتُ المصفح، ولم يَقْطَعْهُ سوى وجيب قلبيهما، ورذاذ المطر الذي انْهَمَرَ بالخارج يغسل آثار العاصفة التي ضَرَبَت القصر الجبلي. اسْتَرَاحَت جبهة جوزيف على جبهة مريام، وتَطَوَّقَت يداه الثقيلتان خصرها بثبات حماها من انهيار العالم الخارجي. نَظَرَت مريام في عمق عينيه النفاذتين، بَحَثَت فيهما عن بقايا الحارس الشريف الذي عرفته، فَوَجَدَت أمامه رجلاً حَمَلَ هيبة الأسياد وعشقاً طَغَى على كل حظر. لَمَسَت مريام صدره ببراجمها المرتجفة، وهَمَسَت بنبرة يَمْتَزِجُ فيها الخوف الشديد بالشغف: — "التنين الأسود... كيف عَاشَ هذا السر في دمك كل هذه السنوات دون أن أَلْمَحَهُ في عينيك؟ كيف وَقَفْتَ حارساً لعرشي وأنت تَمْلِكُ عرشاً مظلماً يَخْشَاهُ الجميع؟" انْحَنَى جوزيف قليلاً، طَبَعَ قبلة دافئة على خط عنقها، نَفَضَت رعدة سرت في جسدها بالكامل، ثم رَفَعَ وجهها بأصابعه القوية ليلتقي بصرياً معها: — "لأن عرش آل الفارس لم يَعْنِنِي يا مريام... ولا القوة التي يمارسها ه
تسقط قطرات المطر الخفيفة على زجاج السيارة السوداء كدموع باردة تتراقص في الصباح الباكر. يسود بين جوزيف ومريام صمتٌ مشحون بعد خروجهما السريع من "بيت البحيرة"؛ صمتٌ ليس جفاءً، بل استراحة محاربين بين ليلة عشق دافئة وواقع يغلي بالأخطار. تحكم يد جوزيف اليسرى القبض على يد مريام الناعمة فوق المقعد، تعتصرها بصلابة وحنان حارق كلما زاد من سرعة المحرك، بينما تتسمر يده الأخرى على عجلة القيادة وتفحص عيناه الحادتان المنعطفات الجبلية المحاطة بالضباب. تلتفت مريام إليه، وتتأمل ملامحه الرجولية المصنوعة من صخر؛ فكه منقبض وعروق ذراعه القوية بارزة تحت طيات قميصه الخفيف. تهمس مريام بصوت دافئ يقطر حبًا وقلقًا: — "جوزيف... أنت تخفي عني شيئاً منذ أن تلقيت إشارة اللاسلكي. ماذا يقول لك شاهين بالضبط؟" لا يلتفت جوزيف بخصره، لكنه يشد على كفها أكثر، وتنخفض نبرته الرخيمة لتصل أذنها كفحاح دافئ ومطمئن: — "لا تخافي من شيء وأنا بجانبكِ يا مريام. هناك خيوط تحاول التشابك مجدداً في القصر... لكنني أقسمت لكِ أن زمن خوفكِ قد انتهى. ثقي بي فقط." تنظر مريام إلى كفه المحيط بيدها، وتبرز ابتسامة بقلب مطمئن رغم الغموض:







