Se connecterالتفتت الرؤوس جميعها نحو مصدر الصوت.
كان آدم. ابن لارا، الصغير ذو الستة أعوام يركض بحقيبته المدرسية الصغيرة، بعدما أفلت يد السائق الذي اصطحبه من المدرسة. تجاوز موظفي الاستقبال بسرعة، حتى وصل إلى نوح، ثم اندفع نحوه بكل عفوية. التقطه نوح بين ذراعيه بسهولة، وكأن هذا المشهد يتكرر بينهما كل يوم. وفي اللحظة التي ارتسمت فيها تلك الابتسامة الدافئة على وجهه... شعرت تالين أنها ترى رجلًا لم تعرفه من قبل، ابتسامة غيّرت ملامحه بالكامل. ابتسامة لم ترها هي طوال ثلاث سنوات. ضحك بخفة وهو يربت على ظهر الصغير. - تمهل يا بطل... كدت تصطدم بي. قهقه آدم بصوت مرتفع، ثم أحاط عنقه بذراعيه. - اشتقت إليك. نظر إليه نوح بعينين امتلأتا باللين. - وأنا أيضًا. اقتربت لارا بخطوات سريعة، وقد ارتسم على وجهها شيء من العتاب اللطيف. - آدم... كم مرة أخبرتك ألا تركض داخل الشركة؟ خفض الصغير رأسه قليلًا، ثم عاد ينظر إلى نوح بعينين لامعتين. - لكنني اشتقت إليه. ابتسم نوح ابتسامة هادئة، وربت على ظهره برفق. - لا بأس... هذه المرة فقط. اعتدل آدم في وقفته داخل ذراعيه، ثم فتح حقيبته المدرسية بحماس، وأخرج لوحة صغيرة مرسومة بالألوان. - انظر... رسمتها اليوم. أخذها نوح منه باهتمام حقيقي، وأطال النظر إليها للحظات، وكأنه لا يرى مجرد خطوطٍ وألوان، بل يرى الجهد الذي بذله الطفل ليحظى بكلمة استحسان منه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا. - جميلة جدًا. اتسعت عينا آدم بلهفة. - حقًا؟ أومأ نوح. - بل أجمل مما توقعت. انتقلت عيناه إلى أحد المهندسين المارين بجوارهما. - ما رأيك؟ يبدو أن لدينا مهندسًا صغيرًا في المستقبل. ضحك الرجل مجاملة، بينما انتفخ صدر آدم فخرًا. في تلك اللحظة... شعرت تالين بشيءٍ ينسحب من داخلها ببطء. لم تكن تنظر إلى اللوحة... ولا إلى الطفل... بل إلى الرجل الذي يقف أمامها. كم مرة عادت إلى المنزل تحمل مجسمًا صمّمته بيديها؟ كم مرة حصلت على إشادة من كبار المعماريين؟ كم مرة انتظرته ليشاهد مشروعًا كانت فخورة به؟ لكنه... لم يسأل، ولم يطلب أن يرى شيئًا. وكأن عالمها كله كان يمر بجواره دون أن يلتفت إليه. اقترب آدم أكثر من نوح، وهمس له بشيءٍ لم تسمعه تالين، فضحك الأخير ضحكة خافتة لم تعهدها منه. تبادل الموظفون النظرات والابتسامات، فهذا المشهد لم يكن جديدًا عليهم. لقد اعتادوا رؤية آدم يزور الشركة بعد انتهاء دوامه المدرسي الفترة الأخيرة، واعتادوا أكثر أن يبحث بعينيه عن نوح قبل أي شخص آخر. أما لارا... فوقفت إلى جوارهما، تراقبهما بابتسامة هادئة، وكأنهما يشكلان لوحة مكتملة لا ينقصها شيء. ساد صمت قصير، ثم رفع آدم رأسه فجأة، وقال بعفوية الأطفال: - ماما... التفتت لارا إليه. ابتسم الصغير، ثم عاد ينظر إلى نوح، وقال ببراءة كاملة: - أتمنى لو كنت أبي الحقيقي. ساد الصمت، توقفت الأصوات من حولهم، وكأن الممر كله احتبس أنفاسه للحظة. رفعت تالين عينيها إلى نوح... وانتظرت، انتظرت أن يبتعد خطوة، أن يصحح للطفل، أن