مشاركة

انفاس الأمان

مؤلف: ساندي
last update تاريخ النشر: 2026-06-28 22:23:27

الأيام والأسابيع التي تلت ليلة الانكسار لم تكن سهلة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل إيلينا تكتشف في نفسها قوة لم تكن تعلم بوجودها. في تلك الورشة الصغيرة الدافئة التي تملكها صوفيا، وجدت إيلينا الحصن الذي طالما بحثت عنه؛ مكان لا يصله صخب المدينة، ولا تطاله نظرات القسوة، ولا تمتد إليه مخالب الماضي.

​كانت الورشة بسيطة للغاية؛ غُريّفة مليئة بلفافات الثوب الملون، وخيوط الحرير المبعثرة، وماكينة خياطة قديمة تصدر صوتاً رتيباً أصبح مع الوقت بمثابة معزوفة مهدئة لعقل إيلينا المتعب. في البداية، كانت إيلينا تعمل بصمت، واضعة كل حزنها وطاقتها المكبوتة في مقص الحديد وإبر التطريز. كانت كل غرزة تغرزها في القماش، وكأنها تخيط بها جرحاً من جروح روحها.

​مع مرور الوقت، وبفضل حنان صوفيا ودعمها اليومي، بدأ الخوف المتجذر في أعماق إيلينا يتلاشى تدريجياً. بدأت ضحكتها الخجولة تعود لتزين المكان،

فلم يعد هناك وقت للخوف أو التفكير بين لفافات الثوب و تسليم الطلبات و اقتناء لوازم الخياطة كانت إيلينا تعود في المساء الى قبوها وهي تشعر بالتعب من يوم طويل و مرهق لكن كانت تشعر بالسعادة والراحة النفسية .بدأ شعور الأمان الذي ظنت أنها فقدته للأبد بدأ يتسلل إلى قلبها من جديد. لأول مرة منذ فترة طويلة، أصبحت قادرة على النوم ليلاً دون أن تستيقظ مذعورة من كوابيس تلك الليلة المشؤومة، وبدأت تتقبل جسدها وتتصالح مع مرآتها، شاعرة بأن النقاء الحقيقي ينبع من روحها الطاهرة التي لم تلوثها قسوة الظروف التي ليست لها يد فيهافهي ضحية لقسوة الحياة

​ولم يكن التعافي نفسياً فقط، بل انعكس سحره على العمل أيضاً. كانت إيلينا تمتلك لمسة إبداعية فريدة وذوقاً رفيعاً في تنسيق الألوان وتصميم التفاصيل الصغيرة التي لم تكن تخطر على بال أحد. بدأت الأثواب التي تخرج من تحت يديها تلفت الأنظار بجمالها وغرابتها.

​سيدتان من الحي، ثم أربع، ثم بدأت نساء من أحياء أخرى يتوافدن على ورشة صوفيا الصغيرة، يسألن خصيصاً عن اللمسات السحرية للفتاة الجديدة. ازدهرت الخدمة بشكل غير مسبوق، وأصبحت حركة البيع والشراء في تصاعد يومي. إيلينا كانت تصب كل مشاعرها الخانقة داخل الورشة كل حزنها وطاقتها المكبوتة في مقص الحديد وإبر التطريز لتصنع من الأثواب تحفا تعشقها العيون قبل القلوب و حرصها على التفاصيل الصغيرة الدافئة والفاخرة في نفس الوقت يجعل من يشتري ثوبا من ورشة صوفيا وإيلينا يدعمها و يساعد في انتشار عملها ذلك بسبب تعاملها اولا مع الزبائن ولطفهما مع الجميع و كذا جودة الملابس التي يصنعونها و تفاصيلها .

امتلأ صندوق الورشة الخشبي الصغير بالمال، ومعه امتلأت قلوبهما بالرضا والفخر والسعادة.

