เข้าสู่ระบบكانت شوارع نيويورك في تلك الساعة من الليل تبدو باهتة وقاسية، وكأنها تعكس الخراب الذي حل بقلب إيلينا. الهواء البارد كان يلفح وجهها الشاحب، يمر عبر خصلات شعرها الممتزجة بدموعها الجافة، لكنها لم تكن تشعر ببرودة الطقس؛ فقد كان الصقيع الذي يجمد أطرافها نابعاً من داخلها، من صدمة تلك الليلة المشؤومة في جناح ذلك الإمبراطور.
خرجت إيلينا من الباب الخلفي للملهى بخطوات ثقيلة ومترددة، تكاد ساقاها العاجزتان لا تحملانها. كانت تلتفت وراءها بين الحين والآخر بذعر، يخيّل إليها أن حراس ألكسندر كينغستون يقتفون أثرها في الظلام. أنفاسها المتسارعة كانت تخرج كبخار أبيض في الهواء، ممتزجة بشهقات مكتومة تحاول حبسها في صدرها. وفي الجهة المقابلة من الزقاق المظلم، تحت إنارة عمود الشارع الخافتة، كانت صوفيا واقفة ترتجف من البرد والخوف، وعيناها معلقتان بمخرج الملهى وهي تأكل أظافرها قلقاً على صديقتها. وفور المحها لجسد إيلينا النحيل وهو يخرج بتلك الطريقة المنكسرة، انتفضت صوفيا من مكانها وأسرعت نحوها والشكوك تأكل قلبها. لم تكد صوفيا تصل إليها وتلمس كتفها، حتى تراجعت خطوة إلى الوراء من شدة الصدمة. أمامها، كانت إيلينا منهارة تماماً، فستانها مبعثر، وجهها مغطى بالدموع، وعيناها تحملان رعباً وانكساراً لم تره صوفيا من قبل. وقبل أن تنطق صوفيا بكلمة واحدة تسألها عما حدث، ارتمت إيلينا في حضنها بكل ما تبقى لها من قوة. سقطت الفتاتان على الرصيف البارد للزقاق المهجور، بينما انفجرت إيلينا في بكاء مرير وهستيري، يهز جسدها بالكامل، كأنها تحاول غسل تفاصيل تلك الليلة بدموعها. صوفيا، رغم رعبها وجهلها بما حدث داخل ذلك الجناح الفخم، ضمت صديقتها بقوة إلى صدرها، وأخذت تمسح على شعرها بيدين مرتجفتين وهي تهمس لها بخوف: "أنا هنا.. إيلينا، أنا معكِ.. لنؤمّن أنفسنا أولاً ونبتعد عن هذا المكان الملعون". بصعوبة بالغة، استجمعت صوفيا قوتها وساعدت إيلينا على الوقوف، وألبستها معطفها الدافئ لتغطي انكسارها. وتحت جنح الظلام، وفي صمت رهيب لم تكسره سوى شهقات إيلينا المكتومة، سارت الفتاتان بخطوات متسارعة وخائفة عبر الأزقة الضيقة، متوجهتين صوب ملجأهما الوحيد؛ ذلك القبو الضيق والبارد، حيث يمكن لإيلينا أن تنهار بأمان بعيداً عن عيون هذه المدينة القاسية. مع خيوط الفجر الأولى التي تسللت عبر النافذة الصغيرة المرتفعة للقبو، لم يكن هذا الصباح يحمل معه أي تجدد أو أمل لإيلينا. استيقظت بجسد متخشب، وكأنها خاضت حرباً طاحنة طوال الليل. عيناها كانتا منفوختين وثقيلتين من كثرة البكاء الهستيري، وجفونها تؤلمها بشدة. نظرت إلى سقف القبو الرمادي، وشعرت بثقل جبل جاثم على صدرها؛ فالوعي الذي يعود للمرء بعد ليلة الصدمة يكون أكثر قسوة من الصدمة ذاتها. نهضت إيلينا ببطء، وتوجهت بخطوات مهزوزة نحو الحمام الصغير الملحق بالقبو. كانت تتحرك كآلة مسيرة، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من المشاعر المظلمة. فور دخولها، أغلقت الباب خلفها وسندت ظهرها عليه، مغمضة عينيها وهي تحاول استنشاق الهواء، لكن ما كان يملأ صدرها ليس سوى شعور خانق بالاشمئزاز العارم من نفسها. فتحت صنبور المياه، ولم تنتظر حتى يسخن الماء؛ بل وقفت تحت رذاذ الماء البارد مباشرة، كأنها تعاقب جسدها. انهمر الماء على رأسها، ممتزجاً بدموعها المتجددة التي نزلت في صمت