Share

صوت داخلها

Author: حبر
last update publish date: 2026-04-21 20:05:40

الصمت الذي تلا كلمات ليان لم يكن عاديًا… كان ثقيلًا لدرجة أن آدم شعر به يضغط على صدره. عيناها بقيتا مثبتتين على تلك الزاوية الفارغة من الغرفة، وكأنها ترى شيئًا حيًا يتحرك هناك، شيئًا لا يستطيع هو رؤيته مهما حاول. لكن الإحساس… كان موجودًا. إحساس بوجود شيء غريب، ببرودة غير طبيعية تسللت إلى المكان دون إذن.

آدم اقترب منها خطوة، حذرًا، كأنه يخشى أن أي حركة مفاجئة قد تجعلها تنكسر أمامه. يده ارتفعت ببطء، ثم وضعها على كتفها، يحاول يعيدها للواقع.

"ليان… ركزي معي، احكي معي، شو عم تشوفي بالضبط؟"

صوته كان ثابت، لكنه أخفى توترًا واضحًا.

ليان لم ترد فورًا. شفتاها تحركتا ببطء، وعيناها لم ترمشا تقريبًا. كانت كأنها منقسمة بين مكانين… هذا الواقع، وشيء آخر يسحبها نحوه.

"هي مش عم تختفي… بالعكس… عم تقرب."

الكلمات خرجت منها بهدوء مرعب.

آدم شدّ على كتفها أكثر.

"مين هي؟"

هذه المرة، رمشت ليان ببطء، وكأنها عادت لجزء بسيط من وعيها، ثم همست:

"أنا… بس مو أنا."

الجملة سقطت بينهما كشيء ثقيل لا يمكن تجاهله.

قبل أن يستطيع الرد، شهقت فجأة، وجسدها انحنى مرة أخرى، يدها رجعت تضغط على صدرها بقوة. الألم عاد، أقوى من قبل، كأنه يعاقبها على كل كلمة قالتها.

"آآه…!"

أنفاسها تسارعت، ووجهها شحب أكثر.

آدم أمسكها بسرعة، صوته صار أقوى.

"ليان! لا تتركي حالك، اسمعيني! شو عم بصير؟"

لكنها لم تستطع الشرح. الألم كان يسرق صوتها، يخنق الكلمات داخلها. كل ما استطاعت فعله هو التمسك به أكثر، كأنه الشيء الوحيد الذي يمنعها من السقوط.

وفجأة…

سكنت.

تجمدت.

عيناها ارتفعتا ببطء، لكن هذه المرة لم تنظرا للزاوية… بل انعكستا على شيء خلف آدم.

آدم شعر بذلك قبل أن يلتفت.

الهواء خلفه صار أثقل.

بارد أكثر.

وإحساس غريب… كأن أحدًا يقف هناك فعلًا.

استدار ببطء.

لم يرَ شيئًا واضحًا.

لكن…

لثانية واحدة—

انعكاس خفيف ظهر على زجاج النافذة.

ظل.

شكل امرأة.

تقف.

وتبتسم.

اختفى بنفس السرعة.

لكن ذلك كان كافيًا.

عاد بنظره إلى ليان، وقلبه لم يعد هادئًا كما كان.

"ليان…"

لكنها قاطعته، بصوت منخفض… مختلف.

"هي مش جاية تأذيني…"

توقفت، ثم أضافت:

"هي جاية… تاخدني."

الصمت انفجر داخل رأسه.

"تاخدك وين؟"

اقترب أكثر، عيونه تبحث في عيونها.

لكنها لم تكن تنظر إليه الآن.

"للمكان اللي بدأت فيه كل شي."

جسدها ارتجف بخفة، وكأنها تقاوم شيئًا داخليًا.

"أنا عم أتذكر… شوي شوي… وكل ما أتذكر أكثر… هي بتقرب أكثر."

آدم شدّ على يدها.

"لا، ما رح تروحي لأي مكان. طول ما أنا هون، ما رح حدا ياخدك."

لكنها هزت رأسها ببطء.

"مو بإيدي…"

نظرت إليه أخيرًا، ونظرتها كانت مليئة بخوف حقيقي.

"آدم… أنا خايفة من حالي."

هذه المرة، لم يجد جوابًا سريعًا.

لأنه لأول مرة… كان هو أيضًا كذلك.

اقترب منها أكثر، رفع يده ووضعها على خدها بلطف، يجبرها تنظر إليه فقط.

"اسمعيني… إنتِ ليان، فاهمة؟ مهما شو شفتي، مهما شو حسيتي، إنتِ لسا هون."

