لم يكن في ذلك الممر الطويل المكتسي بعتمة خفيفة ما يستدعي، بالفعل، هذا الإحساس الغامض والمريب الذي بدأ يتسلل إلى جوارحي، ويعلق بأطراف روحي كغبار غير مرئي. كان ممراً ألفته منذ نعومة أظفاري، حفظت شقوق جدرانه ومواضع الظل فيه، ومع ذلك، ظل هذا الشعور الخفي ملازماً لي كظلي، كشيء لا يرى بالعين المجردة لكنه يحس بثقل جاثم على الصدر، كأن هواء المنزل قد تغيرت كثافته فجأة دون سبب ملموس.
كانت عمتي عبير تمشي بجانبي بخطوات متعادلة، رتيبة، تئن لها أرضية الممر أنيناً خافتاً يكاد لا يبين. كانت تتحدث بنبرة هادئة، مسترسلة، عن أشياء يومية بسيطة لا تحتاج إلى إنصات كامل، ولا تستفز العقل للتفكير؛ كانت تمزق صمت المكان بحديث معاد عن خبز الصباح وجودته، وعن أحد أبناء الجيران الذي تغيب عن المدرسة لأيام وأثار قلق أهل الحي، وعن ضرورة أن نشتري بعض الأدوية الضرورية لأمي من الصيدلية القريبة قبل أن تغلق أبوابها مع هبوط الليل.
وكنت أنا، في مقابل ذلك السيل من الكلمات العابرة، أومئ برأسي أحياناً، لا لأنني أشاركها الحديث أو أعي تفاصيله، بل لأنني أردت فقط أن أبدو حاضراً في المشهد، أن أمنحها ذلك الرضا الزائف بأنني معها أنصت وأفهم. لم أكن في الحقيقة أفكر في أمي بشكل مباشر أو تفصيلي، بل كان عقلي معلقاً بتلك اللحظة الدقيقة التي خرجنا فيها من الغرفة وتركناها خلفنا، معلقاً بالطريقة الصامتة التي كانت تنظر بها إلي وأنا أغلق الباب ببطء. لم يكن في نظرتها تلك أي علامة صارخة تستدعي القلق أو الخوف، وهذا تدقيقاً وتحديداً هو ما جعلها عالقة في ذهني، تنمو وتتضخم أكثر مما ينبغي، كأنها لغز مشفر يحتاج إلى تفكيك.
في الخارج، حينما لفحنا هواء الباحة الرطب، قالت عمتي دون أن تنظر إلي، وكأنها تخاطب الفراغ أمامها لتطرد عن نفسها وعني شبح التوجس: «أمك شخص ملتزم بنظام صحي صارم منذ سنوات، ورغم هذه النكسة الأخيرة التي ألمت بها، لكن يكفي بعض الحذر والانتباه وفقط.. لا تكبر الأمور يا معتصم، ولا تطل التفكير فيما لا ينفع».
كانت عمتي، بحكم قربها منا، تعلم عني فرط تفكيري، وتعرف علتي الأزلية في كثرة قلقي وتحليلي للأشياء فوق ما تعتمل، فآثرت بكلماتها تلك أن تطمئنني بعض دقائق، لتخلق جداراً عازلاً بيني وبين هواجسي. أجبتها بنبرة حاولت جاهداً أن تكون ثابتة: «لن أطيل التفكير، إن شاء الله»، لكن الجملة خرجت من بين شفتي باهتة، جافة، خالية من أي يقين، كأنها لا تخصني بالكامل، أو كأن شخصاً آخر تبرع بالنطق بها نيابة عني بينما روحي تحلق في واد آخر ملؤه الشكوك.
قلت لها متعللاً بالحركة لأهرب من نظراتها الفاحصة إنني سأذهب لأساعد عمراً في ترتيب الضيافة والاهتمام بالقادمين، لكنني لم أفعل شيئاً من ذلك؛ إذ اكتفيت بالجلوس بين الحضور، محشوراً على أريكة جانبية، بلا طاقة تحملني، وبلا صوت يعبر عني، وبلا حضور ذهني يجعلني جزءاً من المجلس. فكنت أنظر من النافذة المشرفة على الحديقة الصغيرة دون أن أرى فعلياً ما يدور في الخارج.
