Masukبعد قرابة نصف ساعة...
دخلت سيارة تالين من البوابة الرئيسية للمجمع السكني. كان المكان هادئًا كعادته، تصطف الأشجار على جانبي الطريق الداخلي، بينما تتناثر مساحات خضراء واسعة بين المباني الحديثة التي شيدتها شركة السيوفي قبل أعوام. أوقفت سيارتها في مكانها المعتاد، وما إن همّت بالنزول حتى استقرت عيناها على سيارة نوح. لم يكن وجودها هو ما أثار دهشتها... بل السيارة البيضاء المتوقفة إلى جوارها. انفتح بابها أولًا، فترجلت لارا، تحمل حقيبة حاسوبها المحمولة، بينما قفز آدم من المقعد الخلفي يحمل مجسمًا صغيرًا صنعه في المدرسة، وأغلق نوح الباب بنفسه قبل أن ينحني يساعد الطفل في حمل بقية أغراضه. انعقد حاجبا تالين. كانت تعلم أن نوح اشترى هذه الشقة بعد زواجهما، بحجة أنها الأقرب إلى المقر الرئيسي للشركة، وأن تنقلها بين مواقع المشروعات سيكون أكثر راحة. لكنها لم تتخيل... أنه سيختار المجمع نفسه لتسكن فيه لارا وابنها. ترجلت من سيارتها في هدوء، كانت لارا أول من انتبه إليها. ابتسمت بود، ثم اقتربت منها. - باشمهندسة تالين... لم أكن أعلم أنكِ تقيمين هنا أيضًا. أغلقت تالين باب سيارتها، ثم رفعت بصرها إليها. - وأنا أيضًا لم أكن أعلم أنكِ انتقلتِ إلى هنا. ابتسمت لارا وهي تنظر إلى المباني المحيطة بإعجاب. - الأستاذ نوح رشّح لي السكن هنا. قال إن المجمع قريب من مقر الشركة، ومعظم المشروعات التي أتولى تصميمها في هذه المنطقة، وسيكون التنقل أسهل لي ولآدم. قالتها بعفوية... لكن كل كلمة كانت تثبت لتالين أن نوح حاضر في تفاصيل حياة لارا الصغيرة، كما لو أنه يهيئ لها طريقًا ممهدًا منذ أول يوم. أما هي... فلم تتذكر آخر مرة سألها فيها إن كانت تحتاج إلى شيء، أو حتى إن كانت مرهقة من التنقل بين مواقع التنفيذ. ابتسمت ابتسامة خافتة. - مبارك لكِ. كانت لارا على وشك أن تشكرها، لكنها توقفت فجأة. - بالمناسبة... لم أركِ مع زوجكِ في الشركة من قبل، مع أنني قد علمت بشكلٍ مصادف أنه يعمل معك في المكان نفسه. ساد الصمت. كان نوح يقف على بعد خطوات، يسمع الحديث بوضوح، لكنه لم يتدخل، كأنه ينتظر رد تالين. رفعت تالين عينيها إليه للحظة، التقت نظراتهما... رأت فيهما شيئًا من التحذير عن الإفصاح بما لم يخبرها به بعد. ثم عادت تنظر إلى لارا، وقالت بهدوء شديد: - لأنني لا أملك زوجًا. ارتسمت الدهشة على وجه لارا. - ماذا؟ ابتسمت تالين ابتسامة صغيرة، خلت تمامًا من السخرية. - قد يكون هناك عقد زواج على الورق. ساد صمت ثقيل. انعقد حاجبا لارا من ردها الغريبة، والذي يوحي بأشياء كثيرة خفية، وقد بدا الارتباك واضحًا على ملامحها، وقالت معتذرة: - أعتذر... لم أكن أقصد... قاطعتها تالين بابتسامة هادئة. - لا داعي للاعتذار. لم يكن في صوتها عتاب، ولا مرارة، بل هدوء امرأة استنفدت كل ما لديها من مشاعر، حتى لم يعد في قلبها ما يسمح لها بالغضب. أما نوح... فبقي واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بها. لم يتغير شيء في