Share

الحقيقة

Author: حبر
last update publish date: 2026-04-21 06:51:03

تجمّد الوقت للحظة… كأن كل شيء انكسر ثم توقّف. الضوء الأحمر المنبعث من الرموز تحت ليان بدأ ينتشر في الغرفة، يزحف على الجدران، ويعكس ظلالًا مشوهة على وجوه الجميع. القائد تراجع خطوة دون وعي، لأول مرة يفقد سيطرته، وعيناه مثبتتان على ليان وكأنه يرى شيئًا لم يكن يتوقعه بهذه السرعة. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المربوطة أمامه، بل شيء آخر بدأ يظهر من تحت هذا الضعف… شيء أقدم، أعمق، وأكثر خطورة.

ليان رفعت رأسها ببطء، وكأن جسدها لم يعد يخضع لنفس القوانين. أنفاسها استقرت فجأة، واختفى ذلك الارتجاف الذي كان يسيطر عليها قبل لحظات. عيناها فتحتا بالكامل، لكن اللون فيهما لم يكن كما كان… لم يكن الخوف هو الذي يملؤهما الآن، بل هدوء مرعب، هدوء لا يخص إنسانة عادية. نظرت حولها ببطء، كأنها ترى المكان لأول مرة… أو ربما تتذكره.

ليان تفنح عيونها وهي متألمة وتقول "خلص ... قلت خلص

الصوت خرج منها… لكنه لم يكن صوتها بالكامل. كان أعمق، أثقل، وكأنه يحمل صدى شخص آخر يتكلم من داخلها. الكلمات كانت واضحة، لكنها لم تكن تحمل ضعفًا أو ترددًا، بل أمرًا.

آدم، الذي كان قد اندفع نحوها قبل لحظات، توقّف فجأة في مكانه. جسده ما زال مشدودًا، وعيناه على ليان، لكن ما رآه الآن جعله يتجمّد. لم تكن هذه نفس النظرة التي عرفها فيها، ولا نفس الإحساس. شيء ما تغيّر… وبشكل واضح.

آدم: ليان…؟

قال اسمها بصوت منخفض، كأنه خايف من الجواب.

لكنها لم تنظر إليه مباشرة. عيناها كانت تتحركان بين المصاصين الذين أحاطوا بها، وكأنها تقرأهم… أو تعرفهم.

القائد حاول يستعيد هدوءه، وتقدم خطوة، رغم التوتر الواضح عليه.

"إيفا… واضح إنك بدأتي تتذكري. هذا أفضل بكثير مما توقعنا."

لكن ليان—أو ما أصبحت عليه—رفعت نظرها نحوه ببطء، ونظرتها كانت كفيلة بإسكاته لثانية كاملة.

ليان: إنتو… لسا ما تعلّمتوا.

صوتها كان هادئ… لكن فيه تهديد واضح.

الرموز تحتها اشتعلت أكثر، والخيوط التي كانت تربطها بدأت تتحرك وحدها، ثم انقطعت فجأة وكأن قوة غير مرئية قطعتها. وقفت ببطء، رغم ضعف جسدها قبل لحظات، وكأن هذه القوة الجديدة تعوض كل ما فقدته.

أحد المصاصين تراجع خطوة، وهمس بصوت مرتجف:

"هاي… مش طبيعية."

القائد رفع يده، محاولًا السيطرة على الوضع.

"تماسكوا! هاي هي اللحظة اللي انتظرناها!"

لكن حتى هو لم يكن مقنعًا بالكامل.

آدم تحرك أخيرًا، واقترب منها بحذر، كأنه يخشى أن أي حركة خاطئة قد تكسر هذا التوازن الهش.

آدم: ليان… اسمعيني، هذا مش هم، إنتِ معي… ركزي معي.

للحظة… فقط لحظة قصيرة… عيناها التقت بعينيه.

وشيء تغيّر.

الهدوء المخيف خفّ قليلًا، وكأن ليان الحقيقية تحاول ترجع للسطح.

ليان: آدم…

همست باسمه، وهذه المرة كان صوتها أقرب لها.