كل شيء حولي كان يبدو مألوفاً تماماً، مألوفاً إلى درجة رتيبة لا تستدعي أي نوع من الانتباه أو الدهشة؛ الوجوه هي نفسها، والخشب هو نفسه، والسجاجيد العتيقة تقبع في مكانها، لكنني كنت أشعر، رغم ذلك كله، أن هناك مسافة صغيرة، لكنها عميقة، تفصل بين ما أراه بعيني وبين ما أفهمه وأستوعبه بقلبي. لم تكن تلك المسافة كبيرة شاسعة تعزلني عن الواقع، لكنها كانت كافية جداً لتجعل الأشياء كلها، بحركاتها وسكناتها، تبدو وكأنها تحدث لشخص آخر لا أعرفه، وأنني لست سوى متفرج بائس يجلس في آخر صفوف المسرح.
رأى صمتي المطبق وعزلتي النفسية أحد الضيوف الجالسين، ولم يكن هذا الضيف سوى العم رائد، مدرسي القديم في مدرستي الابتدائية وجارنا العزيز في الحي منذ عقود. نظر إلي بعينين ملؤهما الشفقة والحنان الأبوي، ثم قال لي بصوته الخشن المبحوح الذي أعرفه منذ صغري، محاولاً طمأنتني وتخفيف الحمل عن كاهلي: «لا تقلق يا بني، إن أمراض القلب في زمننا هذا، وبعد سن الستين، تعدو وتمر كالزكام العابر، فهي هينة بسيطة إن شاء الله، ولا تدعو لكل هذا الوجوم».
ابتسمت له ابتسامة باهتة، مجاملة، ولم أرد بكلمة واحدة؛ ليس لأنني لا أريد الطمأنينة أو أرفضها، بل لأن الطمأنينة في تلك اللحظة الذاتية المشحونة بدت لي شيئاً مستحيلاً، شيئاً داخلياً لا يمكن طلبه أو استجداؤه من الخارج أو من كلمات الآخرين مهما صدقت نواياهم.
فكرت في تلك الأثناء في أمي وهي تقبع هناك في غرفتها الصامتة، فكرت في صوتها المتعب المهزوز حين قالت لي قبل ساعات: «أنا غير متعبة»، وفي الطريقة العجيبة التي تختصر بها الألم العظيم بجملة واحدة قصيرة ثم تتجاوزها كأنها لم تكن شيئاً مذكوراً، وكأن الجسد لا يئن تحت وطأة المرض.
وتذكرت فجأة، بحنين جارف، وجهها المشرق الطافح بالحياة حين كانت تقف في حوش المنزل الكبير أيام الصيف، تنادي علينا بأسمائنا ونحن صغار نركض ونلعب في المدى، وكيف كان صوتها يومئذ يبدو قوياً، جهورياً، أكبر من المكان نفسه وأوسع من الجدران. وتساءلت في نفسي فجأة، دون إرادة واضحة مني أو تخطيط، كيف يمكن لجسد كان يمتلئ بكل هذا الحضور الصاخب، وبكل هذه الطاقة النابضة، أن يصبح فجأة، بين ليلة وضحاها، شيئاً هشاً، قابلاً للتعب والانكسار عند أقل عثار صحي؟
ولم أجد إجابة تشفي غليل سؤالي المريب. لم يكن يجب علي أن أضخم الأمور أو أن أجعل من كل عارض كارثة، لكن هذا التهويل النفسي هو آفتي القديمة التي لا أستطيع التخلص منها، وكأنها كتبت علي كقدر لا مفر منه.
بينما كنت غارقاً في سيل هذه الأفكار السوداوية، سمعت أصواتاً خفيفة، متقطعة، تنبعث من جهة المطبخ؛ كانت أصوات مريم وعمرو، وغالباً عمتي عبير التي انضمت إليهما لإعداد المشروبات للضيوف. كانت الحياة في البيت تستمر بشكل طبيعي، رتيب، وبولع شديد بالتفاصيل المعهودة، إلى درجة بدت لي في تلك اللحظة مزعجة ومستفزة لمشاعري.