​في نهاية أحد الأيام الحافلة بالعمل، جلست صوفيا وإيلينا على الأرضية الخشبية وسط بقايا الأقمشة، وتأملتا صندوق الأرباح الصغير وهو يكاد يفيض. نظرت صوفيا إلى وجه إيلينا الذي عادت إليه الحمرة والحياة، وقالت بابتسامة واسعة وعينين تلمعان بالفرح:

"ألم أقل لكِ يا إيلينا؟ نحن معاً لا نُهزم. انظري إلى هذا النجاح الكبير ... الورشة أصبحت تضيق بزبائنها، وكل هذا بفضل يديكِ المبدعتين وإصراركِ. لقد استعدنا حياتنا بشرفنا و عملنا ، والآتي سيكون أجمل بكثير".

​ابتسمت إيلينا بامتنان عميق، ونظرت إلى يديها اللتين كانتا بالأمس ترتجفان من الرعب، واليوم تصنعان الجمال والأمل. تنفست الصعداء، ولأول مرة، شعرت بأنها تقف على أرض صلبة، وأن الأمان قد عاد ليحيط بها من كل جانب، محصناً إياها من أي عاصفة قد تأتي.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • طفل الإمبراطور الغامض   انفاس الأمان

    الأيام والأسابيع التي تلت ليلة الانكسار لم تكن سهلة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل إيلينا تكتشف في نفسها قوة لم تكن تعلم بوجودها. في تلك الورشة الصغيرة الدافئة التي تملكها صوفيا، وجدت إيلينا الحصن الذي طالما بحثت عنه؛ مكان لا يصله صخب المدينة، ولا تطاله نظرات القسوة، ولا تمتد إليه مخالب الماضي.​كانت الورشة بسيطة للغاية؛ غُريّفة مليئة بلفافات الثوب الملون، وخيوط الحرير المبعثرة، وماكينة خياطة قديمة تصدر صوتاً رتيباً أصبح مع الوقت بمثابة معزوفة مهدئة لعقل إيلينا المتعب. في البداية، كانت إيلينا تعمل بصمت، واضعة كل حزنها وطاقتها المكبوتة في مقص الحديد وإبر التطريز. كانت كل غرزة تغرزها في القماش، وكأنها تخيط بها جرحاً من جروح روحها.​مع مرور الوقت، وبفضل حنان صوفيا ودعمها اليومي، بدأ الخوف المتجذر في أعماق إيلينا يتلاشى تدريجياً. بدأت ضحكتها الخجولة تعود لتزين المكان،فلم يعد هناك وقت للخوف أو التفكير بين لفافات الثوب و تسليم الطلبات و اقتناء لوازم الخياطة كانت إيلينا تعود في المساء الى قبوها وهي تشعر بالتعب من يوم طويل و مرهق لكن كانت تشعر بالسعادة والراحة النفسية .بدأ شعور الأمان الذي ظنت

  • طفل الإمبراطور الغامض   طريق العودة وقرار الفجر الجديد

    ​كانت شوارع نيويورك في تلك الساعة من الليل تبدو باهتة وقاسية، وكأنها تعكس الخراب الذي حل بقلب إيلينا. الهواء البارد كان يلفح وجهها الشاحب، يمر عبر خصلات شعرها الممتزجة بدموعها الجافة، لكنها لم تكن تشعر ببرودة الطقس؛ فقد كان الصقيع الذي يجمد أطرافها نابعاً من داخلها، من صدمة تلك الليلة المشؤومة في جناح ذلك الإمبراطور. ​خرجت إيلينا من الباب الخلفي للملهى بخطوات ثقيلة ومترددة، تكاد ساقاها العاجزتان لا تحملانها. كانت تلتفت وراءها بين الحين والآخر بذعر، يخيّل إليها أن حراس ألكسندر كينغستون يقتفون أثرها في الظلام. أنفاسها المتسارعة كانت تخرج كبخار أبيض في الهواء، ممتزجة بشهقات مكتومة تحاول حبسها في صدرها. ​وفي الجهة المقابلة من الزقاق المظلم، تحت إنارة عمود الشارع الخافتة، كانت صوفيا واقفة ترتجف من البرد والخوف، وعيناها معلقتان بمخرج الملهى وهي تأكل أظافرها قلقاً على صديقتها. وفور المحها لجسد إيلينا النحيل وهو يخرج بتلك الطريقة المنكسرة، انتفضت صوفيا من مكانها وأسرعت نحوها والشكوك تأكل قلبها. ​لم تكد صوفيا تصل إليها وتلمس كتفها، حتى تراجعت خطوة إلى الوراء من شدة الصدمة. أمامها، كانت إيلي