لكن قبل ما يكمل أي شيء—

القائد صرخ:

"هلأ!"

وفي لحظة، اندفعوا كلهم.

المكان انفجر بالحركة. مصاصو الدماء هجموا من كل الجهات، محاولين الإمساك بها مرة أخرى. لكن هذه المرة… لم تكن كما كانت.

ليان رفعت يدها بدون تفكير واعي، وكأن جسدها يعرف ماذا يفعل. قوة غير مرئية اندفعت منها، ضربت أول اثنين اقتربوا، وأبعدتهم بعنف إلى الجدران. الصوت كان قويًا، والصدمة ظهرت على وجوه الجميع.

حتى آدم.

وقف للحظة، مذهول، لكنه استوعب بسرعة.

آدم: ليان! ركزي! لا تخليهم يقربوا!

هي تنفست بسرعة، وكأنها لا تفهم ما يحدث لها، لكنها شعرت بالقوة.

ليان: أنا… شو عم بصير فيي؟

صوتها رجع مرتبك، خائف… إنساني.

القائد، رغم كل شيء، ابتسم.

"هذا هو. هاي قوتك الحقيقية. إيفا رجعت."

لكن آدم وقف أمامها فورًا، كدرع.

آدم: لا تسمعي له. إنتِ ليان، فاهمة؟ ركزي معي.

نظرت إليه، ووسط الفوضى، وسط الخوف، كان هو الشيء الوحيد الثابت.

لكن…

القوة لم تختفِ.

كانت لسا هناك.

تتحرك فيها.

تكبر.

والكوابيس… صارت أوضح.

مش مجرد أحلام.

ذكريات حقيقية.

وهي…

كانت في مركزها.

---

وفي تلك اللحظة، أدركت ليان حقيقة واحدة فقط…

إنها لم تعد مجرد فتاة عادية.

وأن ما بداخلها…

أخطر بكثير مما كانوا يبحثون عنه.

وأخطر…

مما يستطيع آدم حمايتها منه.

الطاقة التي انفجرت من ليان لم تختفِ فجأة، بل خفَتت تدريجيًا، وكأنها انسحبت إلى داخلها مرة أخرى، تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا يخنق المكان. جسدها لم يتحمل ما حدث، فانهار بالكامل بين ذراعي آدم، وكأنها دمية فقدت خيوطها. للحظة، لم يتحرك… فقط نظر إليها، وعيناه متسعتان بشكل لم يظهر منه من قبل. كان هناك شيء مختلف هذه المرة، شيء لم يستطع فهمه أو السيطرة عليه.

حين لمس جبينها، شعر بالحرارة فورًا. لم تكن مجرد حرارة مرتفعة، بل نار حقيقية تحت جلدها. أنفاسها كانت سريعة، غير منتظمة، وقلبها يضرب بعنف، وكأنه يحاول الخروج من صدرها. لم ينتظر ثانية واحدة. حملها واختفى من المكان قبل أن يتمكن أي منهم من التحرك، تاركًا خلفه صدمة واضحة على وجوه الجميع.

عاد إلى المخبأ بسرعة، وضعها على السرير بحذر، وكأنها قد تنكسر إن لمسها بقوة. حاول أن يهدئ تنفسه، لكن القلق كان واضحًا في كل حركة يقوم بها. بلل قطعة قماش بالماء البارد ووضعها على جبينها، ثم جلس بجانبها، عينه لا تفارق وجهها. كان يرى التغيرات… كل لحظة. أحيانًا تهدأ، وكأنها في نوم عميق، ثم فجأة يرتجف جسدها، وكأن شيئًا يمر عبرها من الداخل.

مرت الساعات، ثم الأيام… ببطء مرهق.

في اليوم الأول، لم يحدث شيء سوى ارتفاع الحرارة أكثر. في اليوم الثاني، بدأت تهمس بكلمات غير مفهومة، وكأنها تتحدث مع أحد لا يراه. في اليوم الثالث، نطقت باسم لم يكن يريد سماعه.

