Masukمهما تكن المرأة قوية، أمام رجلٍ سكران تظلّ غير قادرةٍ على المقاومة.تراجعت مقاومة سارة شيئًا فشيئًا، وكفّ بشير مرّ على خصرها الرشيق، فارتجفا معًا من الألفة.ولمّا هبطت قبلته عند ترقوتها، سمعت خفق قلبها يخرج عن إرادتها.تناثرت الثياب على الأرض، وألقى ضوء القمر عبر الستارة ظلالًا مبقّعة على السرير.كان فعلُ بشير تارةً رقيقًا وتارةً قاسيًا، كأنه يوثّق وجودها.عضّت سارة شفتها تكتم أنفاسها، ثم انهار صبرها في النهاية.بعد ذلك لم يبقَ في الغرفة غير أنفاسٍ متداخلة.أسندت سارة جسدها المنهَك وقالت: "هل أستطيع أن أغادر؟"ضمّها بشير من الخلف فجأةً، واشتدّت ذراعاه كـكماشة من حديد.قال بشير بصوتٍ متهدّج فيه رِقّةٌ غير مسبوقة: "سارة… لماذا لا أظفر منكِ بأقلّ قليلٍ من الردّ؟"سقطت قطرةٌ دافئة على كتفها.استدارت سارة مذهولةً، فرأت احمرار عيني بشير.هذا الرجلُ الذي لا يضطرب أمام الناس كان الآن يدمعُ أمامها.انقبض صدرُ سارة بغتةً، كأن يدًا خفيةً تعصره.دفن بشير وجهه في شعرها الطويل وقال: "منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها واقفةً على منصّة القفز… لم أعد أرى سواكِ."صحَت سارة عند هذه الجملة، وتذكّرت صورته
قالت شرين: "ماذا؟ أتأسفين على رحيلي؟"قالت سارة: "كنتُ متهوّرة في السابق، لا ينبغي أن أجرّكِ إلى الأمر."ضحكت شرين فجأة، وقرصت خدّ سارة وقالت: "يا حبيبتي، شكلك في الاعتذار جميل."همست شرين قرب أذن سارة وعطرها يلفّ المكان: "لكنني لا أبالي بهذه الأشياء."تراجعت خطوة وحدّقت فيها صعودًا وهبوطًا وقالت: "صدقًا، يعجبني هذا الحزم لديكِ."ونقرت بأطراف أصابعها عند صدرها وقالت: "المرأة هكذا؛ حين يلزم الحزم لا تتردّد."اشتدّ المطر، ففتحت شرين مظلّةً سوداء، ثم جدّت بملامحها وقالت: "لكن دعيني أذكّركِ: بعد خروجكِ من عائلة راشد لن تكون الأيام سهلة."وقالت بعينين حادّتين: "كفرخٍ خرج من الحماية؛ اللواتي يطمعن في مقعد سارة سيمزّقنكِ بلا رحمة."قالت سارة بابتسامةٍ دقيقة ولمعةٍ في العين: "أُحسن الردَّ بالمثل."قهقهت شرين، رشيقةً وفي ضحكتها مسّ خطر، وقالت: "حسنًا! هذه سارة التي أعرفها."قالت شرين: "بحكم أنك ناديتِني يا زوجة الأخ، إن احتجتِ يدًا فاطلبيها." ثم مضت بكعبها العالي، وتناثرت رذاذاتٌ لامعة كحبات الماس تحت الضوء.كان المطر غزيرًا جدًا؛ لمّا عادت سارة إلى مجمع الصفوة كان شعرها مبتلًّا، وقطرات الماء ت
زجاج المقهى مُلبّد بضبابٍ رقيق، وسارة تحدّق في انعكاسٍ مُشوَّش، وأطراف أصابعها تفرك حافة الفنجان بلا وعي.قال أمجد: "هل يمكن أن أجلس هنا؟"رفعت سارة رأسها؛ كان أمجد واقفًا عند الطاولة، ومعطفه الأسود مُوشَّحٌ برذاذ المطر.وكان يحمل باقة الفاونيا، وعلى بتلاتها حبّاتُ الندى.قال أمجد وهو يضع الباقة برفق: "سمعتُ بشأن جدّتكِ، اصبري واحتسبي."قالت سارة: "شكرًا يا أخي الكبير."تعمدت البُعد في النداء، لكنها لمحت بلا قصد خلوَّ بنصره من الخاتم.أعاد أمجد يده إلى جيبه كأنه تنبّه للنظرة، وقال مشيرًا: "هذه القهوة عندهم… اللاتيه"قالت سارة: "أفضل القهوة الأمريكية."في الشبكة قالت له قديمًا إنها تحب اللاتيه؛ الآن تُغلق كل ثغرة للريبة.ولو تركت بشيرًا، فلن تعود لأي صلةٍ بعالم أمجد الشبكي.ابتسم أمجد بطرف الشفتين وأشار للنادل: "قهوة أمريكية، بشرابٍ مضاعف."سكت لحظة ثم قال: "شبهين كثيرًا شخصًا عرفته قديمًا."رنّ الفنجان على الصحن رنّةً صافية.لم يقلها عبثًا؛ لعلّه لمح شيئًا، أو عرف أنها "حبة السكر" في الواتساب.تماسكت سارة وسألت مصطنعةً: "وذلك الشخصُ القديم… هل يعني لك كثيرًا يا أمجد؟"لم يُجب، وأخرج بط