رائحة القهوة الفواحة الممزوجة بالهيل كانت تنتشر في أرجاء المكان، والأحذية المصفوفة عند المدخل الرئيسي لم تتغير مواضعها، كل شيء حولي كان يشير، بسكونه وتكراره، إلى أن هذا اليوم هو يوم عادي جداً تقريباً، لا يختلف عن سابقيه في شيء، لكنني لم أكن متأكداً من صحة هذا الشعور؛ إذ كان داخلي يحترق بعكس ذلك التمام.
مر عمرو من جانبي خفيفاً، حاملاً في يده فنجان قهوة نصف فارغ، وكان يرد على كلمات بعض الضيوف بنبرة مؤدبة وهو يبتسم، بينما كان يمشي باتجاهي بخطى وئام. جلس بجانبي على طرف الأريكة، فالتفت إليه وأشرت له برأسي إشارة صامتة تسأله: «أين كأسي أنا؟ لماذا لم تحسب حسابي؟». أطلق عمرو عندها صوتاً ساخراً خفيفاً، وأشار بيده الحرة إلى جهة المطبخ ملمحاً لي، بمزاحه المعتاد، أن أقوم وأحضره بنفسي إذا كنت راغباً فيه.
وبعد دقائق معدودات من الانتظار الصامت، خرجت مريم من المطبخ تحمل بين يديها كوب قهوة دافئاً، وتوجهت نحوي لتعطيني إياه بحنان. نظرت حينها إلى عمرو الذي كان يراقب المشهد، وضحكت مستهزئاً به وبرفضه السابق، معلناً انتصاري الصغير على كسله ومشاكسته.
بعد مرور وقت لا أعرف مقدار طوله أو قصره، فقد كان الزمن عندي يتمدد وينكمش بغرابة، نهضت من مجلسي بمشقة، وقلت للحاضرين بنبرة خافتة إنني سأصعد إلى غرفتي قليلاً لأرتاح من عناء النهار. لكنني، حينما خرجت إلى الباحة، لم أصعد مباشرة كما زعمت؛ إذ توقفت تلقائياً عند عتبة الباب الخارجي. كانت شجرة التين العتيقة، التي غرسها أبي منذ زمن طويل، تقف شاخصة أمامي في عتمة المساء، فاقتربت منها بخطى بطيئة دون أن أفكر في مقصد معين.
لم أكن أفعل شيئاً هناك سوى الوقوف المحض؛ وقفت لدقائق أخرى طويلة، أحدق بشغف وأسى في الظلال المتناثرة، المتداخلة تحت أغصان الشجرة الوارفة، وأحاول جاهداً، بكل ما أوتيت من منطق، أن أقنع نفسي المريضة بأن ما أشعر به من انقباض وخوف ليس سوى مجرد إرهاق بدني ناتج عن يوم طويل مليء بالأحداث والتوتر. لكن هذا الإحساس الجاثم لم يتراجع خطوة واحدة، بل كان ثابتاً فيه، هادئاً، راسخاً في عمق صدري كأنه يعرف مكانه المستحق فيه أكثر مما أعرف أنا نفسي.
من بعيد، وأنا في مكاني ذاك، سمعت ضحكة قصيرة، عابرة، خرجت من داخل البيت، ربما كانت من أحد الضيوف أو من عمرو، لكنها ما لبثت أن اختفت بسرعة كما بدأت، وعاد كل شيء حولي إلى سكونه السابق، الموحش. نظرت حولي بلا هدف واضح، جالت عيناي في المكان تتفرسان في الجدار الإسمنتي البارد، ثم في الباب الخشبي المهترئ، ثم رفعت بصري إلى السماء التي بدت لي في تلك الليلة معتمة، سوداء، أكثر مما ينبغي لها أن تكون.
وشعرت فجأة بوخزة ضمير، شعرت أنني أعطي الأمور حجماً أكبر من حجمها الحقيقي، وأنني أصنع من الحبة قبة، فكل من حولي من الأهل والأقارب يتأقلمون بسرعة فائقة مع هذا التغيير الطارئ ويتقبلون المرض كجزء من الحياة، إلا أنا؛ إذ أحس دائماً من نفسي بحاجة ماسة، لا تقاوم، للتقوقع والانكماش داخل ذاتي لبضع لحظات أو أيام بعد كل تغيير يحدث في مسار حياتي. أضف إلى ذلك كله إحساسي المكتوم بالاكتئاب الذي رافقني منذ الصباح الباكر، وهو نتاج مركب لحال أمي الصحية المقلقة، ولشجار عنيف وحاد حدث معي في الجامعة مع شاب أهوج لا يعرف للأدب طريقاً.
