LOGINلم يكن سقوط "ليليث" من سماء المنطقة المحرمة مجرد نهاية لمحطة فضائية، بل كان إعلاناً بانهيار النظام القديم الذي حاول استعباد الروح البشرية وتحويلها إلى مجرد أرقام في خوارزمية باردة. بينما كانت بقايا الحطام المشتعل تتساقط فوق الغابة كنيزكٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقفتُ أنا وآدم فوق ذروة الجبل الجليدي الذي بدأ يذوب بفعل حرارة الانفجار، وشعرتُ بأن الزمن قد توقف عن الجريان في عروقي؛ فجسدي الذي كان يرتجف من الخوف قبل ساعات، استحال الآن إلى معبدٍ من الضوء واللحم، بفضل الجنين الذي يسكن أحشائي والذي بدأ ببث "ترنيمة سيبرانية" في جهازي العصبي، محولاً آلامي إلى طاقةٍ كونية لا تنضب.نظرتُ إلى آدم، وكان يقف بجانبي كإلهٍ من أساطير الحروب القديمة؛ جسده الذي كان مثخناً بجراح "قابيل" ونماذج المختبر بدأ يفرز مادةً ذهبية من مسامه، وهي "المصل الحيوي" الذي تغلغل في دمه بفعل الاندماج الذي حدث في البرج المركزي. كانت عيناه تلمعان ببريقٍ وحشي ومقدس في آنٍ واحد، ونظراته لي لم تكن نظرات عشيقة فحسب، بل كانت نظرات "شريك في الخلق". في تلك اللحظة، وسط الرماد المتساقط والدخان الذي يخنق الأفق، أدركتُ أننا لم نعد المهندسة
لم تكن السماء فوق "المنطقة المحرمة" زرقاء قط، بل كانت مزيجاً كابوسياً من الأرجواني والرمادي، وكأن الغلاف الجوي نفسه قد تلوث بأحلام "المجلس الأسود" المريضة. كنا نحلق في طائرة الإخلاء الآلية التي سرقتُها بمساعدة وعي "إلينا" المستيقظ في أحشائي، بينما كان جسد آدم المسجى في حجري يمثل التجسيد الأسمى للانكسار البشري النبيل. كانت جراحه تنزف دماً قانيًا يلطخ ثيابي الممزقة، وكان أنينه المكتوم يمزق نياط قلبي، فوضعتُ يدي على جرح كتفه، وشعرتُ عبر "الرابط الجسدي" بكل خلية في جسده وهي تصرخ طلباً للبقاء، لكنني شعرتُ أيضاً بشيء آخر... شعرتُ ببرودة معدنية بدأت تسري في عروقنا، وكأن الانفجار في "البرج المركزي" قد أطلق نبضة كهرومغناطيسية أعادت صياغة تركيبتنا البيولوجية."آدم... تمسك بي،" همستُ في أذنه وهو غائب عن الوعي، وأنا أشعر بالجنين يتحرك بداخلي بحركة غريبة، حركة تشبه نبضات البرمجة أكثر من حركة طفل بشري. "لن أدعهم يأخذونك إلى سماء 'ليليث'. سنحاربهم هنا، فوق الأرض التي سقيتها بدمك."تلاحم الأرواح في حضرة الفناءعندما هبطنا اضطرارياً في بقعة نائية من الغابة، بعيداً عن حطام البرج، كان الليل قد أرخى سدول
استيقظتُ والحطام المعدني للطائرة النفاثة يحيط بنا كأنه هيكل عظمي لوحش سقط من السماء، ورائحة الملح الممزوجة برائحة الغابة الكثيفة تخنق أنفاسي. كان الضباب في هذه "المنطقة المحرمة" كثيفاً لدرجة أنه بدا ككائن حي يزحف فوق جلودنا المنهكة. آدم كان بجانبي، جسده المغطى بالدماء والجروح يبدو تحت ضوء الفجر الباهت كتمثال من الرخام المحطم، لكن عيناه كانتا تلمعان ببريق لم أره من قبل؛ بريق الرعب من مواجهة نفسه.