LOGINكان تامر جالسًا في شقته، وقد أمضى جزءًا كبيرًا من الوقت وهو يفكر في رُبى منذ أن انتقلت إلى المكان الجديد الذي وفره لها تيم.كان يعرف أنها أصبحت بعيدة عنه، لكنه لم يستطع أن يتوقف عن التفكير فيها، ولا في الطفل الذي تحمل به.رن هاتفه فجأة.نظر إلى الشاشة، ثم أجاب:— نعم؟جاءه صوت أحد رجاله:— سيدي، أردت أن أبلغك بآخر المستجدات بشأن رُبى.اعتدل تامر في جلسته، وقال باهتمام:— ماذا حدث؟— تيم نقلها بالفعل إلى مكان آخر، كما أخبرتك.ظل تامر صامتًا للحظة، ثم سأل:— وهل المكان آمن؟— نعم. المكان هادئ، ولم نلاحظ أي حركة مريبة حوله حتى الآن. والرجل الذي يراقب المنطقة موجود بالقرب من المبنى.أومأ تامر ببطء.— جيد. استمروا في مراقبة المكان، لكن دون أن تقتربوا منها أو تلفتوا انتباهها.— مفهوم.تردد الرجل قليلًا، ثم قال:— لكن هناك أمر آخر حدث منذ قليل.تغيرت ملامح تامر.— ما هو؟— رُبى خرجت من الشقة.— إلى أين؟أجاب الرجل:— ذهبت إلى عيادة طبيب نساء قريبة من المكان.تجمدت ملامح تامر للحظة.ثم قال:— طبيب نساء؟— نعم.ظل صامتًا لثوانٍ، قبل أن يسأل بحدة:— هل أنت متأكد من أنها دخلت العيادة؟— نعم، يا
بعد أن حصلت رُبى على عنوان طبيب النساء القريب من المنزل، ظلت للحظات تحدق في العنوان المسجل على هاتفها.كانت تعرف أنها اتخذت قرارها منذ أن اكتشفت حملها، لكنها كلما اقتربت من خطوة حقيقية، شعرت بثقلها يزداد داخل صدرها.ارتدت ملابسها، وأخذت حقيبتها، ثم خرجت من الشقة متجهة إلى العيادة.كانت العيادة هادئة، ولم يكن فيها عدد كبير من المرضى. تقدمت رُبى نحو موظفة الاستقبال، وأخبرتها بأنها تريد حجز موعد للكشف.أعطتها الموظفة رقمًا، ثم طلبت منها الانتظار.جلست رُبى في أحد المقاعد، ووضعت حقيبتها إلى جوارها، بينما راحت أصابعها تتحرك بتوتر فوق بعضها.وبعد فترة قصيرة، نادتها الممرضة.— رُبى؟رفعت رُبى رأسها سريعًا، ثم نهضت.— نعم.أشارت إليها الممرضة بالدخول.دخلت رُبى إلى غرفة الطبيب، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.كان الطبيب يجلس خلف مكتبه، فابتسم لها وأشار إلى المقعد أمامه.— تفضلي بالجلوس.جلست رُبى، وحاولت أن تبدو هادئة.نظر الطبيب إلى بعض البيانات أمامه، ثم رفع عينيه إليها.— أخبريني، ما الذي تشعرين به؟ترددت قليلًا قبل أن تجيب:— لا أشعر بألم شديد، لكنني مرهقة طوال الوقت، وأشعر أحيانًا بالدوار.أوم
لكن والده تابع:— القضية لم تنتهِ. وإذا ظهر تامر في أي مكان، فمن الطبيعي أن—قاطعه نوح بحزم:— قلت لك لا تتحدث عن الأمر الآن.نظر والد نوح إليه للحظات، ثم قال:— أنا أتحدث عن أمر يمس عائلتنا.رد نوح مباشرة:— وأنا أتابع هذا الأمر بنفسي.ثم أضاف بنبرة أكثر حدة:— القضية تخصني، وأنا أعرف جيدًا ما الذي يجب أن أفعله بشأنها.صمت والده للحظات، قبل أن يقول:— لم أقل إنك لا تعرف.ثم ألقى نظرة سريعة نحو تالين.— لكنني أرى أن من حقنا جميعًا أن نعرف إلى أين وصلت الأمور، خصوصًا أن السبب في كل هذا شقيق زوجتك.تجمدت تالين مكانها.رفعت عينيها إليه للحظة، ثم فهمت ما يقصده.أما نوح، فلم يحتج إلى أكثر من ذلك.قال بحدة واضحة:— أبي، كفى.تراجعت سلوى قليلًا في مقعدها، ونظرت إلى ابنها بتحذير.— دع الأمر يا بني.لكن نوح لم يبعد عينيه عن والده.— قلت لك إنني أتابع القضية.ثم أضاف بوضوح:— وتالين لا علاقة لها بأي شيء يخص هروب تامر أو القضية نفسها.نظر والده إليه، ثم قال:— أنا لم أتهمها بشيء.أجابه نوح فورًا:— ربما لم تتهمها، لكن طريقتك في الحديث تجعلها تشعر بأنها مطالبة بتحمل كل ما حدث.سادت لحظة صمت ثقيلة