"إيفا…"

تجمد آدم في مكانه حين سمعها، ويده شدت على طرف السرير. حاول أن يقنع نفسه أنها مجرد هذيان، لكن الطريقة التي خرجت بها الكلمة… لم تكن عشوائية.

في اليوم الرابع والخامس، أصبحت حالتها أسوأ. الحرارة لم تنخفض أبدًا، بل استقرت على مستوى خطير، وجسدها كان بين الهدوء والانفجار. أحيانًا كانت تتنفس ببطء شديد، كأنها تختفي، وأحيانًا كانت أنفاسها تتسارع بشكل مرعب، وكأنها تركض داخل حلم لا تستطيع الهروب منه.

آدم لم يغادر مكانه. لم ينم، لم يتحرك إلا للحظات، وكل مرة يعود فورًا. كان يراقبها، ينتظر أي إشارة… أي علامة تدل أنها ستعود.

وفي اليوم السابع…

حدث التغيير.

أصابعها تحركت ببطء، ارتجافة خفيفة بالكاد تُلاحظ. ثم تغيرت أنفاسها، صارت أعمق، أبطأ. آدم اقترب فورًا، قلبه بدأ يدق أسرع، وكأنه يخشى أن يكون هذا مجرد وهم.

فتحت عينيها.

ببطء شديد، وكأن الضوء يؤلمها.

رمشت عدة مرات، نظرتها كانت ضبابية، وكأنها لا ترى بوضوح. حركت رأسها قليلًا، تنظر حولها، ثم أخيرًا ثبتت عينيها عليه.

"آدم…؟"

صوتها كان ضعيفًا، لكنه حقيقي.

لأول مرة منذ أيام، شعر بشيء يشبه الراحة.

اقترب منها أكثر، صوته خرج هادئًا بشكل غير معتاد.

"أنا هون… إنتِ بأمان."

لكنها لم تبتسم، ولم ترتح كما توقع. بقيت تنظر إليه، وكأنها تحاول أن تفهم شيئًا أكبر من مجرد وجوده.

جلست ببطء، متجاهلة التعب الواضح في جسدها، ثم وضعت يدها على رأسها.

"أنا… شفت أشياء."

صوتها كان منخفضًا، لكنه ثابت.

آدم شد انتباهه فورًا.

"شو شفتي؟"

صمتت لثوانٍ، وكأنها تحاول ترتيب ما حدث.

"ما كان حلم… كان كأنه ذكرى."

نظرت للأمام، لكن عيونها لم تكن ترى الغرفة… كانت ترى شيئًا آخر.

"في امرأة… كانت واقفة قدامي."

توقفت، ثم أضافت بصوت أبطأ:

"كانت تشبهني… بس مش أنا."

الصمت نزل بينهما.

آدم لم يقاطعها، لكنه كان يراقب كل تفصيل في وجهها.

"نفس ملامحي… بس نظرتها… كانت مختلفة. أقوى… وأخطر."

وفجأة—

توقفت عن الكلام.

وضعت يدها على صدرها بسرعة، وانحنت للأمام وكأن شيئًا ضربها من الداخل.

"آآه!"

الصوت خرج منها مليئًا بالألم.

آدم تحرك فورًا، أمسكها من كتفيها.

"ليان! شو في؟!"

لكنها لم تستطع الرد مباشرة. أنفاسها تسارعت، وعينيها امتلأتا بالدموع.

"قلبي… عم يوجعني…"

كلماتها خرجت متقطعة.

"كأنه… عم ينضغط… أو… عم ينحرق…"

الألم لم يكن عاديًا، كان واضحًا أنه أعمق من مجرد تعب جسدي.

شدّت على قميصه دون وعي، كأنها تحاول تثبت نفسها.

"مش قادرة… أتنفس…"

آدم حاول يهدئها، صوته منخفض لكنه حازم.

"ركزي معي… خدي نفس ببطء… أنا هون، ما رح يصيرلك شي."

لكن الألم لم يخف.

بل ازداد.

وفجأة…

توقفت.

تجمدت.