يضع الحد الفاصل الذي يحفظ للجميع أماكنهم. لكن نوح اكتفى بابتسامة صغيرة، ومسح على شعر آدم بحنان. - لا تقل هذا أمام الناس يا بطل. لم يحمل صوته رفضًا... ولم يحمل قبولًا، ترك الجملة معلقة بين الاحتمالين. أما لارا... فأطرقت برأسها في خجل بدا مثاليًا أكثر مما ينبغي، قبل أن ترفع عينيها إليه بابتسامة خاطفة سرعان ما أخفتها. كانت لحظة قصيرة... لكنها كانت كافية. خفضت تالين بصرها إلى الملف الذي بين يديها، شدت عليه حتى ابيضت أطراف أصابعها. وللمرة الأولى منذ سنوات... لم تشعر بالغيرة. بل شعرت بهدوءٍ بارد، هدوء امرأة أدركت أن ما كانت تتمسك به قد أفلت من بين يديها منذ زمن، وأنها وحدها كانت ترفض الاعتراف بذلك. استدارت دون أن تنطق بكلمة. لم تستأذن، ولم تلتفت خلفها. هذه المرة... لم تكن تهرب من مشهد يؤلمها. بل كانت تبتعد عن حياةٍ استنفدت كل ما فيها من محاولات. بعد ساعة... توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة قصر آل السيوفي. ترجلت تالين في هدوء، ثم رفعت بصرها نحو القصر الممتد أمامها. كم بدا ضخمًا... وكم بدا غريبًا. قبل ثلاث سنوات، عبرت هذه البوابة بقلبٍ ممتلئ بالأمل، تحمل بين يديها حقيبة صغيرة، وتصدق أن الزواج بداية حياة جديدة. أما اليوم... فلم تكن تحمل سوى ملفٍ رقيق، وقلبٍ أثقلته سنوات كاملة من الانتظار. تقدمت بخطوات ثابتة، حتى فتحت لها الخادمة الباب. - أهلًا يا هانم. بادلتها تالين ابتسامة خافتة. - السلام عليكم. - وعليكم السلام... الحاجة سلوى في جناحها، سأبلغها بوصولك. هزت تالين رأسها برفق. - لا داعي... سأذهب إليها بنفسي. صعدت الدرج ببطء، كانت تحفظ تفاصيل هذا القصر عن ظهر قلب. اللوحات المعلقة على الجدران... المزهرية الكبيرة عند أول الممر... حتى رائحة المكان لم تتغير. لكنها هي... لم تعد المرأة التي دخلته يومًا. توقفت أمام باب جناح الحاجة سلوى، ثم طرقت الباب طرقات خفيفة. جاءها صوت العجوز من الداخل. - ادخلي يا ابنتي. دفعت الباب برفق. كانت الحاجة سلوى تجلس إلى جوار النافذة، وبين يديها مصحفها الشريف. رفعت رأسها فور أن رأت تالين، ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة. - تعالي يا ابنتي. اقتربت تالين، وانحنت تقبل يدها كما اعتادت دائمًا. وضعت الحاجة سلوى يدها على رأسها بحنان. لكنها ما لبثت أن عقدت حاجبيها، شيء ما في وجه تالين لم يكن مطمئنًا. شحوبها... وسكونها... وذلك الهدوء الذي يشبه استسلام من انتهى من مقاومة طويلة. ربتت على يدها. - اجلسي. امتثلت تالين في صمت، ساد الهدوء داخل الغرفة. كانت الحاجة سلوى تنظر إليها بصبر، دون أن تستعجلها بكلمة. تعلم أن بعض الأحاديث تحتاج إلى وقت، وأن الضغط على صاحبها لا يزيده إلا صمتًا. طال الصمت... حتى قطعه صوت تالين الخافت. - جدتي... رفعت الحاجة سلوى عينيها إليها، ابتلعت تالين غصة استقرت في حلقها منذ ساعات. - هل تتذكرين يوم طلبتِ مني أن أمنح نوح فرصة؟ أومأت العجوز ببطء. - أتذكر. ابتسمت تالين ابتسامة باهتة. - فعلت. ساد الصمت من جديد، ثم تابعت بصوت ثابت، لكنه يحمل إرهاق سنوات كاملة. - لم أمنحه فرصة واحدة... بل ثلاث سنوات. التقطت أنفاسها ثم تابعت: -ثلاث سنوات وأنا أقول لنفسي إنه مشغول، وأنه قليل الكلام بطبعه، وأنه سيعتاد وجودي يومًا، وأنه سيفتح قلبه مع الوقت. خفضت رأسها قليلًا. - كنت أجد له عذرًا في كل مرة... حتى نفدت الأعذار. شعرت الحاجة سلوى بانقباض في صدرها، كانت تعرف حفيدها أكثر من أي أحد، وتعرف أيضًا أن صمته قد يهدم ما يعجز الصبر على بنائه. تنهدت وقالت بهدوء. - هل حدث شيء اليوم؟ أغمضت تالين عينيها للحظة، مرت أمامها صورة نوح وهو يضم آدم، وابتسامته التي لم ترها يومًا، ونظراته الدافئة التي طالما تمنت أن تكون من نصيبها. فتحت عينيها من جديد. - لا... ثم ابتسمت بمرارة. - الحقيقة... لم يحدث شيء جديد، كل ما في الأمر أنني أدركت أخيرًا أن ما كنت أنتظره... لن يأتي. لم تسألها الحاجة سلوى عن التفاصيل، لم تكن بحاجة إليها، فالدموع التي لم تنزل من عيني تالين كانت أبلغ من أي رواية. تنفست تالين بعمق، ثم رفعت رأسها بثبات. - لهذا جئت إليك أولًا. توقفت لحظة قصيرة، ثم قالت، وكل كلمة خرجت منها وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها. - أريد أن أنفصل عن نوح. أغلقت الحاجة سلوى عينيها ببطء، وانسابت من صدرها تنهيدة طويلة. لم يكن الخبر صادمًا... بل كان مؤلمًا. مؤلمًا لأنها كانت تخشى هذه اللحظة منذ اليوم الذي لاحظت فيه أن حفيدها يعامل زوجته بواجب، لا بمودة، وأن زواجه بها الذي كان شرطًا فرضته؛ إما أن يتزوج، أو يخسر الميراث وكل الامتيازات المالية التي تمنحها له العائلة لم يصلح شيئًا منا سعت له.. فتحت عينيها من جديد، ومدت يدها تمسك بكف تالين. - هل هذا قرارك الأخير؟ نظرت تالين إليها بثبات، ولأول مرة منذ سنوات.. لم يكن في عينيها انتظار، ولا رجاء، ولا أمل مؤجل. - نعم يا جدتي... هذه المرة، لن أتراجع.توقفت أنفاسها.شعرت بقلبها يخفق بقوة، وكأنها تستعد لمواجهة شيء لا تعرف إن كانت قادرة على احتماله.نظرت إلى تيم للحظة.أومأ لها مشجعًا.ثم تحركت نحو الباب بخطوات مرتجفة.كانت كل خطوة تقربها منه أكثر...لكنها تقربها أيضًا من الحقيقة التي كانت تخشاها منذ اللحظة التي دخل فيها غرفة العمليات.لأول مرة منذ خمس ساعات، ستراه.---داخل العناية المركزةما إن دخلت تالين إلى غرفة العناية المركزة، حتى شعرت بأن خطواتها أصبحت أثقل من أن تحملها.كان المكان هادئًا على نحو مخيف.صوت الأجهزة الطبية يملأ الغرفة بإيقاع منتظم، وشاشة المراقبة تعرض أرقامًا تتحرك باستمرار، بينما كان ضوء الأجهزة الخافت ينعكس على وجه نوح الشاحب.توقفت عند الباب للحظات.كان هو.لكن الرجل الذي أمامها لم يشبه نوح الذي تعرفه.لا تلك النظرة الحادة التي اعتادت مواجهتها.ولا ذلك الصوت البارد الذي كان قادرًا على إخفاء أي مشاعر خلف كلماته.كان مستلقيًا بلا حراك، وعيناه مغمضتان، ووجهه شاحبًا بصورة جعلت قلبها ينقبض.اقتربت منه ببطء.كل خطوة كانت تجعلها تشعر بثقل أكبر في صدرها.حتى وصلت إلى جوار سريره.نظرت إلى يده الموضوعة بجانب جسده، ثم ت