صوته كان ثابت، كأنه يحاول يثبت هذه الحقيقة له قبلها.

لكن فجأة—

شهقت.

جسدها انشد، وعيناها اتوسعتا.

لكن هذه المرة… لم يكن ألم.

كان شيء آخر.

قوة.

ضعيفة… لكنها واضحة.

الهواء حولها تحرك.

الشمعة القريبة اهتزت.

ثم انطفأت.

الغرفة صارت أغمق.

آدم ابتعد خطوة بدون وعي، عيونه عليها.

ليان رفعت يدها ببطء، تنظر إليها وكأنها لا تعرفها.

"شو هاد…؟"

صوتها كان مليء بالصدمة.

لكن في نفس اللحظة—

صوت آخر خرج معها.

"هذا أنتِ."

الصوت لم يكن من الغرفة.

ولا من آدم.

كان من داخلها.

تجمدت.

"سمعتيه؟"

همست، عيونها على آدم.

هو لم يجب.

لأنه لم يسمع شيئًا.

لكن تعابير وجهها… كانت كافية.

"في حدا عم يحكي معي…"

تنفست بسرعة.

"مو من برا… من جوا."

صمت.

ثقيل.

مرعب.

آدم اقترب مرة ثانية، هذه المرة ببطء شديد.

"شو بحكي؟"

ليان سكتت لثواني، كأنها تستمع.

ثم قالت بصوت خافت:

"عم يقول… إنو الوقت خلص."

رفعت عيونها عليه.

"وإنو أنا لازم أختار."

"بين شو؟"

سأل فورًا.

لكنها لم تجب مباشرة.

لأن في تلك اللحظة…

ابتسمت.

ابتسامة خفيفة.

غريبة.

ليست لها.

ثم قالت:

"بيني… وبينها."

وسكتت.

لكن هذه المرة…

لم يكن الصمت مريحًا.

كان بداية شيء أسوأ.

الابتسامة التي ظهرت على وجه ليان لم تختفِ فورًا… بل بقيت لثوانٍ أطول مما يجب. كانت خفيفة، لكنها غريبة، كأنها لا تنتمي لها بالكامل. آدم لاحظ ذلك فورًا، وتوتره زاد بدل ما يخف. كان واقف قدامها، قريب… لكن لأول مرة حس إنو المسافة بينهم أكبر من أي وقت.

اقترب خطوة، ببطء، وكأنه يتعامل مع شيء هش جدًا… أو خطير جدًا.

"ليان… شو قصدك؟ شو يعني بينك وبينها؟"

صوته كان هادئ، لكنه مليان إصرار. ما كان رح يتركها تضيع بين كلمات مبهمة.

ليان رمشت ببطء، والابتسامة خفتت تدريجيًا. نظرتها رجعت تركز عليه، لكن لساتها مش ثابتة بالكامل. كأنها تحاول ترجع لشيء مألوف… وهو كان الشيء الوحيد المتبقي.

"أنا… مش لحالي جواتي."

قالتها بصوت منخفض، وكأنها تخاف تعترف بها بصوت عالي.

آدم شدّ على فكه، لكنه ما قاطعها.

"في صوت… مو بس صوت… إحساس. كأنه حدا عايش جواي، عم يشوف كل شي أنا بشوفه… وعم ينتظر."

توقفت لحظة، ويدها ارتفعت بدون وعي ولمست صدرها، مكان الألم.

"وكل ما أتذكر أكثر… هي بتقوى."

الصمت نزل بينهم، لكن هذه المرة كان مليان فهم مرعب.

آدم: "هي… إيفا؟"

السؤال خرج ببطء، كأنه يخشى الجواب.

ليان أغمضت عيونها لحظة، وكأنها تبحث داخليًا عن الحقيقة، ثم فتحتهم ونظرت إليه.

"مو بس اسم… هي وجود."

همست.

"كأنها كانت نايمة… وأنا عم أصحيها."

كلماتها كانت صريحة، بدون تزيين… وهذا اللي خلاها أخطر.

آدم اقترب أكثر، مسك إيدها بلطف، لكن بإصرار.

"اسمعيني… مهما كان اللي جواك، ما رح أخليه ياخدك. فاهمة؟"

نظرت إلى إيده، ثم إلى عيونه.

"وإذا أنا اللي بدي أروح؟"

السؤال كان بسيط… لكنه كسر شيء داخله.

"ما رح تروحي."

قالها فورًا.

"حتى لو كان الخيار بإيدك… رح أوقفك."

ليان سكتت، تراقبه، وكأنها تحاول تفهم إن كان جدي.