عند الخامسة واثنتي عشرة فجرًا، انفجرت تصريحُ طلاقِ سارة كقنبلة فوق العاصمة.لم يكن هناك إنذار محامٍ ولا بيان علاقات عامة، بل سطرٌ بارد على حسابها الشخصي: "اعتبارًا من اليوم تُنهى رابطة الزواج بين سارة وبشير، ومن الآن فصاعدًا لا صلة بين رجل وامرأة."قسمُ الإعلام في مجموعة راشد اشتعل فورًا، وتوالت اتصالات الصحافة، أمّا بشير فكان قد عاد للتو إلى مجمع الصفوة حين رأى الإشعار.لقد حَرَمَته حتى من فرصةِ الحديث وجهًا لوجه.بردُ شاشة الهاتف انعكس على وجهه الذي اسودّ فجأة، وابيضّت مفاصل أصابعه من القبض، وارتسم عند شفتيه قوسٌ حادّ.عندما سمع صوتَ الباب، كانت سارة تضع آخرَ قطعةٍ في الخزانة؛ توقفت أناملُها لحظةً ولم ترفع رأسًا.قال بشير: "ألا كلام لديكِ؟"اتكأ على عتبة الباب، سترته على كتفه بإهمال، ونبرته خفيفة كأنه يسأل عن طقس اليوم.قالت سارة: "ألا يفهم بشير الجملة؟"قال بشير: "أفهم، لكن هذه المفاجأة... بأيّ طريقةٍ أردّ لكِ الهدية؟"قالت سارة: "قراري محسوم، أم ما زال غيرُ واضح لبشير؟"كان صوتُها خفيضًا، لكنه كخنجرٍ انغرس في صدر بشير.تجمدت ابتسامته، ولمعت في عينيه لمحة من الألم والجرح، ثم عاد إلى
في غرفة كبار الشخصيات في نادي بلاتينيوم كانت الأضواء خافتة، والنبيذ في الكؤوس يعكس حُمرة داكنة.اتكأ بشير على أريكةٍ جلدية، وساقاه متشابكتان، وأصابعه تنقر حافة الكأس كسلًا، وعيناه تُخفيان ظلًا ثقيلًا.دخل سامي دافعًا الباب فرأى المشهد على حاله.سامي: "يا سلام، ما الخبر يا سيد بشير؟ نصف الليل وتستدعيني لشرب الكآبة؟"بشير: "إن لم ترد الشرب فاخرج."سامي: "غضبك عالٍ؟" ثم صبّ لنفسه وجلس مقابله: "دعني أخمّن،"سامي: "هل تشاجرت مع سارة؟"بشير رمقه ببرود: "كلامك كثير هذه الأيام."سامي ضاحكًا: "إذًا أصبتُ التخمين."سامي يلوّح بالكأس: "ألِبن راشد الثاني يومٌ كهذا؟ ترميك زوجتك فتلوذ هنا بالكأس؟"بشير ساخرًا: "أنت الذي بلا زوجة، ماذا تفهم؟"سامي: "لا أفهم،" ثم رفع حاجبه: "لكن أعرف من يتظاهر بالهدوء وقلبه يشتعل."سامي مشيرًا إلى صرامة وجه بشير: "تمامًا هكذا الآن."بشير ببرودة: "كيف وصلتم في موضوع الصور؟"سامي كفّ عن الابتسام، وضع الكأس وصَفّق بيده.انفتح الباب، وحرسٌ اثنان يدفعان رجلًا ناحلًا إلى الداخل.لو لم تُدقّق لما عرفتَه؛ مدّةٌ قصيرة قلبته جِلدًا على عظم، أيامه كانت سوداء.الرجل مطرق، وعلى رس
شدّ بشير أصابعه على المقود حتى ابيضّت مفاصله.حدّق في سارة الواقفة على الدرج، وكانت في عينيه أمواجٌ معتمة مضطربة.قال بسخرية خفيفة: "طلاق؟" ثم دفع باب السيارة وتقدّم إليها: "يا سارة، أَنَسِيتِ شيئًا؟"وقفت سارة في مكانها، والريح ترفع خصلاتها فتغطي نصف وجهها الشاحب.أخرجت بهدوء ملفًا من حقيبتها وقدّمته أمامه: "اتفاق الطلاق، لا أريد شيئًا."لم يأخذْه بشير، وانخفضت نظراته إلى مفاصل أصابعها تنزف، فاسودّ بصره: "ما بالُ يدك؟"قالت سارة: "غير مهم." ثم سحبت يدها ببرود وقالت: "اقرأه، وإن لم ترَ مانعًا فَوَقِّع."قال بشير: "وعدتُ الجدة أن أرعاكِ." ثم تمتم: "لم تنتهِ الأشهرُ الثلاثة، لن أوقّع."رفعت سارة عينيها إليه ببرودٍ ساكن وقالت: "الجدةُ رحلت."قال بشير وهو يقترب وضغطُ أنفاسه يشتد: "ولهذا تُسارعين إلى قطع الصلة؟" ثم قال: "عظامُها لم تبرد بعد وتطلبين الطلاق، ألن تغضب؟"طعنتْ كلماتُه صدرَ سارة كالسهم.ارتجف طرفُ أناملها، ثم تماسكت بابتسامةٍ يابسة وقالت: "هذه الزيجة كانت مسرحًا للجدة؛ رحلتِ المُشاهِدة، فعلى الممثلين الانصراف."أطال النظر فيها ثم تبسّم وقال: "حسنًا، معكِ حق."تناول اتفاقَ الطلاق