ملامحه، سوى تلك النظرة القصيرة التي شاع فيها الرضا من تنفيذها لأمره الصامت ابعدت عينيها عنه ثم التفتت إلى آدم، الذي كان ينظر إليها ببراءة، فابتسمت له ابتسامة رقيقة. - مساء الخير يا آدم. ابتسم الطفل ولوح لها بيده الصغيرة. - مساء النور. ثم التفت إلى لارا بحماس. - ماما... هيا لنصعد. ابتسمت لارا، وأمسكت بيده. - هيا. وقبل أن تبتعد، التفتت إلى نوح. - شكرًا لأنك أوصلتنا. اكتفى بإيماءة خفيفة، مع ابتسامة ودودة ارتسمت على شفتيه، ثم تابع بعينيه ابتعادها هي وآدم حتى دخلا المبنى المقابل. بقيت تالين واقفة للحظات، ثم استدارت هي الأخرى نحو مدخل بنايتها. خطت بضع خطوات... قبل أن يأتيها صوته الهادئ من خلفها. -تالين. توقفت، لكنها لم تستدر، اقترب حتى أصبح على بعد خطوات منها، وقال بنبرة خالية من أي انفعال: -جيد... هذا بالضبط ما كان يجب أن تقوليه. استدارت إليه ببطء، وقد عقدت حاجبيها باستغراب. التقت عيناهما، وأضاف بثقة لا تخلو من التعالي: -لا أريد أن يسيء أحد فهم علاقتنا، أو يظن أننا نعيش كأي زوجين. ثم أضاف بتنبيه: -كما إنني لم أخبرها بعد ساد الصمت بينهما، بينما أكمل ببرود: -هذا الزواج كان اتفاقًا منذ البداية... وسيظل كذلك حتى نهايته. من الأفضل أن يعرف الجميع ذلك. تأملته للحظات، ثم سألت بهدوء: -وهل تخشى أن يظن الناس أنك زوجي؟ لم تتغير ملامحه. -أخشى أن تختلط الأمور، لا أكثر. ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت بصوت هادئ حمل من الخيبة أكثر مما حمل من الغضب: -اطمئن... لن أسمح لأحد أن يسيء فهم الأمر. ثم أضافت، وهي تنظر إليه نظرة أخيرة: -فأنا أيضًا... لم أعد أملك سببًا لأتظاهر بأن بيننا زواجًا حقيقيًا. أشاحت بعينيها عنه، وتجاوزته بخطوات ثابتة نحو مدخل البناية. أما هو، فظل واقفًا في مكانه، مقتنعًا أنه أنهى الحديث كما أراد... غير مدرك أن كلماته كانت آخر ما تبقى بينهما من وهم تلك العلاقة. صعدت تالين إلى شقتها. أغلقت تالين باب الشقة خلفها بهدوء. للحظة... أسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها، ثم أطلقت زفرة طويلة، قبل أن تتأمل المكان الذي عاشت فيه ست سنوات كاملة. كان كل شيء في مكانه المعتاد... الأريكة الرمادية التي اختارت تصميمها بنفسها. المكتبة الخشبية الممتدة على طول الجدار، والتي امتلأت بكتب العمارة والتصميم العمراني أكثر من أي شيء آخر. طاولة الطعام التي أصرت يومًا على تنفيذها من خشب البلوط الطبيعي، بعدما رسمت تصميمها بيديها. كان المنزل يحمل بصمتها في كل زاوية... أما صاحبه، فلم يحمل يومًا أثرًا لوجودها في حياته. خلعت حذاءها، واتجهت مباشرة إلى غرفة العمل الصغيرة الملحقة بغرفة النوم. كانت تلك الغرفة عالمها الخاص. تراصت على الرفوف عشرات الكتب المتخصصة في العمارة، والتخطيط العمراني، والتصميم المستدام، بينما استقرت نماذج معمارية مصغرة فوق الخزانة الزجاجية، تحمل أسماء المشروعات التي شاركت في تصميمها خلال السنوات الماضية. اقتربت من