مرير. أخذت إيلينا تمسك بقطعة الصابون وتبتسم بمرارة وانكسار وهي تبدأ في حك جلدها بعنف. لم تكن تغتسل كالعادة، بل كانت تحك يدها، وذراعيها، وجسدها بالكامل بقسوة بالغة، مرت تلو الأخرى وبلا توقف. كانت تحك جلدها حتى تحول لونه إلى الأحمر القاني، وكأنها تحاول قشعه تماماً، أو إزالة طبقة خفية تلوثت في تلك الليلة المشؤومة. كانت صورة ألكسندر ونظراته تلاحقها تحت الماء، وكلما تذكرت لمساته القاسية وتوسلاتها التي سحقت تحت قدميه، كانت تزيد من حدة الحك، مستخدمة أظافرها حتى كادت تدمي نفسها. كان الخوف والاشمئزاز يتملكانها؛ إذ لم تكن قادرة على تقبل الفكرة البشعة التي تنهش روحها: لقد فقدت براءتها وعفتها الريفية التي طالما حافظت عليها. شعرت بأنها لم تعد تلك الفتاة الطاهرة البريئة التي غادرت قريتها محملة بالأحلام الكبيرة، وأن دنس تلك الليلة قد انطبع في أعماقها ولن يزول، مهما صبت من ماء ومهما حاولت الغسيل. جلست إيلينا على أرضية الحمام الباردة، واضعة رأسها بين ركبتيها، والماء يتدفق فوقها، بينما انطلقت منها شهقة متألمة ومكتومة. كانت تشعر بالضياع التام وبتشوه داخلي لا يمكن إصلاحه. خارج الحمام، كانت صوفيا قد استيقظت بالفعل، وسمعت صوت الماء المستمر لمد طويل مصحوباً بتلك الشهقات الممزقة. كانت قد أعدت فطوراً بسيطاً جداً من الخبز والشاي، ينم عن فقرهما الباقي. وقفت أمام باب الحمام تدق عليه برفق شديد وصوت يملأه الحنان والقلق: "إيلينا... حبيبتي، أرجوكِ اخرجي... سيمرضكِ الماء البارد. أنا هنا معكِ". بعد دقائق، خرجت إيلينا وهي تلف جسدها المرتعش بملابس قطنية قديمة، وجهها شاحب كالأموات وعيناها خاويتان من أي حياة. لم تنظر إلى وجه صوفيا؛ بل توجهت مباشرة إلى زاوية السرير. جلست صوفيا بجانبها ببطء، وأمسكت يديها الحمراوين والباردتين، وضغطت عليهما بحزم وحب كبير. نظرت صوفيا في عيني إيلينا وقالت بصوت قاطع لا يقبل الشك: "استمعي إليّ جيداً يا إيلينا. ما حدث في تلك الليلة ليس خطأكِ، أنتِ ضحية لقسوة هذا العالم ووحشيته. ولن نسمح لداك المكان الملعون أن يدمر ما تبقى من حياتنا. خذي هذا العهد مني: لن تطأ قدمكِ ذلك الملهى مجدداً، ولو مِتنا جوعاً في هذا القبو". صمتت صوفيا قليلاً، ثم تابعت بابتسامة دافئة تحاول بها بث الأمان في قلب صديقتها المكسورة: "منذ اليوم، ستكونين دارعي الايمن ونعمل في ورشة الخياطة و نتشارك الرغيف ولا تقلقي سأكون معاك دائما حتى نحقق اهدافنا و تطيب جراحك. نحن معاً، ولن يقوى أي إمبراطور على كسرنا مجدداً". رفعت إيلينا عينيها ببطء نحو صوفيا، ولأول مرة منذ ساعات، شعرت ب دفق صغير من الدفء يمر عبر يديها الباردتين، عهد الصداقة الحقيقية كان هو القشة الوحيدة التي تتمسك بها لكي لا تغرق تماماً في مستنقع اليأس.الأيام والأسابيع التي تلت ليلة الانكسار لم تكن سهلة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل إيلينا تكتشف في نفسها قوة لم تكن تعلم بوجودها. في تلك الورشة الصغيرة الدافئة التي تملكها صوفيا، وجدت إيلينا الحصن الذي طالما بحثت عنه؛ مكان لا يصله صخب المدينة، ولا تطاله نظرات القسوة، ولا تمتد إليه مخالب الماضي.كانت الورشة بسيطة للغاية؛ غُريّفة مليئة بلفافات الثوب الملون، وخيوط الحرير المبعثرة، وماكينة خياطة قديمة تصدر صوتاً رتيباً أصبح مع الوقت بمثابة معزوفة مهدئة لعقل إيلينا المتعب. في البداية، كانت إيلينا تعمل بصمت، واضعة كل حزنها وطاقتها المكبوتة في مقص الحديد وإبر التطريز. كانت كل غرزة تغرزها في القماش، وكأنها تخيط بها جرحاً من جروح روحها.