Share

أصبحت متلصص رسميا

last update publish date: 2026-08-10 23:11:15

الفصل الرابع: الخط الفاصل

استلقيتُ على أرضية الحمام المبتلة لعدة ثوانٍ، أنفاسي تتصاعد بصوت عالٍ ومسموع. كان الألم ينهَمك في خلفية رأسي، لكن ضربات قلبي كانت أعلى وأشد.

رفعتُ يدي لألمس موضع الاصطدام؛ لم يكن هناك دم، فقط انتفاخ بسيط يؤلم عند اللمس. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الرأس، بل في تلك الفكرة التي انغرست في عقلي كالسكين: لقد أصبحتُ متلصصاً.

الطبيب المقيم الذي يقضي نهاره في إنقاذ الأرواح ومتابعة الجروح، يقضي ليله معلقاً على كرسي خشب يتلصص على جسد جارته من شق ضيق.

حبستُ أنفاسي وأنا أستمع للهدوء في الطابق العلوي. هل سمعت صوت سقوطي؟ هل أدركت أن هناك من يراقبها من الأسفل؟

مرت دقائق طويلة كأنها دهور، حتى سمعتُ صوت خطوات خفيفة جداً تتحرك فوق رأسي، تبتعد ببطء نحو الجانب الآخر من الغرفة. تنفستُ الصعداء بألم، ثم قمتُ من الأرضية ومسحتُ الماء عن جسدي.

عندما عدتُ إلى الغرفة، كان فارس قد عاد وألقى بنفسه على الأريكة المتهالكة في الصالة، يقلّب في هاتفه وسيجارته المشتعلة بين أصبعه.

نظر إليّ وإلى وجهي المكتوم الشاحب وسأل بنبرة ساخرة:

ـ «ما بك يا دكتور؟ تبدو وكأنك أشفيت مريضاً ثم اكتشفت أنك أجريت العملية للرجل الخطأ.»

جلستُ على المقابل له، وأنا أفرك جبهتي:

ـ «فارس... هذا المبنى ليس طبيعياً. السقف في الحمام... هناك شرخ في الخرسانة.»

ابتسم فارس ابتسامة جانبية، ولم تفاجئه الكلمة على الإطلاق. نفث دخان سيجارته وقال ببرود:

ـ «أوه، اكتشفتَ الشق إذن؟ ظننتُ أن أمرك سيستغرق أسبوعاً آخر مع دراستك الطبية الطويلة.»

تجمدتُ في مكاني ونظرتُ إليه بذهول:

ـ «أنت... كنت تعلم بأمر الشق؟»

وضع فارس الهاتف جانباً ونظر إليّ بجدية تخالطها السخرية:

ـ «إياد، الشقة رخيصة لهذا السبب تحديداً. المبنى قديم، والأسقف شبه متآكلة. المستأجر الذي كان قبلك في هذه الغرفة انتقل بعد ثلاثة أشهر فقط لأن عقله لم يحتمل الفكرة.»

سألته بنبرة مشدودة:

ـ «أي فكرة؟»

ـ «فكرة أن تملك مفتاحاً لغرفة لا تملكها، وأن ترى ما لا يجب أن تراه.» اقترب فارس قليلاً وأردف بصوت منخفض: «لكن نصيحة مني يا صديقي... لا تتعمق كثيراً. كارما ليست امرأة عادية يمكنك اللعب معها، وهي ليست من النوع الذي يمر في حياتك دون أن يترك أثراً.»

في صباح اليوم التالي، كان المستشفى مزدحماً على غير العادة.

كنت أقف في الممر الطويل حاملاً أوراق المرضى، عندما اقتربت مني «سارّة». كانت ترتدي معطفها الأبيض الناصع، وشعرها المرتب يضفي عليها هالة من النقاء والرقة.

