Compartir

ظل الرجل الذي احتقرته
ظل الرجل الذي احتقرته
Autor: Eve

الفصل 01

Autor: Eve
last update Fecha de publicación: 2026-09-03 00:29:35

كانت الأمطار تضرب زجاج النافذة بعنف، وكأنها تحاول اقتحام القصر الذي عاشت فيه إيزابيلا كونتي طوال سبعة وعشرين عامًا. وقفت في منتصف الصالة الرخامية الواسعة، تحدّق في الأوراق المبعثرة أمامها، وأرقام لا تصدَّق تحمل توقيع والدها.

إفلاس.

الكلمة نفسها بدت غريبة على لسانها، ثقيلة كصخرة سقطت فجأة في بحيرة هادئة

"هذا مستحيل..." همست، وهي تمسك بحافة الطاولة كي لا تسقط. "أبي بنى هذه الإمبراطورية بيديه!"

جلس والدها، فينشنزو كونتي، منهارًا على الأريكة الجلدية، وجهه شاحب كأنه شمعة أذابها الحريق. لم يكن الرجل القوي الذي عرفته إيزابيلا طوال حياتها. كان رجلًا محطمًا، تنهار خلفه إمبراطورية بأكملها في ليلة واحدة.

"الشركاء... باعونا جميعًا. خانونا في اللحظة الأخيرة." قالها بصوت متهدج. "لم يبقَ لنا شيء، إيزابيلا. لا شيء."

نظرت الأم، فيتوريا، بعينين غارقتين بالدموع، ثم التفتت فجأة نحو إيزابيلا بنظرة أشبه بالتوسل.

"هناك حل واحد فقط."

عرفت إيزابيلا من نبرة أمها أن الحل لن يكون سهلاً.

"ليوناردو دي لوكا."

تجمّد اسمه في الهواء كأنه لعنة.

كان ليوناردو ابن سائق العائلة السابق، شابًا فقيرًا نشأ في الظل، يعمل في أعمال متفرقة بالمدينة، لا يملك شيئًا يُذكر سوى شقة صغيرة ورثها عن والده المتوفى. لكنه، منذ سنوات، كان قد أنقذ فينشنزو من حادث سيارة كاد يودي بحياته، فبقي الرجل ممتنًا له امتنانًا غريبًا يقترب من الهوس، وظل يدعوه للعائلة في كل مناسبة، رغم اعتراض إيزابيلا الدائم.

"ليوناردو عنده مبلغ من المال ورثه أخيرًا من عمه في ميلانو،" قال فينشنزو بصوت متعب. "ليس كافيًا لإنقاذ الشركة، لكنه سيكفي لتسوية الديون العاجلة... إن وافق."

"وماذا يريد مقابل ذلك؟" سألت إيزابيلا، وقد شعرت ببرودة تسري في عروقها.

صمت والدها طويلاً، ثم قال بصوت يكاد لا يُسمع:

"الزواج منكِ."

ضحكت إيزابيلا ضحكة جافة، مريرة، لا أثر للمرح فيها.

"أنتم تمزحون."

لكن عيون والديها لم تكن تمزح.

بعد ثلاثة أيام، وقفت إيزابيلا في كنيسة صغيرة، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا لا يشبه إطلاقًا الفستان الذي كانت تحلم به طوال حياتها. لم يحضر الزفاف سوى عائلتها الصغيرة وبعض الخدم القدامى. لا أصدقاء، لا صحافة، لا احتفال. زفاف كأنه جنازة.

وقف ليوناردو أمامها، بدلته العادية تبدو غريبة في هذا المكان الفخم، لكن عينيه — تلك العينين الرماديتين الهادئتين — كانتا تحملان شيئًا لم تستطع إيزابيلا فهمه. لم يكن فرحًا انتصاريًا كما توقعت. كان هناك... حزن؟ أم صبر؟

"أعدك أنني لن أزعجك،" قال بصوت منخفض، بمجرد أن انتهى القسيس من كلماته الأخيرة. "سأعيش في الطابق العلوي من منزلكم كما طلب والدك، ولن أطلب منكِ شيئًا لم تمنحيني إياه."