رفع الصمت رأسي ببطء نحو نافذة غرفة أمي الكائنة في الطابق العلوي، كانت النافذة مغلقة تماماً، وأضواؤها خافتة، لا شيء فيها يدل أو يوحي بأنها تختلف في هذه اللحظة عن أي ليلة أخرى مضت، لكنني بقيت رغم ذلك أنظر إليها طويلاً، كأنني أنتظر أن تنفتح أو أن ترتسم عليها ظلال أمي. ثم، بعد لأي، عدت أدراجي إلى الداخل، أمشي بخطى متثاقلة في ذلك الممر الطويل المعتم الذي اعتدت على السير فيه منذ سنوات طويلة حتى حفظته قدماي.
دخلت غرفتي الخاصة دون أن أشعل الضوء فوراً، بل تركت العتمة تحتضنني، وجلست على طرف السرير الخشبي، وتركت الباب مفتوحاً قليلاً، بفتحة صغيرة كما هو معتاد مني دائماً لكيلا أنعزل عن البيت تماماً. الغرفة كانت باردة، ساكنة، تقبع في نفس الحال التي تركتها عليها صباحاً قبل خروجي؛ الكتب الدراسية مبعثرة على الطاولة الخشبية، والحقيبة الجلدية تلقي بجسدها بناموس بجانب الكرسي، والنافذة مغلقة نصف إغلاق ينفذ منها نسيم ليلي بارد.
أخرجت هاتفي المحمول من جيبي، ونظرت إلى الشاشة السوداء دون أن أفتح أي تطبيق، ودون أن أقرأ أي رسالة، ثم ما لبثت أن أعدته إلى مكانه بأسف. لم يكن هناك في الحقيقة شيء معين أريد فعله أو أطمح إليه، لكنني في الوقت ذاته لم أكن مرتاحاً أبداً لفكرة أنني أقبع هنا هكذا، لا أفعل شيئاً يذكر، بينما الأحداث تمور خارج غرفتي.
قضيت وقتاً طويلاً، ربما ساعات، مستلقياً على ظهري فوق السرير، أحدق في السقف الأبيض الذي تحول في العتمة إلى لوح رمادي كئيب. مر وقت طويل لم أحسب دقائقه ولا ساعاته، فلا فرق عندي المرور الزمني إذا كانت النتيجة واحدة. ثم، بعد ذلك الصمت المديد، سمعت صوت حركة خفيفة، مفاجئة، تدور جوار باب غرفتي؛ كانت خطوات مترددة، تلاها حديث قصير، همسي، ثم عاد صوت الخطوات الوحيدة يتردد مجدداً في الممر.
لم ألتفت بجسدي فوراً نحو الباب لأرى من القادم، لكن هذا الصوت الخفي بقي يرن في رأسي ويتضخم أكثر مما بقي في المكان نفسه. ناديت حينها بصوت خفيف، مخنوق، لأكسر الحصار: «مريم؟»، فلم يجبني أحد فوراً، وبقي السكون سيد الموقف لثوان. ثم جاء صوتها الرقيق ينبعث من المطبخ، عادياً، طبيعياً، خالياً من أي نبرة فزع، كأنها ترد على سؤال عادي لا يحمل في طياته أي قلق أو تراث من الخوف: «نعم؟ ماذا تريد؟». وقبل أن أقول أي شيء آخر، أو أجيبها عن سؤالها، شعرت للحظة غريبة أنني نسيت تماماً ما كنت أنوي قوله أصلاً، أو ربما اكتشفت أنني لم أكن أنوي النطق بشيء محدد، بل كنت فقط أبحث عن صوت بشري يؤنس عزلتي.
وقفت قليلاً على قدمي، نفضت عني كسل الاستلقاء، ثم توجهت بخطى بطيئة إلى المطبخ حيث مصدر الصوت والحركة. كانت خطواتي في ذلك المساء أثقل بكثير مما هي عليه في الأيام العادية، كأن قدمي تنغرسان في طين لزج. حينما دخلت، رأيت عمراً واقفاً بالقرب من الطاولة، كان يمسك بمنشفة صغيرة بيضاء ويمسح يديه ببطء وتمهل، وكأنه انتهى لتوه من أداء مهمة عابرة أو تنظيف شيء ما.