نظرتها انتقلت إلى زاوية الغرفة، وثبتت هناك.

عيونها اتوسعت ببطء.

"هي…"

همست.

آدم التفت فورًا، لكن لم يرَ شيئًا.

"مين؟"

رجع نظره إليها، لكن تعابير وجهها كانت كفيلة بإخافته.

"واقفة هناك…"

صوتها صار أهدأ، لكنه مليء بشيء غير مفهوم.

"عم تطلع فيي…"

آدم شد على يده.

"ما في حدا، ليان… ركزي معي."

لكنها هزت رأسها ببطء.

"لا… هي هون."

الهواء في الغرفة تغيّر.

برد خفيف مرّ بالمكان، إحساس غير مريح تسلل بصمت.

ليان لم تبعد نظرها.

"عم تبتسم…"

ثم، بدون ما تتحرك شفتيها بشكل طبيعي، قالت:

"الوقت قرب…"

الصوت لم يكن صوتها بالكامل.

كان… مزدوج.

آدم تجمد.

لأنه هذه المرة…

لم يكن مجرد وهم.

كان هناك شيء…

بدأ يظهر فعلًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل لا يرى    نقطة التوازن

    ---جلست ليان في الفراغ، لكن هذه المرة لم تكن ضائعة كما كانت في البداية.كان هناك هدوء غريب داخلها… هدوء أشبه بالاستسلام الواعي، كأنها أخيرًا قررت أن تفهم ما يحدث بدل أن تقاومه بلا معنى.رفعت رأسها للأعلى، نحو اللاشيء الذي يحيط بها، وقالت بصوت منخفض لكنه ثابت:“أنا اخترت الأفضل… صح؟ كل هاد منشان العالم وتوازنه…”لم تنتظر جوابًا.لكن الفراغ نفسه بدا وكأنه يستمع.كأن كلماتها لم تعد مجرد صوت، بل أصبحت تترك أثرًا في المكان.---الظل الذي كان قريبًا منها لم يتحرك فورًا.كان يراقبها بصمت، وكأنه يحلل التغير الذي حدث فيها، ليس فقط في طاقتها… بل في قرارها نفسه.ليان تنفست ببطء، ثم التفتت نحوه بالكامل هذه المرة، نظرتها أكثر ثباتًا من قبل.“اسمع…”قالتها بهدوء.“بتقدر تتشكل بصورتك الحقيقية؟”---ساد صمت ثقيل.لم يكن صمت انتظار عادي… بل صمت كأن شيئًا قد توقف ليفهم معنى السؤال.الظل بدأ يتحرك ببطء.ليس ككائن عادي… بل كفكرة تتحول إلى وجود.الفراغ حوله ارتجف، وكأن الواقع نفسه لا يحب ما سيحدث.ثم جاء الصوت.هادئ… عميق… لكنه مختلف هذه المرة.“صورتي الحقيقية؟”---توقفت ليان عن الحركة.لم تشعر بالخوف.

  • ظل لا يرى    ما ليس لك… صار منك

    الصمت الذي تلا دفع ليان لآدم لم يكن طبيعيًا.لم يكن مجرد غياب صوت… بل كان غياب معنى.كأن العالم قرر لثانية واحدة أن يتوقف عن تفسير ما يحدث، كأنه رفض أن يعترف بما رأته العيون قبل لحظات.آدم كان على الأرض.أنفاسه ثقيلة، وعقله يرفض تصديق ما حدث للتو.رفع نظره إليها ببطء…كأنه يخاف أن تكون الصورة التي أمامه هي الحقيقة.لكنها كانت هناك.ليان.واقفة.ثابتة.بينه وبين ذلك الشيء.لكنها لم تكن نفسها.---“ليان…” خرج اسمه منخفضًا، متكسرًا، كأنه لا يريد أن يجرح الهواء.لم تلتفت فورًا.كانت عيناها مثبتتين على الظلام خلفها، على ذلك الكيان الذي بدأ يكتمل أكثر… أكثر من مجرد ظل، أكثر من مجرد حضور، كأنه بدأ يأخذ شكل فكرة قديمة جدًا… فكرة لا يجب أن تُستدعى.ثم قالت بهدوء:“قلتلك… لا تقرب.”---آدم شدّ يده على الأرض، وقف ببطء، لكنه لم يقترب.“هذا مش إنتِ…”صوته ارتفع قليلًا، هذه المرة فيه ألم أكثر من غضب.“إنتِ عم تسمحي له يدخل فيك.”---عند هذه الجملة…تغير شيء.ليان أغمضت عينيها لثانية واحدة فقط.وكأن كلماته وصلت لمكان أعمق مما يجب.لكنها عندما فتحتهما مجددًا…لم يعد هناك ارتباك.فقط هدوء.مخيف.---“