نظرت إليه إيزابيلا بازدراء لم تحاول إخفاءه.

"لن يكون بيننا شيء سوى هذا العقد، دي لوكا. لا تتوهم غير ذلك."

ابتسم ابتسامة خفيفة، غامضة، لم تصل إلى عينيه.

"لم أتوهم يومًا، سيدتي."

في الأسابيع الأولى، عاشت إيزابيلا حياتها كأن ليوناردو غير موجود. كانت تتجاهله في ممرات المنزل، لا تدعوه لمشاركة الوجبات، وحين كانت تضطر للحديث معه أمام الخدم، كان صوتها باردًا كالجليد. لم يكن يشتكي أبدًا. كان يخرج كل صباح باكرًا، يعود متأخرًا، وأحيانًا لا يعود إطلاقًا لأيام، متعللاً بـ"عمل" غامض لم تسأل عنه لأنها ببساطة لم تكترث.

لكن في إحدى الليالي، وبينما كانت تنزل السلالم بحثًا عن كوب ماء، لمحته يجلس في المكتبة، منكبًا على شاشة حاسوبه، وجهه يعكس ضوءًا أزرق باهتًا، وتعابيره مركزة بشكل لم تره من قبل على وجهه الهادئ عادة.

توقفت خلف الباب، متلصصة رغم إرادتها. لم تستطع رؤية الشاشة، لكنها سمعته يتحدث بالهاتف بلغة إنجليزية طليقة، بنبرة حازمة لا تشبه إطلاقًا نبرة "التابع" المتواضع الذي اعتادت رؤيته في نهارها.

"...لا، لن نقبل بهذا العرض. أخبرهم أن السعر نهائي، وإلا سننسحب من الصفقة بالكامل."

جمدت إيزابيلا مكانها.

من كان يتحدث معه؟ أي صفقة؟

للحظة، شعرت وكأنها تنظر إلى رجل غريب تمامًا، رجل يرتدي قناع الضعف كل صباح ثم يخلعه حين يظن أن لا أحد يراقبه.

أغلق الهاتف، ثم رفع رأسه فجأة، وكأنه شعر بوجودها خلف الباب. التقت عيناهما للحظة عبر الفجوة الضيقة.

"إيزابيلا؟"

اختفت هي بسرعة، قلبها يخفق بقوة غريبة، وسؤال واحد يطنّ في رأسها طوال الليل:

من هو ليوناردو دي لوكا حقًا؟

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الفصل 21

    في فيلا فخمة تطل على بحيرة كومو، جلس إنزو مارتيني، رجل في السبعينيات من عمره الآن، لكن عينيه الباردتين لم تفقد حدتها رغم مرور السنوات. كان قد بنى إمبراطورية مالية ضخمة خلال العقود الماضية، مستفيدًا من الأموال التي اختلسها قديمًا من شركة كونتي، ومغطيًا آثار جريمته ببراعة استمرت لأكثر من عشرين عامًا. تلقى مكالمة هاتفية من أحد جواسيسه القدامى الذين ما زال يدفع لهم للحفاظ على شبكة معلومات واسعة في عالم الأعمال الإيطالي. "سيد مارتيني، معلومة قد تهمك بشدة. فرانشيسكو بيلوتشي، ابن ماسيمو، التقى بفينشنزو كونتي أمس. يملك وثائق تثبت براءة والده." جمد إنزو في مكانه للحظة، ثم تصاعد غضب هادئ لكنه خطير في عينيه. "أي وثائق؟" "لست متأكدًا من التفاصيل الدقيقة، لكن يبدو أنها كافية لإقناع كونتي بإعادة فتح القضية القديمة." أغلق إنزو الهاتف بيد ثابتة، لكن عقله كان يعمل بسرعة محمومة. لو أعيد فتح تلك القضية، ولو بشكل رمزي فقط لتبرئة ماسيمو بيلوتشي، فإن التحقيق قد يكشف حتمًا الحقيقة الكاملة عن دوره الفعلي في الا