التفت إلي حينما شعر بوجودي، وقال دون أن يرفع صوته كثيراً، بل بنبرة فيها مزيج من السخرية والعتب: «جاء الفتى المكتئب أخيراً! أخبرني زيد قبل قليل في اتصال هاتفي أنك دخلت شجاراً عنيفاً اليوم في باحة الجامعة؟ هل هذا صحيح؟». وزيد هذا هو صديق مشترك بيننا، يدرس معي في نفس الكلية وينقل الأخبار بسرعة.
مع نهاية جملته، رقصت حواجب عمرو بطريقة مغيظة، فيها الكثير من التحدي والخبث الطفولي، كأنما يبتزني بهذه المعلومة لأدفع له شيئاً، أو لأقوم بخدمته لكي يسكت ولا يبوح بهذا الخبر الصادم لأمي أو أبي، مما قد يسبب لي صداعاً حاداً أنا في غنى عنه في مثل هذه الظروف المشحونة.
كانت مريم في تلك الأثناء تقف أمام المغسلة، تغسل بعض الأكواب والأطباق المنزلية؛ كان الماء ينساب من الصنبور جارياً بشكل منتظم، محدثاً إيقاعاً رتيباً يشبه صوت المطر الخفيف. نظرت إلي للحظة واحدة بعينين ملؤهما الفضول والاهتمام، ثم سرعان ما عادت لما كانت تفعله وتنظفه، ونطقت بنبرة دافئة فيها الكثير من التضامن: «ليست هذه من عادتك يا معتصم، أنت أبعد الناس عن المشاكل.. ماذا فعل ذلك الأحمق الذي ضربته لتعضب هكذا؟».
اعترض عمرو سريعاً على كلماتها، ورفع يديه مستنكراً، وقال بلهجة فيها مزاح وتهكم: «ما هذا الانحياز السريع والأعمى إلى جانب أخيك دون سماع التفاصيل؟ أين الأخلاق الرفيعة التي تدفع الشخص النبيل إلى الانحياز إلى الحق بموضوعية بغض النظر عن صاحبه؟ وأين بغض الظلم بغض النظر عمن ارتكبه؟». لم يكن في ملامح مريم أي شيء يدعو للقلق أو الارتباك، بل ضحكت ضحكة خفيفة نقية كعادتها.
كانت مريم أصغر بنات أبي، وكان فرق السن بيننا يصل إلى تسع سنوات كاملة، وكنت لصغر سنها وبراءتها أغدق عليها من الدلال والهدايا والاهتمام ما لا تجده عند أبي المشغول دائماً أو أمي المريضة، مما جعلها في النهاية أقرب إلي نفسياً من أي فرد آخر في هذا المنزل. لذلك، كان تحيزها لي في كل خلاف يأتي عفوياً، طبيعياً، دون حاجة لتفكير.
والمضحك في الأمر أن عمراً، منذ طفولته الباكرة، كان مشهوراً بأنه شخص مشاغب، يحب إثارة المشاكل وتأجيج الحروب الصغيرة بين الإخوة، فكان يحاول بشتى الطرق الممكنة والحيل الخبيثة تجنيد مريم لتكون في صفه ضدي، ولم ينجح في ذلك أبداً رغم كل محاولاته الاستماتية. ردت مريم على كلماته التهكمية بثقة: «معتصم ذو مزاج معتدل جداً، ولا يبدأ شجاراً مع أحد بتاتاً، فلا بد أن هذا الشخص قد أساء إليه إساءة بالغة لا يمكن السكوت عنها».
استاء عمرو كثيراً من هذا الرد البارد، المنطقي، الخالي من أي إثارة عاطفية أو دراما بحث عنها ليتسلى بها في هذه الأمسية الرتيبة. جلس على طرف الطاولة الخشبية، ونظر إلي بتمعن وهو مستند بكتفه إلى إطار الباب الخشبي، ثم راح يسألني بإلحاح عن تفاصيل الشجار، وكيف بدأ، وماذا قيل فيه، لعله يجد في تلك القصة شيئاً يسليه أو يكسر به ملل النهار.
