LOGINكان الليل قد استقر فوق الحي، وعادت تالين إلى شقتها منذ وقت. أغلقت هاتفها وأبعدته عن متناول يدها، ثم اتجهت إلى غرفتها لتبدّل ملابسها.ارتدت ملابس النوم، وتركت شعرها منسدلًا على كتفيها، ثم خرجت إلى غرفة المعيشة وهي تشعر بأن يومها الطويل أوشك أخيرًا على الانتهاء.لكن طرقًا مفاجئًا على الباب جعلها تتوقف في مكانها.نظرت إلى الساعة باستغراب.لم تكن تنتظر أحدًا في هذا الوقت.اقتربت من الباب بحذر، ثم نظرت من العين السحرية.تجمدت ملامحها.كان نوح.ترددت لحظة، قبل أن تفتح الباب ببطء.وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف للحظات.لم يكن يتوقع أن يراها بهذه الصورة البسيطة؛ ملابس نوم هادئة، وشعر منسدل على كتفيها، وملامح خالية من أي استعداد أو تصنع.ومع ذلك...بدت له أجمل من أي وقت مضى.ظل ينظر إليها أكثر مما ينبغي، قبل أن ينتبه إلى نفسه.تسلل الندم إلى صدره بقسوة.كيف عاش معها كل تلك السنوات ولم يرها حقًا؟كيف كانت زوجته طوال ذلك الوقت، بينما كان يتعامل معها ببرود وكأن وجودها إلى جواره أمر مفروغ منه؟كانت تستحق رجلًا يراها، ويقدّرها، ويمنحها الحب الذي طالما احتاجته.لا رجلًا مثله، قضى سنوات يحرمها منه،
كانت جُمان تجلس أمام مكتب أدهم، بينما كان هو يتابع بعض الملفات التي تراكمت أمامه منذ الصباح. وبينما كان يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى، لاحظ أن جُمان لم تكن تتابع ما حولها كعادتها.كانت تجلس في هدوء، لكن ملامحها كانت أكثر جدية من المعتاد، وكأنها جاءت وفي ذهنها أمر لا يحتمل التأجيل.وضعت هاتفها فوق المكتب، ثم رفعت عينيها إليه وقالت:— هناك مشكلة أخرى يجب أن ننهيها.توقف أدهم عن مراجعة الملفات، ورفع عينيه إليها باهتمام.— ما المشكلة؟تنفست جُمان ببطء، وكأنها تستعد لقول أمر تعرف أنه لن يكون سهلًا.ثم أجابت:— أبي.قطب أدهم حاجبيه قليلًا، ووضع القلم الذي كان يمسكه جانبًا.— ماذا حدث؟نظرت إليه جُمان للحظات قبل أن تقول:— منذ أن عرف أبي أنك تموّل شركة الراوي، بدأ يرفض عددًا من الصفقات التي تأتيه من السيد فؤاد.تغيرت ملامح أدهم قليلًا، فقد كان يعرف أن موقف كمال منه لم يتغير تمامًا، لكنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى التأثير في عمل الشركتين.— بسبب وجودي؟أومأت جُمان.— نعم. أبي ما زال يعتقد أنك كنت تستغل علاقتك بي من أجل مصالحك، وما دام لا يعرف الحقيقة، فسيستمر في اتخاذ موقفه منك.ظل أدهم صامتًا
تردد الطبيب قليلًا، وبقي صامتًا لعدة ثوانٍ، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطق بها.راقبه نوح دون أن يرمش، ثم قال بصرامة:— سألتك كيف حدث الحمل.لم يُجب الطبيب فورًا.زاد ذلك من حدة نظرات نوح، فتقدم خطوة أخرى نحو المكتب.— تكلم، كيف حدث؟رفع الطبيب عينيه إليه، ثم قال بحذر:— السيد نوح، الأمر يتعلق بملف طبي خاص بالمريضة، وأنا—قاطعه نوح بحدة:— لا أريد محاضرة عن الخصوصية.ساد الصمت من جديد.ثم قال نوح ببطء:— أريد الحقيقة فقط.ظل الطبيب مترددًا، فتابع نوح بنبرة أكثر تهديدًا:— وإذا حاولت حماية شخص على حساب إخفاء معلومات قد تكون مرتبطة بمخالفة قانونية، فأنت بذلك تضع نفسك في موقف أسوأ بكثير.تغيرت ملامح الطبيب.نظر إلى نوح للحظات، ثم أخذ نفسًا عميقًا.— الحمل...توقف مرة أخرى.لم يمنحه نوح فرصة للتراجع.— أكمل.ابتلع الطبيب ريقه، ثم قال أخيرًا:— تم الحمل عن طريق إحدى تقنيات الإخصاب المساعد.لم يبدُ على نوح الرضا.اقترب قليلًا، وقال بوضوح:— أريد إجابة واضحة.تنفس الطبيب ببطء قبل أن يقول:— تم الحمل عن طريق الحقن المجهري.ساد الصمت للحظات.بقي نوح ينظر إليه، وكأنه كان يستوعب المعلومة الأخيرة
