LOGINالفصل الثالث: المواجهة الأولى (صلاة العصر)
مرت الأيام، وحان موعد زيارتي الأسبوعية لمنزلهم. كانت دقات قلبي تتسارع، ليس خوفاً من اللقاء، بل هيبة من "العهد" الذي قطعته لآية ولنفسي أمام الله.
دخلتُ البيت، استقبلتني "مرات أبوها" بترحابها المعهود، وكانت آية تجلس في زاوية الصالة وبيدها مصحفها الصغير. نظرتْ إليّ نظرة خاطفة، لم تكن نظرة تحدٍ، بل كانت نظرة فاحصة تنتظر لترى: هل كانت كلمات الهاتف مجرد سحابة صيف، أم أنها ستمطر تغييراً؟
جلسنا، وبدأ الحديث المعتاد عن تحضيرات الزفاف والشقة. وفجأة، ارتفع صوت الأذان.. الله أكبر.. الله أكبر.
كان ذلك أذان العصر.
في المرات السابقة، كنتُ أنتظر حتى ينتهي الأذان، ثم أسترسل في الحديث، وربما يُقدم الطعام فأنشغل به حتى يقترب المغرب. لكن هذه المرة، وبمجرد أن قال المؤذن "حي على الصلاة"، قمتُ واقفاً بوضوح وهدوء.
نظرت إليّ "سارة" بدهشة:
"رايح فين يا أحمد؟ الشاي هيبرد!"
ابتسمتُ لها وقلت:
"اللقاء مع ربنا أهم يا سارة. الشاي يبرد ونسخنه، لكن وقت الصلاة لو فات مش هيرجع. أنا هنزل أصلي في المسجد اللي تحت وأرجع أكمل معاكم."
نظرتُ نحو آية، رأيتُ شبح ابتسامة يرتسم على وجهها لأول مرة. كانت تلك الابتسامة بمثابة "وسام" عُلق على صدري.
نزلتُ إلى المسجد، وشعرتُ بخشوع لم أشهده منذ زمن. كنت أصلي وأدعو: "اللهم ثبتني، واجعلني خيراً مما يظنون، واجعل (سارة) قرة عين لي في طاعتك".
عندما عدتُ، وجدتُ الجو في البيت قد تغير. لم تعد سارة تتحدث بدلال مفرط عن الميك أب أو الموضة، بل كانت
تجلس بجانب آية، وكأن عدوى "الوقار" قد بدأت تنتقل إليها.
بعد الصلاة، جلسنا جميعاً. قالت سارة وهي تحاول فتح موضوع جديد:
"أحمد، كنت عاوزة أشتري فستان للخطوبة الجاية بتاعة صاحبتي، وشفت موديل (مكشوف) شوية بس هلبس فوقه حاجة.. إيه رأيك؟"
في الماضي، كنت سأقول: "اللي يريحك يا حبيبتي، أنتِ زي القمر في أي حاجة".
لكن اليوم، استجمعتُ شجاعتي، وقلت بصوت هادئ ورزين:
"سارة، أنتِ عارفة إني بغير عليكِ حتى من الهوا. والموديلات دي حتى لو لبستي فوقها حاجة بتبقى واصفة وتفاصيلها واضحة. أنا عاوز لما الناس تبص لخطيبتي، تبص لاحترامها وأدبها قبل جمالها. إيه رأيك ندور على حاجة شيك ومحتشمة في نفس الوقت؟ وأنا واثق إن ذوقك أجمل بكتير من إنك تظهري مفاتنك."
نظرت سارة إلى الأرض، ثم نظرت إلى آية، ثم إليّ. قالت بتردد:
"بس البنات كلهم هيلبسوا كده.."
هنا تدخلت آية بصوتها الرخيم الهادئ:
"يا سارة، (كل الناس) مش هيدخلوا معاكِ القبر. والجمال اللي بيغضب ربنا بيبقى شؤم على صاحبه. فكري في كلام أحمد، ده مش بيتحكم فيكِ، ده بيخاف عليكِ من النار."
وكمان يا حببتي لا تنسي كلام حبيبنا ومعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
لما قال لا يدخل الجنة ديوث
اكيد مش بتحبي انه جوزك حبيبك يكون ديوث واكيد طبعا
عاوزة نكون مع بعض بالجنه
واكيد كمان عاوزه تكوني الملكه بتعته الي حتكون اجمل من اي حور عين
ومش عاوزه افكرك انه انا ونتي الي حنلبس بابا وماما تاج الوقار بادينا
كانت الكلمات قاسية لكنها حقيقية. في تلك اللحظة، شعرتُ أننا أصبحنا "فريقاً" واحداً ضد هوى النفس.