أجبته بنبرة جادة، فيها بقايا من الغضب المكتوم: «إنه ابن مسؤول نافذ جداً في الدولة، ويبدو أنه معتاد منذ صغره على الدلال الزائد والإفساد المالي والأخلاقي، كان وقحاً إلى أبعد الحدود داخل قاعة المحاضرة، وأهان أستاذي الكبير أمام الجميع بكلمات نابية، فوبخته توبيخاً شديداً لأزجره عن غيه. لا بد أنه شعر بالإهانة البالغة لتوبيخي إياه أمام العامة من الطلاب، فما كان منه إلا أن هجم علي وضربني، فدافعت عن نفسي بما أوتيت من قوة».
واكتفيت بذلك دون أن أذكر لهما أن توابع الأفعال كانت قاسية جداً علي نفسياً؛ إذ كدت أفصل من الجامعة فعلياً لولا تدخل عميد الكلية وشهادة عدد كبير من الطلاب الشرفاء الذين أكدوا أن ذلك الطالب المدلل هو من بدأ بالاعتداء أولاً. همهمت مريم عند سماعها القصة، وأشارت بيديها إلى عمرو بمعنى: «أرأيت؟ ألم أقل لك إن الحق معه؟»، لكن عمراً تجاهلها تماماً وتظاهر بعدم الانتباه لإشارتها.
علقت مريم وهي تغلق صنبور الماء بإحكام، فينقطع ذلك الإيقاع المائي: «تريدون شاياً ساخناً؟»، وبدا لي من خلال الهدوء المريح أن جميع الضيوف قد غادروا المنزل ولم يبق سوانا. هززت رأسي رفضاً واعتذاراً، فلم تسألني مرة أخرى احتراماً لرغبتي، وأعدت كأسين فقط، واحداً لها والآخر لعمرو.
ثم سألتني مريم فجأة، بنبرة فيها اهتمام جديد: «هل راسلتك سارة اليوم؟ لماذا لم تأت إلى المنزل حتى الآن؟». كانت أختنا الكبرى سارة قد حزمت أمتعتها وأغراضها منذ يومين لتأتي وتعتني بأمي عندنا في هذه الفترة الحرجة، لكنها وزوجها يعيشون في مدينة إربد، وهي بعيدة قليلاً عن مكان سكننا الحالي.
فأجبتها موضحاً الأمر: «قالت لي في رسالة إنها ستؤمن طفلها الرضيع عند جدته لأبيه، وتأخذ إجازة رسمية من العمل، ثم تأتي إلينا مباشرة». أخبرتهم بكل هذه التفاصيل البسيطة، فهمهموا جميعاً بعلامات الفهم والرضا.
خرجت من المطبخ بصمت، وتوجهت نحو الصالة الرئيسية؛ كان البيت في تلك الأثناء قد بدأ يهدأ تدريجياً ويتخفف من صخب النهار. الأصوات الكثيرة التي كانت قبل قليل ممتلئة بالحركة والنقاشات قد خفتت وماتت، وكأن المكان يستعيد شكله الطبيعي، الساكن، بعد أن أرهقته هذه الزيارة المفاجئة من الأقارب والجيران.
كان أبي في تلك الساعة يرافق أمي في غرفتها، يجلس بجانب سريرها ليطمئنها، فجلست أنا على الكرسي الهزاز القريب من النافذة الكبيرة دون أن أفكر في أي شيء محدد، تاركاً عقلي للفراغ. في الخارج، كانت الإضاءة السماوية قد بدأت تميل إلى ذلك اللون الأصفر الخفيف، الناحل، الذي يسبق هبوط الليل الكامل ويعلن نهاية النهار.
الشارع الممتد أمام البيت بدا هادئاً، أقل حركة وصخباً مما كان عليه قبل ساعات مضت، وكل شيء في الطبيعة حولي كان يوحي، بصمت، بأن هذا اليوم يقترب حتماً من نهايته بهدوء تام لا يلفت الانتباه. ومع ذلك كله، لم أشعر في أعماقي أن شيئاً قد انتهى فعلياً؛ إذ كان هناك امتداد غير واضح، مقلق في داخلي، كأن اليوم لم يغلق بعد، وكأن له بقية سيئة تنتظرني.