مع مرور الوقت، وبفضل حنان صوفيا ودعمها اليومي، بدأ الخوف المتجذر في أعماق إيلينا يتلاشى تدريجياً. بدأت ضحكتها الخجولة تعود لتزين المكان،فلم يعد هناك وقت للخوف أو التفكير بين لفافات الثوب و تسليم الطلبات و اقتناء لوازم الخياطة كانت إيلينا تعود في المساء الى قبوها وهي تشعر بالتعب من يوم طويل و مرهق لكن كانت تشعر بالسعادة والراحة النفسية .بدأ شعور الأمان الذي ظنت
كانت شوارع نيويورك في تلك الساعة من الليل تبدو باهتة وقاسية، وكأنها تعكس الخراب الذي حل بقلب إيلينا. الهواء البارد كان يلفح وجهها الشاحب، يمر عبر خصلات شعرها الممتزجة بدموعها الجافة، لكنها لم تكن تشعر ببرودة الطقس؛ فقد كان الصقيع الذي يجمد أطرافها نابعاً من داخلها، من صدمة تلك الليلة المشؤومة في جناح ذلك الإمبراطور. خرجت إيلينا من الباب الخلفي للملهى بخطوات ثقيلة ومترددة، تكاد ساقاها العاجزتان لا تحملانها. كانت تلتفت وراءها بين الحين والآخر بذعر، يخيّل إليها أن حراس ألكسندر كينغستون يقتفون أثرها في الظلام. أنفاسها المتسارعة كانت تخرج كبخار أبيض في الهواء، ممتزجة بشهقات مكتومة تحاول حبسها في صدرها. وفي الجهة المقابلة من الزقاق المظلم، تحت إنارة عمود الشارع الخافتة، كانت صوفيا واقفة ترتجف من البرد والخوف، وعيناها معلقتان بمخرج الملهى وهي تأكل أظافرها قلقاً على صديقتها. وفور المحها لجسد إيلينا النحيل وهو يخرج بتلك الطريقة المنكسرة، انتفضت صوفيا من مكانها وأسرعت نحوها والشكوك تأكل قلبها. لم تكد صوفيا تصل إليها وتلمس كتفها، حتى تراجعت خطوة إلى الوراء من شدة الصدمة. أمامها، كانت إيلي
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببرود وبطء شديد عبر الستائر الشفافة للجناح الملكي رقم 7، كاشفة عن بقايا ليلة عاصفة ومريرة هزت أركان المكان وغيرت مصير شخصين للأبد. ومع تراجع عتمة الليل وانقشاع سوادها، بدأت "إيلينا" تفتح عينيها العسليتين ببطء وألم حاد. شعرت بثقل رهيب يجثم على صدرها، ووجع جسدي ونفسي لا يطاق يمزق أوصالها بالكامل كأن قطاراً مدراً قد مر فوق جسدها النحيل.التفتت بجانبها بذعر وقلق عارم، لتجد ألكسندر مستغرقاً في نوم عميق وثقيل جداً بجانبها. كان وجهه الحاد والوسيم يبدو هادئاً على غير العادة بعد انقشاع مفعول المخدر الخبيث وتراجعه، وشعره الأسود الفاحم مبعثراً بجنون فوق الوسادة البيضاء.استرجعت إيلينا شريط الأحداث المؤلمة للليلة الماضية؛ صرخات توسلها المبحوحة، يده القوية التي منعتها من الهرب، وقسوته الغائبة عن الوعي والعقل.. فتدفقت الدموع الساخنة واللاذعة على وجنتيها الشاحبتين بكثافة. نظرت إلى قميصها الأسود الحريري الممزق بالكامل، وإلى بقع الدم القانية والنقية التي صبغت السرير المخملي الفاخر، فشعرت بغصة ذل، وانكسار، ومهانة لا يمكن لوصف في هذا العالم أن يعبر عنها. كانت هذه ليلتها ال