هنا سالت نفسي من اين اتت هاذه الفتات الصغير من علمها وكيف علمها فعلا من فعل هاذا يستحق بان يرتدي تاج الوقار
الله اصلح. لنا ديننا يتبع
مرت السنون كأنها طيف عابر، ولم يعد بيتنا مجرد مأوى لأربعة جدران، بل استحال إلى مدرسة حقيقية تضج بالحياة والإيمان. كبر الأطفال، ومع كبرهم، بدأت تظهر ثمار ذلك الغرس الذي وضعته "آية" فينا وسقيناه بدموع الصبر واليقين. "محمد" الآن في الثامنة عشرة من عمره، طويل القامة، يحمل في ملامحه حزماً يشبه حزم عمته، وفي عينيه حناناً ورثه عن أمه "سارة". أما مريم وخديجة، فقد أصبحتا شابتين يافعتين، تشبهان في عفافهما ووقارهما لؤلؤتين مكنونتين، تنطقان بالقرآن وتعملان به قبل أن تتكلما.كان التحدي الأكبر في هذا الفصل من حياتنا هو مواجهة "المجتمع المفتوح". دخل محمد الجامعة، ودخلت الفتاتان مراحل دراسية متقدمة، حيث الاختلاط، وصرعات الموضة، والضغوط النفسية التي يمارسها الأقران. في أحد الأيام، عاد محمد من جامعته بوجهٍ يملؤه التفكير. جلس بجانبي وقال: "يا أبي، زملائي في الجامعة يلقبونني بـ (الصحابي)، ويسخرون من غضي لبصري ومن اعتذاري عن حضور الحفلات الصاخبة. يقولون إنني أعيش في عصر غير عصري، وأن الحياة أقصر من أن أقضيها في القيود. أحياناً أشعر بالغربة بينهم، وأتساءل: هل أنا فعلاً متشدد كما يقولون؟".نظرتُ إليه، وتذ
بينما كنتُ أعيد بناء حياتي المهنية من الصفر، كانت آية تمر بمنعطف آخر في حياتها. لقد كبرت آية وأصبحت طالبة في كلية الشريعة، وبدأت تنشر خواطرها الإيمانية عبر صفحة صغيرة على وسائل التواصل الاجتماعي. وبسبب أسلوبها العذب، وصدقها الذي يلمس القلوب، انتشرت فيديوهاتها كالنار في الهشيم. فجأة، وجدت آية نفسها "نجمة" يتابعها الملايين، وبدأت القنوات الفضائية تتهافت عليها.في ليلة صيفية، جاءتنا آية في زيارة، كانت تبدو مهمومة على غير عادتها. جلست معنا وقالت: "يا أحمد، يا سارة.. عرضت عليّ قناة شهيرة برنامجاً أسبوعياً بميزانية ضخمة. لكنهم اشترطوا عليّ شروطاً غريبة. قالوا لي: (نريدكِ داعية عصرية، نريد أن يرى الناس وجهكِ الجميل بدون نقاب، نريد خطاباً منفتحاً لا يتحدث عن الحلال والحرام بحدة، بل يتحدث عن الحب والسلام فقط)".نظرت سارة إليها وقالت: "وماذا كان ردكِ يا آية؟".قالت آية والدموع في عينيها: "قلتُ لهم إن ديني ليس للبيع، وإن نقابي هو هويتي، ولكنهم بدأوا يساومونني بالمال وبالتأثير. قالوا لي: (ألا تريدين هداية الملايين؟ النقاب سيعيق وصول رسالتكِ). لقد شعرتُ بالضعف للحظة، فكرتُ في القوة التي سأمتلكها
مرت سنتان على تلك اللحظات الروحانية التي ختمنا فيها القرآن، واستقر القارب في بحر الطاعة. كانت حياتي مع سارة قد تحولت إلى جنة أرضية صغرى؛ الهدوء يلف أركان البيت، وأصوات أطفالنا "محمد ومريم وخديجة" وهم يتنافسون في حفظ قصار السور كانت هي الموسيقى التي تملأ أرواحنا. كنتُ قد وصلت إلى منصب إداري مرموق في شركة هندسية كبرى، وكانت الدنيا تبتسم لنا بوجهها الضاحك، حتى ظننت أن الابتلاء قد ولى دبره.لكن سنن الله في خلقه لا تتبدل، فالإيمان لا يُترك دون تمحيص. في صباح يوم ثلاثاء كئيب، دُعيت إلى اجتماع طارئ لمجلس الإدارة. كانت الوجوه واجمة، والجو مشحوناً بالتوتر. أعلن المدير العام إفلاس الشركة نتيجة صفقات خاسرة وتراكم الديون، وبحلول المساء، وجدتُ نفسي "خارج الخدمة". عدتُ إلى البيت بخطى ثقيلة، أحمل في حقيبتي قرار إنهاء خدمتي بدلاً من الهدايا التي اعتدت جلبها لأطفالي.دخلتُ الصالة، وجدتُ سارة تجلس مع آية التي كانت في زيارة لنا. نظرت سارة إليّ، وبرغم نقابها، شعرتُ أنها قرأت في عينيّ كل انكسارات الدنيا. وضعتُ الأوراق على الطاولة وقلت بصوت متهدج: "سارة.. آية.. الشركة أفلست، وأنا الآن بلا عمل. الديون ستح