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الفصل 25

    اندفعت السيارة الفاخرة عبر شوارع ميلانو الليلية بسرعة حذرة لكنها ثابتة، يقودها سائق ليوناردو الخاص بمهارة، بينما كان ليوناردو يجلس بجانب إيزابيلا في المقعد الخلفي، ممسكًا بيدها بقوة، يحاول قدر استطاعته إخفاء ذعره الداخلي خلف ابتسامة مطمئنة مصطنعة."تنفسي ببطء، إيزابيلا. كما علّمتنا الطبيبة في دروس الاستعداد للولادة، تذكري.""أحاول،" قالت بصوت متوتر بين أنفاسها المتقطعة، "لكن الألم أقوى مما توقعت بكثير."وصلوا إلى المستشفى الخاص الفاخر الذي كانت الطبيبة قد رتبت لهم غرفة فيه مسبقًا، واستقبلهم فريق طبي كامل كان في حالة تأهب منذ اتصال ليوناردو الأول. أُدخلت إيزابيلا فورًا إلى جناح الولادة، بينما بقي ليوناردو بجانبها طوال الوقت، رافضًا مغادرة يدها للحظة واحدة رغم إصرار الممرضات المهذب على أنه يمكنه الانتظار في الخارج."سأبقى معها،” قال بحزم لا يقبل النقاش. "وعدتها أنني سأكون بجانبها في كل لحظة من حياتنا، وهذه اللحظة ليست استثناءً."مرّت الساعات بطيئة ومؤلمة، إيزابيلا تتنفس بصعوبة بين انقباضات متصاعدة الشدة، وليوناردو يمسح جبينها بمنشفة با

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الفصل 22

    عزز ليوناردو إجراءاته الأمنية بشكل كبير خلال الأيام التالية، مستعينًا بشركة حماية دولية مرموقة أوصى بها أحد شركائه في باريس. أصبح لدى إيزابيلا الآن حارس شخصي يرافقها في كل تحركاتها، إجراء لم تكن متحمسة له في البداية لكنها قبلت به من أجل سلامة طفلها القادم. في الوقت نفسه، كلّف ليوناردو محققًا خاصًا يُدعى ستيفانو بروللي، رجل سابق في المباحث الإيطالية اشتهر بمهارته الفائقة في تتبع القضايا المالية المعقدة، بالتحقيق في خلفية إنزو مارتيني وربطه المحتمل بالمكالمة التهديدية. استغرق التحقيق أسبوعًا كاملاً من العمل الدؤوب، حتى جاء ستيفانو بنتائج مثيرة للاهتمام. "سيد دي لوكا،" قال ستيفانو في اجتماع خاص ضم ليوناردو وإيزابيلا وفينشنزو، "إنزو مارتيني ليس مجرد رجل أعمال عادي ورث ثروته بشكل شرعي. اكتشفت من خلال تحقيقاتي أنه متورط في شبكة واسعة من عمليات غسيل الأموال امتدت لعقود، بدأت بالضبط بالمبلغ الذي اختلسه من شركة كونتي قبل خمس وعشرين عامًا." عرض ستيفانو مجموعة من الوثائق والرسوم البيانية التي تتبعت حركة الأموال المشبوهة عبر شركات وهمية متعددة،

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الفصل 23

    في فيلته الفاخرة، جلس إنزو مارتيني وحيدًا في مكتبه المطل على بحيرة كومو الهادئة، يراجع خياراته المتبقية بعقل بارد رغم الضغط المتصاعد. كان رجلاً تعلم منذ شبابه أن البقاء يتطلب اتخاذ قرارات صعبة دون تردد، وقرر الآن أن الوقت حان لخطوة أكثر جرأة.اتصل بمحاميه فيتوريو كاسيلي في اجتماع طارئ."فيتوريو، التحقيق يقترب أكثر مما توقعت. أحتاج لحل جذري، ليس مجرد تهديدات هاتفية بعد الآن.""ماذا تقترح بالضبط، إنزو؟" سأل فيتوريو بحذر، مدركًا أن أي "حل جذري" قد يعني الدخول في مجال أكثر خطورة قانونيًا وأخلاقيًا.فكّر إنزو طويلاً قبل أن يجيب. "أريدك أن تتصل بشخص يمكنه... تقديم عرض مالي سخي جدًا لعائلة كونتي. تعويض كبير مقابل إسقاط القضية بالكامل، وإقناع بيلوتشي الابن بالتوقف عن مسعاه أيضًا.""وإن رفضوا؟"صمت إنزو للحظة طويلة، عيناه تحملان برودة قاسية. "عندها سنحتاج لخيارات أخرى أكثر إقناعًا."في اليوم التالي، تلقى فينشنزو كونتي مكالمة من رجل قدّم نفسه كوسيط يمثل "طرفًا يفضّل عدم الكشف عن هويته"، يعرض عليه مبلغًا ضخمًا يصل إلى خمسة ملايين يورو مقابل إسقاط القضية القديمة