اجتمعت العائلة حول مائدة العشاء في تلك الليلة.كانت الجدة سلوى تجلس في أحد جانبي الطاولة، وإلى جوارها والد نوح، بينما جلس نوح إلى جانب تالين.أما آدم، فكان يجلس بالقرب من تالين، وقد بدا عليه الهدوء أكثر من الأيام السابقة، وإن ظل متحفظًا في حديثه وحركاته.كانت الأجواء في البداية هادئة.تبادل الجميع بعض الأحاديث البسيطة، بينما كانت سلوى تحاول أن تجعل آدم يشعر بأنه جزء طبيعي من الجلسة.أما والد نوح، فكان أكثر صمتًا.كان ينظر إلى آدم بين الحين والآخر، بنظرات لم تخفَ على الطفل.لاحظ آدم ذلك منذ بداية العشاء.ولهذا، ظل يخفض عينيه إلى طبقه، ويتجنب النظر في اتجاهه.كانت تالين تراقب الأمر من طرف عينيها.لاحظت انزعاج آدم، فاقتربت منه قليلًا، ثم وضعت بعض الطعام في طبقه.— تناول هذا يا آدم.رفع الطفل عينيه إليها للحظة، ثم أومأ.— حسنًا.ابتسمت تالين له ابتسامة صغيرة، ثم قالت:— وهذا أيضًا جربه، أعتقد أنك ستحبه.نظر آدم إلى الطعام، ثم بدأ يأكل بهدوء.راقب نوح المشهد بصمت، وظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة.أما والد نوح، فقد لاحظ كل شيء.لاحظ كيف كانت تالين تهتم بالطفل، وكيف كانت تحاول أن تجعله مرتاحًا
جاءه الرد سريعًا: — ما زالت في منزل تيم. أغمض تامر عينيه للحظة، ثم سأل: — هل أنت متأكد؟ — نعم. رجالنا يراقبون المكان من بعيد. صمت تامر قليلًا، ثم قال: — أريدك أن تراقبها بنفسك. استمع الرجل إليه باهتمام. تابع تامر: — أريد أن أعرف إذا كانت ستبقى هناك، أم ستنتقل إلى مكان آخر. ثم أضاف بلهجة أكثر جدية: — إذا خرجت من منزل تيم، أريد أن أعرف إلى أين ذهبت، ومن رافقها، ومتى وصلت. سكت للحظة، قبل أن يقول: — وانقل إليّ كل الأخبار أولًا بأول. ثم شد قبضته حول الهاتف. — لا أريد أن تختفي عن عينيك. توقف الرجل للحظة، ثم أجاب: — مفهوم. أنهى تامر المكالمة، وبقي واقفًا مكانه. كان يستطيع أن يقنع نفسه بأن ما يفعله مجرد احتياط. وأن رُبى مطاردة، وأن هناك أسبابًا كثيرة تجعله يريد معرفة مكانها. مثل احتمالية ذهابها لإجهاض الجنين. لكن الحقيقة التي لم يستطع الهروب منها كانت أبسط من كل تلك التبريرات. هو لم يكن مطمئنًا عليها. ولم يكن يعرف إن كان ذلك بسبب الطفل… أم بسببها هي. رفع عينيه إلى الفراغ أمامه، ثم قال بصوت خافت: — ماذا فعلتِ بي يا رُبى؟ ___كانت رُبى تجلس في المقعد المجاور لتيم، بي
وصل تامر إلى المكان الذي كان يقيم فيه، وأغلق الباب خلفه بهدوء.كان المكان معروفًا لرُبى.لم يكن يخشى معرفتها به، ولا كان يعتقد أنها ستذهب إلى الشرطة وتخبرهم عنه.على الرغم من كل ما حدث بينهما، ظل يثق بأنها لن تفعل ذلك.لكن هذه الثقة لم تمنحه أي شعور بالراحة.على العكس…منذ أن تركها في منزل تيم، كان هناك شيء يضغط على صدره بصورة لم يستطع التخلص منها.خلع سترته وألقاها فوق أحد المقاعد، ثم وقف في منتصف الغرفة للحظات، شاردًا.كانت المواجهة الأخيرة مع رُبى لا تزال تدور في رأسه.كلماتها.نظراتها.غضبها منه.وخوفها من المستقبل.ثم تلك الجملة التي لم يستطع تجاوزها:هي لا تريد الطفل.أغمض تامر عينيه للحظة، ثم أخذ نفسًا عميقًا.كان يعلم أن الأمر لم يعد مجرد خلاف بينه وبين رُبى.هناك طفل الآن.طفل لم يكن موجودًا في حساباته قبل أيام.طفل سيولد يومًا ما…وسيحمل اسمه.سيكون ابنه.وسيتحمل مسؤوليته.جلس تامر على الأريكة، وأسند رأسه إلى الخلف.وللمرة الأولى، سمح لنفسه أن يتخيل الأمر كاملًا.طفل صغير يناديه أبًا.طفل يحمل شيئًا منه.طفل جاء إلى حياته دون أن يخطط له، ودون أن يبحث عنه، ودون أن يبذل أي جهد