  • طفل الإمبراطور الغامض   خيوط الفجر واللغز المتبقي

    بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببرود وبطء شديد عبر الستائر الشفافة للجناح الملكي رقم 7، كاشفة عن بقايا ليلة عاصفة ومريرة هزت أركان المكان وغيرت مصير شخصين للأبد. ومع تراجع عتمة الليل وانقشاع سوادها، بدأت "إيلينا" تفتح عينيها العسليتين ببطء وألم حاد. شعرت بثقل رهيب يجثم على صدرها، ووجع جسدي ونفسي لا يطاق يمزق أوصالها بالكامل كأن قطاراً مدراً قد مر فوق جسدها النحيل.​التفتت بجانبها بذعر وقلق عارم، لتجد ألكسندر مستغرقاً في نوم عميق وثقيل جداً بجانبها. كان وجهه الحاد والوسيم يبدو هادئاً على غير العادة بعد انقشاع مفعول المخدر الخبيث وتراجعه، وشعره الأسود الفاحم مبعثراً بجنون فوق الوسادة البيضاء.​استرجعت إيلينا شريط الأحداث المؤلمة للليلة الماضية؛ صرخات توسلها المبحوحة، يده القوية التي منعتها من الهرب، وقسوته الغائبة عن الوعي والعقل.. فتدفقت الدموع الساخنة واللاذعة على وجنتيها الشاحبتين بكثافة. نظرت إلى قميصها الأسود الحريري الممزق بالكامل، وإلى بقع الدم القانية والنقية التي صبغت السرير المخملي الفاخر، فشعرت بغصة ذل، وانكسار، ومهانة لا يمكن لوصف في هذا العالم أن يعبر عنها. كانت هذه ليلتها ال

  • طفل الإمبراطور الغامض    ليلة تحت تأثير الإعصار

    أحكمت يد ألكسندر القوية كالقيد الحديدي على معصم إيلينا النحيل، وجذبتها نحو صدره العريض والساخن بقوة جارفة جعلت أنفاسها تتوقف وعظامها تكاد تتداخل من شدة الضغطة. حاولت إيلينا التراجع والهرب بكل ما أوتيت من قوة، لكن جسد أليكس الضخم والرياضي كان مثل جدار إسمنتي عازل يحاصرها من كل الجهات، ويمنع عنها أي مفر. كانت عيناه الرماديتان اللتان تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بنيران المخدر تنظران إليها دون إدراك، أو وعي بالواقع، أو معرفة بهوية الفتاة التي يقبض عليها.​"سـ.. سيدي! أرجوك، اتركني.. أنت لست في وعيك! هناك خطأ ما!" صرخت إيلينا بصوت مخنوق ومرتعد وهي تضع يديها الصغيرتين على صدره العاري محاولة دفعه بعيداً عنها، لكن محاولاتها كانت كمن يحاول إيقاف قطار مندفع بيدين عاريتين.​لكن ألكسندر لم يكن يسمع شيئاً في تلك اللحظة؛ فالمخدر الخبيث الذي وضعت سيلين قطراته في كأسه كان قد تملك حواسه بالكامل، وعطل مراكز عقله الصارم. جعلته نيران المادة الشامة يرى في ملامح إيلينا الملائكية الطاهرة الملاذ الوحيد والواحة الباردة لإطفاء الجحيم اللافح الذي يحرق عروقه ويسري في دمائه. انحنى نحوها وضغط على جسدها الرقيق فوق ال