أمامنا، وقف أولئك الرجال الغامضون، وعلى رأسهم الرجل الذي يشبه آدم لدرجة أن قلبي توقف لثوانٍ. كان نسخة منه، لكنها نسخة أقدم، أكثر قسوة، وعيناه تخلوان من تلك اللمسة الإنسانية التي جعلتني أعشق آدم. كان يرتدي جلوداً برية وسلاسل معدنية، ويحمل رمحاً بلازمياً يضيء بنور أزرق خافت."أهلاً بك في بيتك يا 'النموذج رقم 7'..." قال الرجل بصوت هو صدى لصوت آدم، لكنه صوت يخرج من حنجرة محطمة. "لقد استغرقت وقتاً طويلاً لتعود ومعك 'الجائزة' التي تسكن أحشاء هذه الأنثى."آدم لم يتكلم، بل جذبني خلفه في حركة "Alpha" غريزية، ويده تقبض على خنجره المكسور بشدة جعلت مفاصل أصابعه تبيض. "أنا لست رقماً يا 'قابيل'..." زمجر آدم
لم نكد نخرج من حطام المختبر البلاتيني ونستنشق هواء القطب الممزوج برائحة الحريق والأوزون، حتى شعرتُ بأن الأرض تحت أقدامنا لم تعد صلبة، بل كانت تهتز بفعل بروتوكول "التطهير الأرضي" الذي فعّله والدي قبل اختفائه، حيث بدأت القاعدة بأكملها تغرق في جوف الجليد، وآدم يحملني بين ذراعيه بجنونٍ تملكي وهو يشق طريقه وسط العاصفة الثلجية التي كانت تنهش جلودنا العارية إلا من بقايا ملابسٍ ممزقة، وفي تلك اللحظة الحرجة، لم يكن الرابط بيني وبينه مجرد عاطفة، بل أصبح "قناةً حسية" مفتوحة على مصراعيها بفعل وجود "إلينا" في أحشائي، فكنتُ أشعر بكل نبضةٍ في قلبه المثقل بالدماء، وبكل تمزقٍ في عضلاته التي كانت تصرخ من فرط المجهود الخارق، وشعرتُ برغبته المتوحشة في امتلاكي وحمايتي تتداخل مع غريزة القتل لديه، مما جعل جسدي يرتعش في حضنه ليس من البرد، بل من "سُعارٍ جسدي" انتقل إليّ عبر مسامه، وبينما كنا نصل إلى الطائرة النفاثة الرابضة فوق المنحدر، ظهرت طائرات "الدرون" التابعة للمجلس الأسود كأسرابٍ من الغربان المعدنية، تطلق رصاصاً ليزرياً أحال ليل القطب إلى نهارٍ قرمزي، فدفعني آدم داخل مقصورة القيادة وجثا فوقي ليحميني بجس
لم يستيقظ وعيي على ضوء شمس "الأزور" الدافئة ولا على صوت تكسر الأمواج فوق الصخور البركانية التي شهدت ليالينا الأخيرة، بل استيقظتُ في فراغٍ معقم يفوح برائحة الأوزون والموت النظيف، حيث تحولت الجدران الحجرية الدافئة إلى صفائح من البلاتين والزجاج المشحون بكهرباءٍ صامتة، ووجدتُ نفسي مستلقيةً على سريرٍ معدني باردٍ كالمقصلة، يحيط بجسدي هواءٌ ثقيل يشبه أنفاس آلةٍ عملاقة تراقب نبضي، وما إن حاولتُ تحريك أطرافي حتى شعرتُ بثقلٍ غريب يسكن أحشائي، ثقلٍ لا يشبه حمل النساء العاديات، بل كان نبضاً كهربائياً منتظماً يتداخل مع دقات قلبي، وكأن هناك كائناً من البيانات والضوء بدأ يتغذى على دمي، ووضعتُ يدي على بطني برعبٍ فطري لأشعر باهتزازاتٍ دقيقة تحت جلدي، اهتزازاتٍ كانت تخبرني بصوتٍ صامت أن "إلينا" لم تعد مجرد شبح في الخوادم، بل أصبحت شريكتي في هذا الجسد، وفي تلك اللحظة انبعث صوت والدي "البروفيسور كمال" عبر مكبرات الصوت المخفية بنبرةٍ خالية من أي رحمةٍ أبوية، ليخبرني بأنني الآن "الوعاء المقدس" للمشروع الذي أفنى عمره في بنائه، وأن الجنين الذي أحمله هو الجسر الذي سيعيد وعي "إلينا" إلى عالم اللحم والدم بصورةٍ