المكتب. فتحت أحد الأدراج، وأخرجت صندوقًا كرتونيًا متوسط الحجم، ثم وضعته فوق الطاولة. بدأت تجمع أغراضها بهدوء... وضعت أولًا دفاتر الاسكتش التي صاحبتها منذ سنوات الجامعة، وقد امتلأت صفحاتها برسومات أولية لمبانٍ لم ترَ النور قط، وأخرى تحولت لاحقًا إلى مشروعات حقيقية. ثم لفت بعناية عدة مخططات هندسية احتفظت بنسخها، كانت تحمل توقيعها في الزاوية السفلية، وتوثق أبرز المشروعات التي أنجزتها داخل الشركة. توقفت لحظة، قبل أن تمد يدها إلى رفٍ صغير، وتحمل مجسمًا معماريًا أبيض، لمركز ثقافي كانت قد صممته في أول مسابقة معمارية شاركت بها بعد تخرجها. ابتسمت بحزن، كان ذلك أول مشروع يحمل اسمها... وأول مرة تقف على منصة التكريم وسط تصفيق الحضور. احتضنت المجسم بين يديها للحظة، ثم وضعته داخل الصندوق بعناية، وكأنها تخشى أن ينكسر. إلى جواره وضعت خوذة الموقع البيضاء، وقد بهت لونها من كثرة ما رافقتها في مواقع التنفيذ، وبجانبها علبة معدنية صغيرة تضم أقلام الرسم الهندسي، والمساطر المعدنية، وأدوات القياس التي رفضت استبدالها رغم مرور السنوات. وأخيرًا... تناولت الدرع الزجاجي الذي حصلت عليه بعدما فاز تصميمها لمشروع "ذا هيلز" بجائزة أفضل مشروع معماري لذلك العام. تأملت انعكاس وجهها على سطحه الشفاف، كم كانت سعيدة في ذلك اليوم... ليس لأنها فازت، بل لأنها ظنت أن نوح سيشعر بالفخر من أجلها، لكنه لم يحضر حفل التكريم، ولم يسألها حتى كيف انتهى الأمر. تنهدت في هدوء، ثم وضعت الدرع داخل الصندوق، وأغلقت غطاءه برفق. في تلك اللحظة... وقع بصرها على إطارٍ فضي يستقر فوق الطاولة الجانبية. صورة زفافهما.كان الليل قد استقر فوق الحي، وعادت تالين إلى شقتها منذ وقت. أغلقت هاتفها وأبعدته عن متناول يدها، ثم اتجهت إلى غرفتها لتبدّل ملابسها.ارتدت ملابس النوم، وتركت شعرها منسدلًا على كتفيها، ثم خرجت إلى غرفة المعيشة وهي تشعر بأن يومها الطويل أوشك أخيرًا على الانتهاء.لكن طرقًا مفاجئًا على الباب جعلها تتوقف في مكانها.نظرت إلى الساعة باستغراب.لم تكن تنتظر أحدًا في هذا الوقت.اقتربت من الباب بحذر، ثم نظرت من العين السحرية.تجمدت ملامحها.كان نوح.ترددت لحظة، قبل أن تفتح الباب ببطء.وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف للحظات.لم يكن يتوقع أن يراها بهذه الصورة البسيطة؛ ملابس نوم هادئة، وشعر منسدل على كتفيها، وملامح خالية من أي استعداد أو تصنع.ومع ذلك...بدت له أجمل من أي وقت مضى.ظل ينظر إليها أكثر مما ينبغي، قبل أن ينتبه إلى نفسه.تسلل الندم إلى صدره بقسوة.كيف عاش معها كل تلك السنوات ولم يرها حقًا؟كيف كانت زوجته طوال ذلك الوقت، بينما كان يتعامل معها ببرود وكأن وجودها إلى جواره أمر مفروغ منه؟كانت تستحق رجلًا يراها، ويقدّرها، ويمنحها الحب الذي طالما احتاجته.لا رجلًا مثله، قضى سنوات يحرمها منه،