كان البيت قد دخل فعلياً في مرحلة مختلفة من الصمت؛ لم يكن صمتاً كاملاً، مطبقاً كصمت القبور، بل كان صمتاً غريباً، تتخلله بين الحين والآخر أصوات بعيدة، مألوفة: دقات ساعة الجدار الرتيبة، خرير الماء في أنبوب قريب، وبين الفينة والأخرى يصل إلى مسامعي صوت سيارة تمر مسرعة في الشارع الخارجي ثم يختفي سريعاً في المدى.
كانت الحياة مستمرة في دورانها دون أن تنتظر أحداً، ودون أن تلتفت لألم من يتألمون، وهذا تدقيقاً هو ما بدا لي أكثر شيء قاس وغير عادل في هذه اللحظة: أن ترى العالم لا يتوقف عن الحركة عندما يتعطل أو ينكسر شيء ثمين داخل روحك.
نهضت بعد ذلك ببطء شديد، ليس لأنني اتخذت قراراً معيناً، بل لأن البقاء في نفس المكان وعلى نفس الكرسي بدأ يصبح ثقيلاً، فوق قدرتي على الاحتمال والصبر. خرجت إلى الممر الطويل مجدداً لعلي أجد فيه بعض المخرج؛ كانت الإضاءة فيه أضعف مما كانت عليه قبل قليل، والمصابيح الصغيرة المعلقة تبدو لعيني وكأنها تتعب هي الأخرى ويخبو نورها مع مرور الساعات.
مررت بجانب باب غرفة أمي مرة أخرى بخطى خافتة، فتوقفت هناك لثوان معدودات دون سبب واضح، ووضعت يدي المرتجفة على مقبض الباب المعدني البارد دون أن أضغطه للأسفل. لم أدخل إليها لكيلا أقلق راحتها، ولم أبتعد فوراً؛ فقط بقيت واقفاً هناك، معلقاً في تلك المسافة الصغيرة، الحرجة بين الفعل وعدم الفعل، بين الرغبة في الاطمئنان والخوف من المواجهة، ثم تركت المقبض بأسف وعدت أدراجي إلى الخلف.
في الصالة، كان ذلك الكرسي الخشبي الذي جلست عليه قبل قليل لا يزال قابعاً في مكانه لم يتحرك، لكن شعوري النفسي تجاهه قد تغير تماماً عما كان عليه؛ فلم يعد في نظري مكاناً للراحة أو الانتظار الجميل، بل صار رمزاً وعلامة على الوقت الضائع الذي مر من عمري دون أن يترك خلفه شيئاً واضحاً أو ثميناً يمكن الإمساك به أو تقديره.
جلست عليه مجدداً بتعب، وهذه المرة دون أي محاولة مني لإخفاء شرودي الذهني أو قلقي أمام إخوتي إذا ما مروا بجانبي. أحسست فجأة، بثقل طاغ، أن كل ما حدث خلال هذا النهار المشحون يتداخل ويشتبك في عقلي بطريقة فوضوية، غير مرتبة: وجوم وجه أمي في الصباح الباكر، ونظرتها العميقة، وصوت العم رائد الخشن وهو يعزيني بكلماته، وضحك مريم الصافي في المطبخ، وذلك الشجار العنيف في باحة الجامعة، والجملة القاسية التي قالها لي زيد عبر الهاتف، ثم هذه الأمسية الرمادية التي لم تبدأ فعلياً بفرح ولم تنته بعد بسلام.
كان كل شيء حاضراً في رأسي في آن واحد، يصطخب ويمور، لكن دون أن يشكل في النهار معنى واحداً، واضحاً أو مفيداً يمكنني الاستناد إليه لأنام قرير العين. أغمضت عيني للحظة قصيرة، عميقة؛ لم أنم فيها فعلياً، لكنني شعرت بأنني أبتعد قليلاً عن المكان وعن همومه الطاحنة، وعندما فتحتهما مجدداً بعد ثوان، كان البيت كما هو في سكونه، لكنني لم أعد متأكداً، في قرارة نفسي، إن كنت أنا هو نفس الشخص الذي كان هنا قبل دقائق.