  • ظل لا يرى    ما بيني وبينك الهاوية

    لم يكن الصوت الذي تبع فتح الباب عاليًا…بل كان أخطر من ذلك بكثير.كان صامتًا.صامت لدرجة أن العالم نفسه بدا وكأنه توقف للحظة، كأن كل شيء—الهواء، الزمن، حتى نبضات القلب—تردد قبل أن يقرر إن كان سيكمل… أم سينهار.آدم لم يتحرك.يده ما زالت ممدودة، أصابعه متشابكة مع أصابع ليان، لكن الشعور لم يعد كما كان قبل ثوانٍ، لم يعد دافئًا أو مألوفًا، بل صار غريبًا… ثقيلاً… كأن شيئًا آخر يتسلل بينهما، شيء لا يُرى، لكنه يُحس.نظر إليها.أول ما لاحظه… عيناها.لم تكن كما يعرفها.لم تكن خائفة فقط… بل كان هناك شيء أعمق، شيء ساكن خلف نظرتها، كأنه يراقبه من خلالها، كأنه لا ينظر إلى ليان… بل إلى شيء يرتديها.“ليان…” خرج صوته منخفضًا، حذرًا، وكأنه يخشى أن ينكسر هذا الخيط الرفيع الذي ما زال يربطها به.لكنها لم تجب فورًا.فقط نظرت إليه… طويلًا.طويلًا لدرجة جعلت قلبه ينقبض.ثم… ابتسمت.ابتسامة خفيفة… لكنها لم تكن لها.لم تكن ابتسامة تلك الفتاة التي تعثرت بين يديه في أول لقاء، ولا تلك التي كانت تقاوم الألم وتحاول أن تبدو قوية، هذه الابتسامة كانت هادئة… أكثر من اللازم… وباردة بطريقة لم يستطع تفسيرها.“آدم…” قالت ا

  • ظل لا يرى    حين يتقاطع الطريقان

    الليل لم يعد مجرد ليل… بل صار ساحة مفتوحة للفوضى، والمدينة التي كانت تنبض بالحياة قبل ساعات فقط تحولت إلى مكان لا يُعرف، أصوات الصراخ تتداخل مع خطوات الهروب، والظلال تتحرك بطريقة غير طبيعية، وكأن شيئًا قد انكسر في قلب العالم نفسه، ولم يعد أحد يعرف كيف يعيده كما كان.آدم كان يركض وسط كل ذلك، يتجاوز الناس، يتفادى الاشتباكات، وعيناه لا تبحثان عن النجاة… بل عن شيء واحد فقط، إحساس خافت يقوده، يجرّه نحو نقطة لا يعرفها، لكنه متأكد أنها مرتبطة بها، وكأن جزءًا منه لا يزال متصلًا بها رغم كل ما حدث.أنفاسه كانت ثقيلة، وجسده بدأ يتعب، لكن لم يكن هناك خيار للتوقف، لأن كل لحظة تمر… قد تعني أنه يتأخر أكثر، قد تعني أنه يفقدها للأبد، وهذا الشيء تحديدًا… لم يعد مستعدًا لتحمله مرة أخرى."ليان… استني…" همسها بين أنفاسه، وكأنه يرسلها عبر المسافة، عبر الفراغ، عبر شيء لا يفهمه، لكنه يشعر به بقوة.لكن فجأة—توقف.ليس لأنه أراد… بل لأن الطريق أمامه لم يعد مفتوحًا.ثلاثة مصاصي دماء وقفوا في طريقه، لكنهم لم يكونوا طبيعيين، عيونهم حمراء بالكامل، حركاتهم غير متزنة، وكأنهم فقدوا أي وعي بشري داخلهم، مجرد كائنات تتح