كانت جُمان تجلس أمام مكتب أدهم، بينما كان هو يتابع بعض الملفات التي تراكمت أمامه منذ الصباح. وبينما كان يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى، لاحظ أن جُمان لم تكن تتابع ما حولها كعادتها.كانت تجلس في هدوء، لكن ملامحها كانت أكثر جدية من المعتاد، وكأنها جاءت وفي ذهنها أمر لا يحتمل التأجيل.وضعت هاتفها فوق المكتب، ثم رفعت عينيها إليه وقالت:— هناك مشكلة أخرى يجب أن ننهيها.توقف أدهم عن مراجعة الملفات، ورفع عينيه إليها باهتمام.— ما المشكلة؟تنفست جُمان ببطء، وكأنها تستعد لقول أمر تعرف أنه لن يكون سهلًا.ثم أجابت:— أبي.قطب أدهم حاجبيه قليلًا، ووضع القلم الذي كان يمسكه جانبًا.— ماذا حدث؟نظرت إليه جُمان للحظات قبل أن تقول:— منذ أن عرف أبي أنك تموّل شركة الراوي، بدأ يرفض عددًا من الصفقات التي تأتيه من السيد فؤاد.تغيرت ملامح أدهم قليلًا، فقد كان يعرف أن موقف كمال منه لم يتغير تمامًا، لكنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى التأثير في عمل الشركتين.— بسبب وجودي؟أومأت جُمان.— نعم. أبي ما زال يعتقد أنك كنت تستغل علاقتك بي من أجل مصالحك، وما دام لا يعرف الحقيقة، فسيستمر في اتخاذ موقفه منك.ظل أدهم صامتًا
تردد الطبيب قليلًا، وبقي صامتًا لعدة ثوانٍ، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطق بها.راقبه نوح دون أن يرمش، ثم قال بصرامة:— سألتك كيف حدث الحمل.لم يُجب الطبيب فورًا.زاد ذلك من حدة نظرات نوح، فتقدم خطوة أخرى نحو المكتب.— تكلم، كيف حدث؟رفع الطبيب عينيه إليه، ثم قال بحذر:— السيد نوح، الأمر يتعلق بملف طبي خاص بالمريضة، وأنا—قاطعه نوح بحدة:— لا أريد محاضرة عن الخصوصية.ساد الصمت من جديد.ثم قال نوح ببطء:— أريد الحقيقة فقط.ظل الطبيب مترددًا، فتابع نوح بنبرة أكثر تهديدًا:— وإذا حاولت حماية شخص على حساب إخفاء معلومات قد تكون مرتبطة بمخالفة قانونية، فأنت بذلك تضع نفسك في موقف أسوأ بكثير.تغيرت ملامح الطبيب.نظر إلى نوح للحظات، ثم أخذ نفسًا عميقًا.— الحمل...توقف مرة أخرى.لم يمنحه نوح فرصة للتراجع.— أكمل.ابتلع الطبيب ريقه، ثم قال أخيرًا:— تم الحمل عن طريق إحدى تقنيات الإخصاب المساعد.لم يبدُ على نوح الرضا.اقترب قليلًا، وقال بوضوح:— أريد إجابة واضحة.تنفس الطبيب ببطء قبل أن يقول:— تم الحمل عن طريق الحقن المجهري.ساد الصمت للحظات.بقي نوح ينظر إليه، وكأنه كان يستوعب المعلومة الأخيرة
رفعت عينيها إليه بسرعة، وكأنها تريد أن تمنعه من فهم الأمر بهذه الطريقة. — لم يكن الأمر بهذه الطريقة! لكن نوح لم يتراجع. — بل كان كذلك. قالها بمرارة، وقد بدأ الغضب يمتزج بالخذلان في صوته. — أردتِ طفلًا بأي ثمن، ثم قررتِ أن تجعلي هذا الطفل وسيلة لإبقائي إلى جوارك. هزت رأسها بسرعة، والدموع تغطي وجهها. — كنت خائفة أن أخسرك. نظر إليها نوح بنظرة قاسية، ثم قال: — والخوف لا يعطيكِ الحق في أن تخدعيني. تراجعت لارا خطوة، وكأن كلماته دفعتها بعيدًا عنه أكثر من أي حركة. تابع نوح: — ولا أن تعطي لنفسك الحق في أن أعيش كذبة أخرى. رفعت عينيها إليه، تبحث عن أي شيء يمكن أن تتمسك به. — لكنني أحبك. ظل ينظر إليها للحظات، ثم أجابها بصوت قاسٍ: — حبك لم يعد يكفيني لأصدقك. ثم استدار واتجه نحو الباب، وقد حسم قراره بالمغادرة. ارتفع صوتها خلفه: — نوح... توقف عند الباب، لكنه لم يلتفت. ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تسأله بصوت خائف: — ماذا ستفعل؟ أجاب بهدوء حاسم، دون أن ينظر إليها: — سأعرف الحقيقة كاملة. ثم سكت لحظة، قبل أن يضيف: — لكن شيئًا واحدًا تأكدي منه، لن أُسجَّل أبًا لطفل لا أعرف من
حاولت لارا أن تمنعه من المغادرة، ومدت يدها نحوه مرة أخرى، وقد انهارت مقاومتها تمامًا. لم تعد قادرة على الحفاظ على هدوئها أو التظاهر بأن لديها تفسيرًا آخر يمكن أن ينقذ الموقف.— نوح، أرجوك... لا تذهب.توقف نوح عند الباب، لكنه لم يلتفت إليها. ظل للحظات في مكانه، وكأنه يحاول استيعاب كل ما سمعه قبل أن يقرر ما سيفعله.نهضت لارا من السرير بصعوبة، رغم شعورها بالدوار، ثم لحقت به وأمسكت بطرف سترته. راحت تتشبث به وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها إذا تركته.— صدقني، أرجوك. أنا لم أخنك.أبعد يدها عنه بهدوء قاسٍ، ثم استدار إليها بنظرة لم تحمل أي تردد.— إذًا قولي الحقيقة.هزت رأسها والدموع تنهمر على وجهها، ولم تعد تعرف كيف يمكنها إقناعه بما تريد.— أنا أحبك يا نوح.لم يجبها. ظل صامتًا، وكأن كلماتها لم تعد قادرة على تغيير شيء في داخله.اقتربت منه أكثر، وصوتها يرتجف من الخوف:— أحبك منذ سنوات... وسأموت إن تركتني الآن.التفت إليها أخيرًا، وكانت نظراته خالية من التعاطف الذي كانت تبحث عنه.— لا تستخدمي حبك لي حتى تهربي من الحقيقة.شهقت، وهزت رأسها بسرعة، وكأنها شعرت بأن كلماته جرحتها أكثر مما توقعت.— أن
كانت لارا لا تزال مستلقية على سرير المستشفى، تراقب نوح بصمت، بينما ظل واقفًا أمامها، ينتظر إجابة السؤال الذي طرحه.لم يكن في ملامحه أي تردد هذه المرة. كان يريد تفسيرًا واضحًا، وأي محاولة للمراوغة لن تمر عليه بسهولة.ظل الصمت بينهما ثقيلًا لثوانٍ، قبل أن تسارع لارا إلى الكلام، محاولةً إخفاء الارتباك الذي بدأ يظهر عليها:— لا أعرف لماذا تفكر بهذه الطريقة. لا بد أنك أخطأت في حساب المدة.لم يرمش نوح، وبقيت عيناه ثابتتين عليها.— أخطأت؟أومأت بسرعة، وكأنها تتمسك بهذه الحجة الأخيرة.— نعم.ثم أسرعت تضيف، محاولةً إقناعه:— أنت لم تكن تتابع التواريخ بدقة، وربما أخطأت في تقدير المدة التي مرت منذ آخر مرة...قاطعها نوح بحدة، ولم يسمح لها بإكمال كلامها:— أعرف جيدًا كم مضى من الوقت.توقفت لارا عن الكلام، وشعرت بأن حجتها بدأت تنهار أمامه.اقترب منها خطوة، ثم قال بنبرة أكثر حسمًا:— والطبيب أكد لي أن الحمل في بداية الشهر الثاني.ابتلعت لارا ريقها، وحاولت الحفاظ على هدوئها رغم التوتر الذي ازداد داخلها.— والطفل ابنك.ظل نوح ينظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول أن يقرأ الحقيقة من عينيها.ثم سألها:— أنتِ م