  • طفل الإمبراطور الغامض   الفخ والصدفة العاصفة

    تجرع ألكسندر المشروب دفعة واحدة ليروي جفاف حلقه اللافح، ووضع الكأس الكريستالي فوق الطاولة الزجاجية بعنف خفيف أحدث رنيناً صادماً في أرجاء الجناح الملكي رقم 7. عاد برأسه إلى الخلف، وأغلق عينيه الرماديتين محاولاً استعادة هدوئه وطرْد طيف تلك الفتاة ذات العيون العسلية التي غادرت المكان قبل قليل. ​لكن، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى شعر أليكس بأن هناك خطأً رهيباً يحدث في جسده. ​بدأت حرارة مفاجئة ولافحة تسري في عروقه كالنار المستعرة، ونبضات قلبه تسارعت بشكل جنوني وغير طبيعي حتى كادت تخترق صدره. شعر باختناق شديد وضيق في التنفس، فمد يده المرتجفة ومزق ربطة عنقه كلياً ورماها أرضاً، ثم فتح المزيد من أزرار قميصه الأبيض وهو يحاول التقاط أنفاسه المقطوعة. لم يكن هذا تأثيراً عادياً للإرهاق، أو التعب، أو حتى الكحول؛ كان جسده يشتعل بالكامل، ورؤيته بدأت تشوش وتتحول إلى ضباب مهتز ومضطرب، بينما تملكت حواسه رغبة عارمة ومبهمة أفقدته القدرة على التفكير العقلاني أو اتخاذ أي قرار منطقي. ​"تباً... ما الذي... يحدث لي؟" زمجر أليكس بصوت مبحوح، ثقيل ومخيف وهو يحاول الوقوف على قدميه، لكن ركبتيه خانتاه ليعود ساقطاً عل

  • طفل الإمبراطور الغامض   اللقاء الأول ونظرات الصدمة

    دفعت إيلينا الباب الخشبي الضخم والمنقوش للجناح الملكي رقم 7 بكتفها المرتجف، وتسللت إلى الداخل بخطوات حذرة للغاية وهي تحمل الصينية الفضية بين يديها كمن يحمل قنبلة موقوتة. كان الجناح غارقاً في إضاءة خافتة وساحرة مائلة للون الذهبي والأزرق الداكن، وتفوح في أرجائه الفسيحة رائحة عطر رجلي فاخر ومهيب، ممزوج بنكهة سيجار كوبي غالي الثمن كان قد غادر صاحبه الغرفة للتو. كان الصمت الذي يلف الغرفة عميقاً ومطبقاً، كافياً لتسمع إيلينا دقات قلبها المتسارعة التي كانت تقرع في صدرها بقوة غريبة.​على الأريكة الجلدية الضخمة المصنوعة من الجلد الإيطالي الأسود في منتصف الجناح، كان يستلقي "ألكسندر كينغستون" بمفرده. كان قد نزع سترته الرسمية الفاخرة ورماها بإهمال جانباً، وفك الأزرار الأولى لقميصه الأبيض الأنيق، كاشفاً عن عضلات صدره القوية وبشرته السمراء، بينما كانت يده اليمنى ذات الأصابع الطويلة تستقر فوق جبهته بإنهاك شديد وضغط واضح، محاولاً طرد بقايا يوم عمل طويل وشاق في صراعات البورصة والشركات.​سارت إيلينا فوق السجاد المخملي السميك الداكن الذي كان يكتم صوت حذائها ذو الكعب المتوسط، وتقربت من الطاولة الزجاجية ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status