  • ظل لا يرى     الحداد (آدم بعد خسارة ليان)

    الصمت الذي ملأ المكان بعد اختفاء ليان لم يكن مجرد هدوء عابر، بل كان أشبه بفراغ ثقيل ابتلع كل شيء، حتى الهواء نفسه بدا وكأنه توقف عن الحركة، وآدم بقي في مكانه للحظات طويلة لا يستطيع التمييز إن كانت ثوانٍ أم ساعات، يحدّق في الفراغ الذي كانت فيه قبل لحظات، وكأن عينيه ترفضان تقبل الحقيقة، وكأن جزءًا منه لا يزال ينتظر أن تعود، أن تتشكل من جديد أمامه، أن يحدث شيء يعكس ما حصل… لكن لا شيء حدث، ولم يبقَ سوى ذلك الإحساس القاسي الذي استقر في صدره، إحساس الخسارة التي لم يستطع منعها مرة أخرى.ببطء شديد، بدأ ينهض، جسده كان مثقلًا وكأنه يحمل وزن العالم كله، لكن عينيه… لم تكونا كما قبل، لم يكن فيهما فقط الحزن، بل فراغ مخيف، فراغ يدل على أن شيئًا داخله انكسر بطريقة لا يمكن إصلاحها بسهولة، رفع يده قليلًا وكأنه يحاول أن يلمس بقاياها في الهواء، ثم شدّ قبضته فجأة وضرب الجدار بقوة، الصوت ارتد في المكان كصرخة مكبوتة خرجت أخيرًا، لكنه لم يكن كافيًا ليخفف ما بداخله."مو هيك لازم تنتهي…" قالها بصوت مبحوح، وكأن الكلمات نفسها تؤلمه، ثم مرّت الذكريات دفعة واحدة، ليلة تحوله، الألم الذي مزّق جسده، الشعور بالعجز، ثم

  • ظل لا يرى    ليلة اكتمال القمر

    الليل لم يكن كأي ليلة… القمر كان مكتملاً، ضخمًا في السماء، يسكب ضوءه الفضي على المدينة وكأنه يكشف كل الأسرار المخفية. الهواء بارد، لكنه يحمل توترًا غير طبيعي، كأن العالم كله يحبس أنفاسه انتظارًا لشيء سيغيّر كل شيء.آدم كان يمشي بخطوات ثابتة، لكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا. كل خطوة تقرّبه من المواجهة… وكل فكرة في رأسه كانت تصرخ فيه ليتوقف. لكنه لم يتوقف. لم يعد هناك مجال للتراجع."هاي آخر مرة…" همس لنفسه، وعيونه انعكست فيها صورة القمر. "يا أنا… يا هي."وصل إلى المكان.مبنى قديم، مهجور، لكن الطاقة التي تنبعث منه لم تكن ميتة. بالعكس… كانت أقوى من أي مكان مرّ فيه من قبل. كأن الأرض نفسها تعرف ما سيحدث هنا.دفع الباب.فتح ببطء، وصوت احتكاكه كسر الصمت.في الداخل…الشموع كانت مضاءة، مصطفة حول دائرة ضخمة مرسومة على الأرض. رموز قديمة، نفس الرموز التي رآها من قبل… لكنها الآن أكثر وضوحًا، أكثر إشعاعًا.وفي المنتصف—كانت واقفة.---ليان.أو…إيفا.---رأسها مرفوع، عيونها مغلقة، وكأنها تستقبل ضوء القمر. جسدها ثابت، لكن الطاقة حولها تتحرك، تلتف، وتزداد قوة مع كل ثانية.آدم وقف عند المدخل، نظر إليها،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status