أخبرها الطبيب: — عندما ننقله إلى العناية المركزة، يمكنكِ رؤيته لفترة قصيرة، لكن لا تجهديه ولا تحاولي إيقاظه. أومأت بسرعة. — لن أفعل. ثم سكتت للحظات. بقيت الكلمات عالقة في ذهنها، بينما راحت عيناها تتنقلان بين الطبيب والباب المغلق المؤدي إلى العناية المركزة. كانت تعرف أن نوح لن يكون واعيًا عندما تراه، وربما لن يشعر بوجودها أصلًا، لكن مجرد فكرة أن يفتح عينيه في مكان غريب، وسط الأجهزة والأطباء، ولا يجد أحدًا يعرفه إلى جواره، كانت تؤلمها أكثر مما توقعت. وربما لأنها كانت تعرف جيدًا كيف يمكن للحظات الضعف أن تجعل الإنسان يحتاج إلى وجه مألوف، حتى لو لم يستطع الحديث معه. لذلك سألت بصوت خافت: — هل... سيبقى وحده؟ جاء صوت تيم هذه المرة، ثابتًا وحاسمًا، وكأنه أراد أن يقطع عنها ذلك الخوف قبل أن يكبر داخلها. — لن يكون وحده. نظر الطبيب إليهما، ثم أومأ مطمئنًا. — سأطلب من الممرضة إبلاغكم فور استقراره في العناية المركزة. ثم غادر الممر، تاركًا خلفه ثلاثة أشخاص يحاول كل منهم أن يستوعب ما سمعه. راقبت تالين الطبيب وهو يبتعد، حتى اختفى خلف الباب، ثم عادت بعينيها إلى باب العناية المركزة. كان ج
بعد دقائق قليلة، عاد الطبيب إلى الممر بعدما أنهى حديثه مع فريق العناية المركزة. كانت خطواته هادئة، لكنها لم تحمل تلك الطمأنينة التي كانت تالين تتشبث بها منذ خروجه الأول من غرفة العمليات.رفعت رأسها فور أن رأته.راقبت ملامحه باهتمام شديد، وكأنها تحاول أن تقرأ الإجابة قبل أن يصل إليها صوته.نهضت من مقعدها بسرعة، واتجهت نحوه، بينما بقيت جُمان وتيم خلفها يترقبان بصمت.كان قلبها يخفق بعنف.خمس ساعات من الانتظار جعلتها مستعدة لسماع أي شيء، حتى أسوأ الاحتمالات، فقط كي تتوقف تلك الدقائق القاسية من الانتظار.اقتربت منه تالين فورًا.— دكتور... أرجوك، أخبرني بالحقيقة كاملة. لا أريد أن تخفوا عني شيئًا.نظر إليها الطبيب لحظة، ثم أخذ نفسًا هادئًا قبل أن يجيب.— سأكون صريحًا معكِ. العملية انتهت، لكن حالة نوح لا تزال حرجة.تجمدت ملامحها، وكأن كلمة واحدة كانت كافية لإعادة الخوف إلى صدرها بعد أن بدأت تتنفس قليلًا.— حرجة؟أومأ الطبيب.— نعم. الرصاصة سببت نزيفًا داخليًا كبيرًا، وفقد خلال العملية كمية من الدم جعلت حالته أكثر تعقيدًا. تمكنا من السيطرة على النزيف وإصلاح الأضرار التي سببتها الإصابة، لكن جسد
توقفت تالين أمامه، ولم تستطع أن تمنع نفسها من التحديق في وجهه، وكأنها تحاول أن تقرأ منه الإجابة قبل أن تسمعها. كانت الدقائق التي قضتها أمام غرفة العمليات قد بدت لها كأنها ساعات طويلة، وكل ثانية مرت دون خبر عن نوح كانت تثقل صدرها أكثر.— كيف حاله؟ أهو بخير؟أومأ الطبيب بهدوء، وقد بدا عليه الإرهاق بعد الساعات الطويلة التي قضاها داخل غرفة العمليات.— نعم، لقد نجحت العملية، وهو الآن يتجهز لنقله إلى غرفة العناية المركزة.أغمضت تالين عينيها للحظة، وكأن جسدها كله تلقى أخيرًا الإذن بالتنفس، وانهمرت دمعة ساخنة على خدها.