أحكمت يد ألكسندر القوية كالقيد الحديدي على معصم إيلينا النحيل، وجذبتها نحو صدره العريض والساخن بقوة جارفة جعلت أنفاسها تتوقف وعظامها تكاد تتداخل من شدة الضغطة. حاولت إيلينا التراجع والهرب بكل ما أوتيت من قوة، لكن جسد أليكس الضخم والرياضي كان مثل جدار إسمنتي عازل يحاصرها من كل الجهات، ويمنع عنها أي مفر. كانت عيناه الرماديتان اللتان تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بنيران المخدر تنظران إليها دون إدراك، أو وعي بالواقع، أو معرفة بهوية الفتاة التي يقبض عليها."سـ.. سيدي! أرجوك، اتركني.. أنت لست في وعيك! هناك خطأ ما!" صرخت إيلينا بصوت مخنوق ومرتعد وهي تضع يديها الصغيرتين على صدره العاري محاولة دفعه بعيداً عنها، لكن محاولاتها كانت كمن يحاول إيقاف قطار مندفع بيدين عاريتين.لكن ألكسندر لم يكن يسمع شيئاً في تلك اللحظة؛ فالمخدر الخبيث الذي وضعت سيلين قطراته في كأسه كان قد تملك حواسه بالكامل، وعطل مراكز عقله الصارم. جعلته نيران المادة الشامة يرى في ملامح إيلينا الملائكية الطاهرة الملاذ الوحيد والواحة الباردة لإطفاء الجحيم اللافح الذي يحرق عروقه ويسري في دمائه. انحنى نحوها وضغط على جسدها الرقيق فوق ال
تجرع ألكسندر المشروب دفعة واحدة ليروي جفاف حلقه اللافح، ووضع الكأس الكريستالي فوق الطاولة الزجاجية بعنف خفيف أحدث رنيناً صادماً في أرجاء الجناح الملكي رقم 7. عاد برأسه إلى الخلف، وأغلق عينيه الرماديتين محاولاً استعادة هدوئه وطرْد طيف تلك الفتاة ذات العيون العسلية التي غادرت المكان قبل قليل. لكن، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى شعر أليكس بأن هناك خطأً رهيباً يحدث في جسده. بدأت حرارة مفاجئة ولافحة تسري في عروقه كالنار المستعرة، ونبضات قلبه تسارعت بشكل جنوني وغير طبيعي حتى كادت تخترق صدره. شعر باختناق شديد وضيق في التنفس، فمد يده المرتجفة ومزق ربطة عنقه كلياً ورماها أرضاً، ثم فتح المزيد من أزرار قميصه الأبيض وهو يحاول التقاط أنفاسه المقطوعة. لم يكن هذا تأثيراً عادياً للإرهاق، أو التعب، أو حتى الكحول؛ كان جسده يشتعل بالكامل، ورؤيته بدأت تشوش وتتحول إلى ضباب مهتز ومضطرب، بينما تملكت حواسه رغبة عارمة ومبهمة أفقدته القدرة على التفكير العقلاني أو اتخاذ أي قرار منطقي. "تباً... ما الذي... يحدث لي؟" زمجر أليكس بصوت مبحوح، ثقيل ومخيف وهو يحاول الوقوف على قدميه، لكن ركبتيه خانتاه ليعود ساقطاً عل
دفعت إيلينا الباب الخشبي الضخم والمنقوش للجناح الملكي رقم 7 بكتفها المرتجف، وتسللت إلى الداخل بخطوات حذرة للغاية وهي تحمل الصينية الفضية بين يديها كمن يحمل قنبلة موقوتة. كان الجناح غارقاً في إضاءة خافتة وساحرة مائلة للون الذهبي والأزرق الداكن، وتفوح في أرجائه الفسيحة رائحة عطر رجلي فاخر ومهيب، ممزوج بنكهة سيجار كوبي غالي الثمن كان قد غادر صاحبه الغرفة للتو. كان الصمت الذي يلف الغرفة عميقاً ومطبقاً، كافياً لتسمع إيلينا دقات قلبها المتسارعة التي كانت تقرع في صدرها بقوة غريبة.على الأريكة الجلدية الضخمة المصنوعة من الجلد الإيطالي الأسود في منتصف الجناح، كان يستلقي "ألكسندر كينغستون" بمفرده. كان قد نزع سترته الرسمية الفاخرة ورماها بإهمال جانباً، وفك الأزرار الأولى لقميصه الأبيض الأنيق، كاشفاً عن عضلات صدره القوية وبشرته السمراء، بينما كانت يده اليمنى ذات الأصابع الطويلة تستقر فوق جبهته بإنهاك شديد وضغط واضح، محاولاً طرد بقايا يوم عمل طويل وشاق في صراعات البورصة والشركات.سارت إيلينا فوق السجاد المخملي السميك الداكن الذي كان يكتم صوت حذائها ذو الكعب المتوسط، وتقربت من الطاولة الزجاجية ال