رفعت عينيها إليه بسرعة، وكأنها تريد أن تمنعه من فهم الأمر بهذه الطريقة. — لم يكن الأمر بهذه الطريقة! لكن نوح لم يتراجع. — بل كان كذلك. قالها بمرارة، وقد بدأ الغضب يمتزج بالخذلان في صوته. — أردتِ طفلًا بأي ثمن، ثم قررتِ أن تجعلي هذا الطفل وسيلة لإبقائي إلى جوارك. هزت رأسها بسرعة، والدموع تغطي وجهها. — كنت خائفة أن أخسرك. نظر إليها نوح بنظرة قاسية، ثم قال: — والخوف لا يعطيكِ الحق في أن تخدعيني. تراجعت لارا خطوة، وكأن كلماته دفعتها بعيدًا عنه أكثر من أي حركة. تابع نوح: — ولا أن تعطي لنفسك الحق في أن أعيش كذبة أخرى. رفعت عينيها إليه، تبحث عن أي شيء يمكن أن تتمسك به. — لكنني أحبك. ظل ينظر إليها للحظات، ثم أجابها بصوت قاسٍ: — حبك لم يعد يكفيني لأصدقك. ثم استدار واتجه نحو الباب، وقد حسم قراره بالمغادرة. ارتفع صوتها خلفه: — نوح... توقف عند الباب، لكنه لم يلتفت. ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تسأله بصوت خائف: — ماذا ستفعل؟ أجاب بهدوء حاسم، دون أن ينظر إليها: — سأعرف الحقيقة كاملة. ثم سكت لحظة، قبل أن يضيف: — لكن شيئًا واحدًا تأكدي منه، لن أُسجَّل أبًا لطفل لا أعرف من
حاولت لارا أن تمنعه من المغادرة، ومدت يدها نحوه مرة أخرى، وقد انهارت مقاومتها تمامًا. لم تعد قادرة على الحفاظ على هدوئها أو التظاهر بأن لديها تفسيرًا آخر يمكن أن ينقذ الموقف.— نوح، أرجوك... لا تذهب.توقف نوح عند الباب، لكنه لم يلتفت إليها. ظل للحظات في مكانه، وكأنه يحاول استيعاب كل ما سمعه قبل أن يقرر ما سيفعله.نهضت لارا من السرير بصعوبة، رغم شعورها بالدوار، ثم لحقت به وأمسكت بطرف سترته. راحت تتشبث به وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها إذا تركته.— صدقني، أرجوك. أنا لم أخنك.أبعد يدها عنه بهدوء قاسٍ، ثم استدار إليها بنظرة لم تحمل أي تردد.— إذًا قولي الحقيقة.هزت رأسها والدموع تنهمر على وجهها، ولم تعد تعرف كيف يمكنها إقناعه بما تريد.— أنا أحبك يا نوح.لم يجبها. ظل صامتًا، وكأن كلماتها لم تعد قادرة على تغيير شيء في داخله.اقتربت منه أكثر، وصوتها يرتجف من الخوف:— أحبك منذ سنوات... وسأموت إن تركتني الآن.التفت إليها أخيرًا، وكانت نظراته خالية من التعاطف الذي كانت تبحث عنه.— لا تستخدمي حبك لي حتى تهربي من الحقيقة.شهقت، وهزت رأسها بسرعة، وكأنها شعرت بأن كلماته جرحتها أكثر مما توقعت.— أن
كانت لارا لا تزال مستلقية على سرير المستشفى، تراقب نوح بصمت، بينما ظل واقفًا أمامها، ينتظر إجابة السؤال الذي طرحه.لم يكن في ملامحه أي تردد هذه المرة. كان يريد تفسيرًا واضحًا، وأي محاولة للمراوغة لن تمر عليه بسهولة.ظل الصمت بينهما ثقيلًا لثوانٍ، قبل أن تسارع لارا إلى الكلام، محاولةً إخفاء الارتباك الذي بدأ يظهر عليها:— لا أعرف لماذا تفكر بهذه الطريقة. لا بد أنك أخطأت في حساب المدة.لم يرمش نوح، وبقيت عيناه ثابتتين عليها.— أخطأت؟أومأت بسرعة، وكأنها تتمسك بهذه الحجة الأخيرة.— نعم.ثم أسرعت تضيف، محاولةً إقناعه:— أنت لم تكن تتابع التواريخ بدقة، وربما أخطأت في تقدير المدة التي مرت منذ آخر مرة...قاطعها نوح بحدة، ولم يسمح لها بإكمال كلامها:— أعرف جيدًا كم مضى من الوقت.توقفت لارا عن الكلام، وشعرت بأن حجتها بدأت تنهار أمامه.اقترب منها خطوة، ثم قال بنبرة أكثر حسمًا:— والطبيب أكد لي أن الحمل في بداية الشهر الثاني.ابتلعت لارا ريقها، وحاولت الحفاظ على هدوئها رغم التوتر الذي ازداد داخلها.— والطفل ابنك.ظل نوح ينظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول أن يقرأ الحقيقة من عينيها.ثم سألها:— أنتِ م