ـ «إياد، دكتور جاسم يطلب منا مراجعة تقارير قسم الأشعة فوراً. هل أنت جاهز؟»

تأملتُ وجهها اللطيف وعينيها البريئتين. كانت سارّة تمثل كل ما هو نقي وطبيعي في حياتي؛ الفتاة الطيبة التي تبتسم لك بصدق، وتشاركك كوب القهوة في الاستراحة، وتجعلك تشعر أن العالم لا يزال بخير.

شعر قلبي بدفء خفيف وأنا أنظر إليها:

ـ «أنا جاهز يا سارّة، شكراً لكِ على التنبيه.»

ابتسمت برقة وقالت وهي تمشي بجانبي:

ـ «تبدو أفضل اليوم... على الأقل هالات عينيك خفتت قليلاً.»

لكن الصراع في داخلي كان يمزقني. في النهار، أقف بجانب سارّة وأشعر بـ«خفقان القلب الطبيعي»؛ حب نقي بكر خالٍ من أي شعور بالذنب. وفي الليل، أسحب الكرسي في العتمة لأغرق في رغبة مظلمة ومحرمة نحو امرأة تعيش فوق رأسي تماماً.

عالمان متناقضان تماماً... وفي منتصفهما، كان خط دفاعي الأخلاقي ينهار خطوة بخطوة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شق في حائط يثير شهوة الطبيب   ظلال الشك

    أشرقت شمس الصباح باهتة وميتة، تتسلل زاحفة عبر نوافذ قسم الطوارئ لتصطدم بالأرضية المعقمة التي طالما اعتبرتها بيتي الآمن.كنتُ أقف أمام حوض التعقيم، وأصابع يدي المرتجفة تتكفل بغسل القماش الخشن بالماء والصابون. كانت حركة يدي ميكانيكية، لكن الملمس لم يكن يطهّر شيئاً؛ كنتُ أشعر ببرودة معدن المسدس الفضي قابعة في قاع حقيبتي على المكتب المقابل، وكأن وزن السلاح يمتد عبر الممر ليضغط على صدري مباشرة.وفجأة... ظهر ظل خفيف يقف عند زاوية الحوض.التفتُّ ببطء، وجسدي مشدود كالوتر المحتضر.كانت «سارّة».لم تكن ملامحها الحزينة أو المكسورة التي تركتها عليها بالأمس. كانت نظرتها هادئة... هدوءاً مريباً، يقطر ببرود غير معتاد، وعيناها الناعمتان تتأملان حركة يدي المرتجفة تحت الماء بتركيز ثاقب.ـ «صباح الخير يا دكتور إياد...» قالتها بصوت منخفض، نبرتها تحمل جفافاً حاداً لم أعهده فيها طوال سنوات عملنا معاً.ـ «صباح الخير...» نطقْتُ الكلمة بصعوبة، وأنا أحاول سحب يديّ وتجفيفهما بالمناديل الورقية.اقتربت سارّة خطوة واحدة. كانت المسافة بيننا ضيقة، وأنفاسها الصادورة بانتظام ترسم علامات استفهام قاتلة في عقلي المجهد. م

  • شق في حائط يثير شهوة الطبيب    العودة إلى المسرح

    مرّت الساعات الباقية من الخفارة كأنها دهر من الجحيم البارد. كنتُ أتحرك في قسم الطوارئ كآلة عمياء؛ أكتب الروشتات، أقرأ صور الأشعة، وأسجل بيانات المرضى بآلية جافة، بينما عقلي معلّق بالكامل عند البقعة الداكنة التي تتسخ بها أرضية الطابق العلوي. كلما مرت «سارّة» بالقرب من مكتبي، كانت تجتنب النظر في عينيّ، تاركةً بيننا صمتاً ثقيلاً يفيض بالخيبة والكسرة. لم تكن تعلم أنها بكسرتها تلك تنقذ نفسها من اللعنة التي استنفدتني حتى النخاع. عندما حلّت الساعة الثانية عشرة ليلاً، خلت الممرات من الضجيج. نزعتُ معطفي الأبيض ورميته على الكرسي الخشبي خلف المكتب دون أن أطويه. لم أعد أحتمل هذا الزيف؛ لم أعد أحتمل القناع الذي أرتديه لأثبت للناس أنني لا أزال ينبض في صدري قلب طبيب. أمسكتُ بحقيبتي الطبية، واستشعرْتُ وزن المسدس الفضي القابع في أسفلها... السلاح الذي بات هو هوية حياتي الجديدة وثمن انتمائي للجحيم. خرجتُ من المستشفى تحت المطر الخفيف الذي يغسل شوارع المدينة العاتمة. كانت خطواتي تقودني تلقائياً، بلا تردد وبلا حاجة لتفكير، نحو ذلك المبنى المتهالك. لم أعد أقاوم الصعود، ولم أعد أتساءل عن المخرج؛ ل