لم تعد صرخات أحمد المكتومة، أو انكساره المتكرر تحت أقدام الرجال الذين استأجرتهم لإذلاله، تمنحني ذلك الارتواء الكامل الذي كنتُ أبحث عنه. ثمة شيء في داخلي، في زوايا روحي التي أظلمت تماماً، كان يطالب بنوع جديد من السلطة، نوع لا يعتمد على العنف الجسدي الخام فقط، بل على الدهاء الأنثوي والسيطرة النفسية المطلقة. بدأتُ أشعر بملل من "ذكورية" المشهد، فالتفتت عيناي نحو الفتيات اللواتي بدأتُ أجمعهن حولي ليكونوا واجهة لعملي الجديد في دبي. أردتُ أن أختبر قدرتي على تطويع "الأنثى"، تماماً كما طوعتُ الذكر، وأردتُ أن أرى كيف يمكن لجسد امرأة أخرى أن يكون مرآة لشهواتي التي لا تشبع. في ليلة من ليالي دبي التي لا تنام، داخل جناحي الذي يفوح برائحة البخور والمسك والجلود الفاخرة، استدعيتُ "لينا". كانت لينا فتاة في مقتبل العشرين، بجمال هادئ ملامح توحي ببراءة مزيفة، كانت تشبهني في بداياتي قبل أن أغرق في هذا المستنقع. جعلتُها تشاهد من خلف زجاج معتم طقوس إذلال أحمد التي كانت تجري في الصالة المجاورة. كنتُ أراقب انعكاس الرعب والفضول في عينيها الواسعتين، وشعرتُ بنشوة غريبة وأنا أرى كيف بدأت أنفاسها تضطرب. "تعال
فابتسمت وقالتلي للأسف كلامها مش هيعجبك، فبلاش! فرديت بمنتهى الثقة قُلت لها طول ما أنا معملتش حاجة تديني كل اللي مش هيعجبني مش هيأثر فيا، فمتقلقيش..' ضحكت وقالتلي إنت حر، ولكن قبل ما تقعد معاك، لازم تعرف إنك مش هتبقى قاعد مع مجرد قاصر لم تتخطى الستاشر سنة من عمرها وإنما روح أمها وستها أم أمها وأبوها اللّٰه يحرمهم التلاتة وست حاملة كتاب اللّٰه في قلبها ومئات الأحاديث، ومن وجهة نظري كمرات أبوها راجل البيت وطريقنا كلنا للجنَّة! فقُلت لها عارف ومقدَّر واللّٰهِ، ولذلك مهتم أفهم أنا عملت معاها إيه يخليها تتعامل معايا كده؟ قالتلي ماشي، لكن مش قدام خطيبتك لإنها فرحانة بيك ومش هتسمحلها تتكلم معاك براحتها حتَّى ولو بالخناق! فقُلت لها مفيش مشكلة، وإنتهى الكلام يومها على كده؛ وبعدها بيومين كلمتني في التليفون إطمنت عليا الأول وبعدين قالتلي لو عاوز تكلم أية وخطيبتك نايمة دلوقتي؛ خُدها معاك أهيه... فقُلت لها هاتيهاـ إذيك يا أية عاملة إيه؟ قالتلي الحمدُّ للّٰه، حضرتك اللي عامل إيه؟ قُلت لها حضرتي! ماشي يا ستي، أنا الحمدُّ للّٰه كويس، مالك؟ فقالتلي مش هتزعل من كلامي! قُلت لها أبدًا إن شاء
: ميراث النور.. والعهد الباقيلم تكن النهاية مجرد زواج "آية" أو ختم "سارة" للقرآن، بل كانت البداية لعهدٍ جديد امتد أثره إلى جيلٍ لم يولد بعد. مرت سنوات قليلة على تلك الأحداث، وأصبحت في بيتي أباً لثلاثة أطفال؛ "محمد" الصغير الذي لم يتجاوز الرابعة، وشقيقتيه "مريم" و"خديجة". كنت أجلس في صالة منزلنا، التي باتت جدرانها تشهد على آلاف الساعات من التلاوة والتدبر، أنظر إلى سارة وهي تجمع الأطفال حولها في جلسة "تفسير مبسط". لم تعد سارة تلك الفتاة التي تحتاج من يدفعها للصلاة، بل أصبحت هي المحرك الإيماني لبيتنا الصغير، والقدوة التي ينظر إليها الأطفال بكل فخر وهيبة.في تلك الليلة، وبينما كان المطر يطرق النافذة برفق، رن جرس الباب. كانت "آية" وزوجها الطبيب في زيارة مفاجئة لنا. دخلت آية، وقد نضجت ملامحها وزادها النقاب وقاراً يفوق سنها بكثير. كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة، جلست بجانب سارة وتبادلتا حديثاً يملؤه الود والحنين. قالت آية وهي تنظر إليّ بابتسامة تذكرني بتلك المكالمة التاريخية: "يا أحمد، هل تتذكر عندما قلت لي إنك ستتقبل عتابي لأنني أختك الصغيرة؟ اليوم جئت لأعطيك شيئاً كان أمانة عندي من ريحة ال