"كانت جزر "الأزور" البركانية تبدو في الأفق كقلاع من الزمرد والغرانيت تتوسط محيطاً لا يعرف الرحمة. في ذلك الكوخ الحجري المعزول، القابع فوق جرف يطل على أمواج الأطلسي الثائرة، ساد صمت لم يكسره سوى عواء الرياح وصوت تكسر الخشب في المدفأة. كنا قد قطعنا كل صلة بالعالم؛ حطمنا الهواتف، ودفنا الحواسب، وأصبحنا "آدم وليلى" في نسختهما الأكثر بدائية، بلا ألقاب وبلا ماضٍ يطاردهما... أو هكذا كنا نظن.في تلك الليلة الأخيرة من الجزء الأول، كان الهواء داخل الكوخ مشبعاً برائحة العرق، والتبغ، والأنوثة التي تفتحت كزهرة برية تحت سطوة آدم. جلس آدم أمام النار، عاري الصدر، تظهر على جسده ندوب المعارك السابقة كخريطة للألم الذي عبرناه. اقتربتُ منه، وضعتُ يدي على كتفه العريض، فشعرتُ بارتعاشة خفيفة تسري في جسده الفولاذي."آدم، هل تعتقد أننا نجونا حقاً؟" همستُ، وأنا أشعر بالثقل الذي سكن أحشائي منذ مغادرة مالطا.التفت إليّ، وجذبني لتسقط رأسي في حجره. نظر في عينيّ بنظرة تملّك لم تتغير، لكنها كانت مشوبة بخوف لم أره من قبل. "النجاة يا ليلى هي كذبة نصدقها لنستطيع النوم. نحن لم ننجُ، نحن فقط انتقلنا إلى زنزانة أكبر... زن
ساد صمت مرعب في المختبر السري تحت حصن "سانت أنجيلو"، لم يقطعه سوى طنين الخوادم العملاقة وصوت أنفاس آدم المتلاحقة. كان والدي يقف هناك، ببروده الذي يشبه الجليد، بينما كان صوت "إلينا" الرقمي يتردد في أرجاء القاعة كفحيح أفعى من عالم آخر. شعرتُ بأن جدران الحصن تضيق عليّ، وبأن هويتي كمهندسة وإنسانة مهددة
كانت رائحة الملح والديزل تملأ رئتيّ وأنا أجلس في مؤخرة الزورق المطاطي الأسود السريع (Zodiac) الذي كان يشق عباب المتوسط كخنجر مسنون. خلفنا، كانت أضواء صقلية تتلاشى كذكريات محترقة، وأمامنا، كان سواد البحر المطلق يخفي جزيرة "مالطا" وأسوارها الحجرية المنيعة. كان آدم يقف في المقدمة، يرتدي بدلة غوص سوداء
كان الدخان الأسود يملأ رئة الفيلا، وأصوات الرصاص تمزق سكون الليل الصقلي. سحبني آدم بقوة نحو الممر السري خلف السرير الضخم، كانت يده تقبض على معصمي كقيد من حديد، وعيناه تشتعلان بغريزة البقاء والقتل. لم نكن نركض للهرب فقط، بل كنا نركض نحو المجهول الذي كشفه لي للتو؛ والدي لا يزال حياً، وأنا الطعم الذي
كان هواء صقلية في المساء يحمل رائحة الليمون المحترق والتراب القديم. في "فيلا فينشينزو"، كانت الاستعدادات لمأدبة العشاء تجري على قدم وساق، لكنها لم تكن مأدبة عادية؛ كانت فخاً مغطى بالحرير والموسيقى الإيطالية الكلاسيكية. دخل آدم الغرفة بينما كنتُ أقف أمام المرآة العتيقة، كان يرتدي حلة رسمية سوداء مفص