  • شق في حائط يثير شهوة الطبيب   أسير السلاح

    تجمّد المقبض المعدني الدافئ بين أصابعي، وكأنه قطعة من جمر الجحيم وُضعت عنوة في كفي المرتجفة.كانت رائحة البارود المحترق تختلط بعبق الدم الدافئ المنبعث من جثة «الدكتور شريف»، متآلفة في مزيج كابوسي مع المسك والتبغ الثقيل. كانت بصماتي تنغرس بوضوح على معدن المسدس الفضي، بينما كانت أصابع «كارما» الباردة تُحكم قبضتها فوق يدي، تثبت السلاح في كفي وتثبت معه مصيري المظلم.ـ «امسك جيداً يا إياد...» همست في أذني بصوت ناعم ينفث سموماً مخدرة: «... هذا ليس مجرد سلاح، هذا حبل داريتَ به عنقك بيدك. الآن فقط، أصبحتَ تنتمي إلى هذه الغرفة بالكامل.»تأملتُ جثة استادي المنبطحة على السجاد.الرداء الجراحي الأزرق كان قد امتلأ بقعة سوداء واسعة من الدم القاني. أستاذي الذي كان يمثّل القمة في علم الجراحة، يقبع الآن كالجيفة تحت قدميّ، لأن كبرياءه انكسرت أمام نفس الشهوة ونفس الإغواء الذي جرجرتُ قدميّ إليه.رفعتُ رأسي ببطء نحو كارما.كانت تقف أمامي بجمالها الساحر القاتل، الروب الحريري الأسود ينفتح قليلاً ليكشف عن بياض بشرتها الشاهق تحت الضوء الأحمر الداكن. لم يكن في عينيها قطرة واحدة من الندم؛ كانت تنظر إليّ بابتسامة

  • شق في حائط يثير شهوة الطبيب    اقتحام الستر

    اهتزت أرجاء الشقة مع كل ضربة عنيفة تتلقاها خشبات الباب المتهالكة.كان الصوت يتردد في أذني كصدمات كهربائية متتالية تقتلع ما تبقى من تخدير اللذة والرغبة المظلمة. كانت «كارما» تقف في منتصف الغرفة، وروبها الحريري الأسود يتحرك مع زفيرها المتسارع، بينما كانت قبضتها على المسدس الفضي تتشنج بصلابة غير معتادة.الضوء الأحمر الداكن، الذي كان قبل لحظات سماءً للإغواء والإذلال، تحول فجأة إلى بقعة من الجحيم المحاصر.ـ «كارما... افتحي الباب!»جاء الصوت من خلف الباب مبحوحاً، مشحوناً بغضب أعمى وصراخ يمزق حبال الحلق.تسمّرتُ في مكتني على الأريكة، وجسدي يرتجف بانهيار كامل. كان الصوت أشبه بصدى مألوف... صوت سمعته من قبل، ولكن تحت إضاءة مختلفة وفي مكان أكثر طهارة ونقاء.انهارت الفتحة الخشبية للباب بضربة حاسمة من قدم ثقيلة، لينخلع القفل ويثبت الباب مفتوحاً على مصراعيه!تطايرت الشظايا الخشبية والغبار الرطب على السجاد الثقيل، ليدخل من خلال الفتحة رجل برداء جراحي أزرق ملوث بالبقع الداكنة، وعيناه المحتقنتان بالدم تجولان في الغرفة كالمجنون.كان «الدكتور شريف»... رئيس قسم الجراحة في المستشفى!الرجل الحازم، ذو الشعر