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الفصل24

    مع بدء التحقيق الرسمي، تسارعت الأحداث بشكل لافت في ميلانو. استدعت السلطات إنزو مارتيني للاستجواب الأول، وحضر برفقة محاميه فيتوريو كاسيلي بثقة ظاهرية مصطنعة، مرتديًا بدلته الفاخرة المعتادة، رغم أن التوتر كان واضحًا في تصلب حركاته وارتعاش خفيف في يديه لم يستطع إخفاءه بالكامل عن العيون المتمرسة المحيطة به.في غرفة الاستجواب الرسمية، التي كانت باردة ومضاءة بإضاءة قاسية لا ترحم، واجهه المدعي العام، القاضي أليساندرو فيرّي، رجل في الستينيات من عمره، معروف بدقته الشديدة وعدم تهاونه المطلق في قضايا الفساد المالي والجرائم الاقتصادية المعقدة."سيد مارتيني،" بدأ القاضي فيرّي بصوت هادئ لكنه حازم، مرتبًا أوراقه أمامه بعناية بطيئة مقصودة لزيادة التوتر. "لدينا أدلة تربطك مباشرة بعملية اختلاس أموال من شركة كونتي قبل خمس وعشرين عامًا، بالإضافة إلى تلفيق أدلة ضد شريكك السابق ماسيمو بيلوتشي. كما لدينا اعترافات موثقة من محقق خاص استأجرته لمراقبة عائلة دي لوكا بشكل غير قانوني، ومحاولة تهديدهم عبر وسيط مجهول الهوية."حافظ إنزو على هدوئه الظاهري قدر استطاعته، متكئًا للخ

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الفصل 16

    بعد أسابيع من شهر العسل الذي قضياه في جزيرة صغيرة هادئة في بحر إيجه، عاد ليوناردو وإيزابيلا إلى ميلانو، حيث كانت الحياة تنتظرهما بتحديات جديدة، هذه المرة على الصعيد المهني بشكل أساسي. كانت شركة "دي لوكا - كونتي" للاستشارات المالية، التي أصبحت الآن تحمل اسميهما معًا بعد الدمج الرسمي، تستعد للتوسع الدولي الكبير — خطوة طموحة كانت تشغل تفكير ليوناردو منذ أشهر. "وصلنا لمرحلة يجب أن نقرر فيها،" قال ليوناردو ذات صباح، وهو يراجع تقريرًا ماليًا ضخمًا مع إيزابيلا التي أصبحت الآن شريكة فعلية في إدارة الشركة، مستفيدة من خلفيتها الأكاديمية في إدارة الأعمال التي أهملتها لسنوات. "إما نتوسع إلى الأسواق الأوروبية الأخرى الآن، ونخاطر بمنافسة عمالقة راسخين، أو نبقى في السوق المحلي بأمان أكبر لكن بنمو أبطأ." فكرت إيزابيلا بعمق، متفحصة الأرقام أمامها بعين محللة أصبحت أكثر حدة مع الوقت. "أعتقد أننا جاهزون للمخاطرة، ليوناردو. لكن يجب أن نختار السوق بعناية فائقة. ماذا عن باريس؟ لدينا بالفعل بعض العلاقات هناك من خلال عملاء أبي القدامى."

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status