— الحمد لله...لكن ارتياحها لم يدم سوى لحظات.فتحت عينيها سريعًا، وعاد القلق يملأ ملامحها من جديد.— هل يمكنني رؤيته؟وقبل أن يجيب الطبيب، اقترب أحد أفراد الفريق الطبي منه، وبدأ يتحدث معه بشأن تجهيز نوح للنقل، مشيرًا إلى بعض الإجراءات التي كان عليهم إنهاؤها قبل إخراجه من غرفة العمليات.التفت الطبيب إليه، ثم عاد بنظره إلى تالين.— علينا أن نتابع نقله أولًا. يمكنكِ رؤيته بعد استقراره في العناية.أومأت تالين ببطء، لكنها لم تتحرك.بقيت واقفة أمام باب غرفة العمليات، تحدق فيه وكأنها
كانت خطواته سريعة، متعجلة، تتردد في الممر الهادئ.كان تيم قد عاد لتوه من خارج البلاد بعدما وصل إليه خبر الحادث.لم ينتظر حتى يستريح.لم يهتم بتغيير ملابسه أو حتى معرفة تفاصيل ما حدث قبل أن يصل إلى المستشفى.كل ما كان يريده هو أن يرى أخته بعينيه.كان وجهه صارمًا كعادته، لكن القلق كان واضحًا في عينيه.وبمجرد أن وقعت عيناه على تالين...تغيرت ملامحه.أسرع نحوها.— تالين!رفعت رأسها.وما إن رأته حتى انهار آخر جزء من تماسكها.اندفعت نحوه دون تفكير.ضمها تيم إلى صدره بقوة، وكأنه كان يحاول أن يمنحها الأمان الذي افتقدته طوال الساعات الماضية.— أنا هنا... اهدئي.بكت تالين بين ذراعيه.كانت تحاول التحدث، لكن صوتها خرج متقطعًا من شدة البكاء.— تيم... نوح...مرر يده على شعرها بحنان، رغم أن صوته ظل ثابتًا.— سيخرج منها.ابتعد عنها قليلًا، وأمسك كتفيها، ثم نظر إلى وجهها الشاحب.— أخبريني ماذا حدث؟مسحت تالين دموعها بصعوبة.كان من الواضح أنها لا تزال تحت تأثير الصدمة.— تامر...تغير وجه تيم فورًا.اختفت أي ملامح للهدوء من عينيه.— تامر؟أومأت تالين.— هو من فعل كل هذا.ثم بدأت تخبره بما حدث.عن المواج
توقفت تالين تمامًا. وكأن الكلمات لم تصل إلى أذنيها في البداية. حدقت فيه. لم تتحرك. لم تستطع حتى أن تلتقط أنفاسها. أنا أحبك. الكلمات التي انتظرتها طويلًا. الكلمات التي تخيلت سماعها منه مئات المرات. الكلمات التي كانت تتمنى أن يقولها لها في لحظة مختلفة... في حياة مختلفة... حين لم يكن جسده ينزف بين ذراعيها. ارتعشت شفتاها. وانهمرت دموعها أكثر. — نوح... خرج اسمه منها كأنها تتوسل إليه أن يبقى. اقتربت منه وهي تبكي، ثم وضعت يدها على وجهه. — لا... هزت رأسها. — لا تتحدث بهذه الطريقة. أغمض نوح عينيه للحظة، وكأن الألم أصبح أقوى من قدرته على الاحتمال. ارتعبت تالين. — لا! افتح عينيك! هزته برفق، ثم أمسكت بيده بكلتا يديها. — نوح، انظر إليّ! فتح عينيه بصعوبة. تنفست تالين براحة ممزوجة بالبكاء. — لا تقل شيئًا آخر... فقط ابقَ معي. اقترب صوت خطوات المسعفين أكثر. ثم تعالت أصواتهم في الخارج: — أين المصاب؟ — أسرعوا! — هناك أكثر من مصاب! لكن تالين لم تكن تسمع سوى صوت أنفاس نوح. كانت تحدق في وجهه، وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها خوفًا من أن يأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه ر