  • شق في حائط يثير شهوة الطبيب   صلاة على عتبة القاع

    طبقتُ جفنيّ بقوة، كأنني أحاول اقتلاع تلك المشاهد من مخيلتي، لكن العتمة خلف عينيّ لم تكن سوى شاشة أخرى تعرض نفس الصور ونفس التفاصيل بوضوح مرعب. كان ملمس أصابع «كارما» الناعمة والباردة على صدغي ينساب كقطرات ثلج تذوب فوق جلد مشتعل. لم تكن لمسة مواساة، بل كانت طقساً حاسماً لإتمام السيطرة؛ لمسة صياد يربد على رأس طريدته بعد أن تأكد من إنهاكها الكامل واستسلامها للشبكة. صوت أنفاسها المترددة برائحة المسك الفاخر والتبغ المعتق كان يملأ المساحة الضيقة بين وجهينا. كانت تقف قريبة جداً، بحيث أستطيع الشعور بالدفء الانبعاثي الصادر من جسدها المنساب تحت ثوبها الأسود الرسمي. ـ «افتح عينيك يا إياد...» قالتها بصوت منخفض، ناعم كفحيح أفعى متمرسة، يتردد إيقاعه بتمهل يستنزف ما تبقى من مقاومتي النفسية: «... لا تهرب إلى الظلام الداخلي. أنظر إلى ما صنعتَه بيدك.» فتحتُ جفنيّ المجهدتين ببطء شديد. كانت البقعة الحمراء الداكنة تخيم على الغرفة، والقصاصات الورقية الممزقة لملفي وشاشات المراقبة المهشمة تتناثر حول قدميّ كأشلاء جسد تم تشريحه بلا رحمة. وفي زاوية المكتب، كانت الشاشة المتبقية تواصل بثها الأزرق الخافت،

  • شق في حائط يثير شهوة الطبيب   ثمن المشرط

    سمّر المشرط الطبي بيننا، حافته الحادة تعكس البقعة الحمراء الداكنة كالدم المشتعل.كانت كلماتها تتردد في أركان الغرفة بصداها المريع: «إما أن تأخذ هذا المشرط وتنهي هذه المراقبة بيديك... أو تجلس على ذلك الكرسي في الظل، وتصبح المخرج المساعد للضحية القادمة!»تطلعتُ إلى عيني «كارما». لم يكن فيهما ذرة واحدة من التردد أو الشفقة. كانت تنظر إليّ ببرود ملكي، وكأنها حسمت مصيري منذ اللحظة الأولى التي اضطربت فيها أنفاسي فوق الكرسي الخشبي في الحمام.كانت يدي ترتجف بقوة. اقتربت أطراف أصابعي الشاحبة من المقبض المعدني البارد للمشرط.هذا المشرط الذي تعلمتُ أن أستخدمه لبتر الأنسجة الميتة وإنقاذ أجساد المرضى في الطوارئ... أصبح الآن الأداة الوحيدة المطروحة لإعادة تشكيل حياتي المحطمة.ـ «خذ المشرط يا إياد...» همست ببطء شديد، وهي تميل برأسها ليتدلى شعرها النبيذي الثقيل على كتفها الأسود: «... واقطع الحبل الأخير الذي يربطك بماضيك. اقطع صورك، اقطع أوراقك، واقطع كل خط يصلك بـ "سارّة" وبالعالم الخارجي... لتستقر معنا في هذا القاع بشكل أبدي.»امتدت أصابعي وأطبقت على المقبض الصليبي للمشرط.كان ملمس المعدن بارداً، ناع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status