ثم همست:

"ليش؟"

آدم لم يبعد نظره.

"لأني ما رح أخسرك.

الصمت اللي تبع الجملة كان مختلف… أهدى، لكنه أعمق.

ليان بلعت ريقها، ونظرتها خفّت للحظة، وكأنها تذكرت نفسها… قبل كل هذا.

لكن فجأة—

الهواء تحرك.

الستارة اهتزت بدون سبب.

والبرودة رجعت… أقوى.

ليان شهقت بخفة، عيونها اتجهت فورًا لنفس الزاوية.

"هي رجعت…"

همست.

آدم التفت بسرعة، لكنه هذه المرة… ما تجاهل الإحساس.

كان في شيء.

حتى لو ما شافه بوضوح.

تقدم خطوة، وقف قدام ليان، كأنه يحجبها عن ذلك الشيء غير المرئي.

"إذا في شي هون… طلع."

قالها بصوت منخفض، لكن فيه تحدي.

الصمت رد عليه.

لكن ليان…

ما كانت ساكتة.

"هي مو برا…"

قالت، وعينها ما زالت مثبتة.

"هي جواتي… بس عم تطلع."

الكلمات بردت المكان أكثر.

وفجأة—

ليان انتفضت.

جسدها انشد، وإيدها شدت على قميص آدم.

"آدم…"

صوتها رجع ضعيف، خائف.

"أنا عم… بفقد السيطرة."

آدم أمسكها فورًا.

"لا، ركزي معي. اطلعي علي ."

رفع وجهها بيده، أجبرها تنظر إليه.

"أنا هون. اسمعي صوتي بس."

ليان حاولت تركز… لكن عيونها ارتجفت.

"ما عم بقدر… هي عم تحكي بصوت أعلى."

تنفست بسرعة.

"عم تقول… خلص الوقت."

فجأة—

صمتت.

عيونها اتوسعت.

ثم…

هدأت.

بشكل مفاجئ.

مرعب.

آدم حس بذلك فورًا.

"ليان؟"

لكنها ما ردت.

نظرت إليه… لكن النظرة ما كانت نفسها.

ابتسمت مرة ثانية.

أبطأ.

أبرد.

"ليش عم تقاوم؟"

الصوت خرج منها… لكنه لم يكن لها.

كان أنعم… أقدم.

آدم تراجع نصف خطوة، عيونه اتوسعت.

"إيفا…"

همسها بدون وعي.

الابتسامة كبرت.

"أخيرًا… فهمت."

تقدمت خطوة، ببطء، بثقة ما كانت تملكها من قبل.

"هي تعبت… وأنا رح أكمل."

آدم شد قبضته، واقترب فورًا.

"لا."

صوته كان حازم.

"هي مش رح تختفي. هاي جسدها… حياتها."

توقفت أمامه، رفعت رأسها قليلًا، تنظر فيه بنظرة مختلفة.

"وإنت… شو رح تعمل؟"

صمت.

"تقتلني؟"

السؤال خرج بهدوء.

لكن أثره كان قوي.

آدم ما رد فورًا.

لأنه…

ما كان عنده جواب.

وهذا كان أسوأ شيء.

ليان—أو إيفا—ابتسمت بخفة.

"كنت بعرف…"

ثم رفعت يدها ببطء، ولمست صدره بخفة.

"إنت أضعف مما توقعت."

الكلمات كانت هادئة… لكنها طعنت.

لكن فجأة—

جسدها ارتجف.

الابتسامة اختفت.

عيونها رجعت تتغير.

"لا…"

همست.

"لا… مش هلأ…"

اتراجعت خطوة لورا، تمسك رأسها.

"آدم… ساعدني…"

الصوت رجع لها.

مكسور.

خائف.

آدم تحرك فورًا، مسكها قبل ما تقع.

"أنا هون. ما رح أخليك."

لكن داخله كان يعرف…

إنه هاد الصراع…

لسا بالبداية.

وإنه قريب جدًا…

رح يضطر يختار.

بين إنقاذها…

أو فقدانها للأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل لا يرى    نقطة التوازن

    ---جلست ليان في الفراغ، لكن هذه المرة لم تكن ضائعة كما كانت في البداية.كان هناك هدوء غريب داخلها… هدوء أشبه بالاستسلام الواعي، كأنها أخيرًا قررت أن تفهم ما يحدث بدل أن تقاومه بلا معنى.رفعت رأسها للأعلى، نحو اللاشيء الذي يحيط بها، وقالت بصوت منخفض لكنه ثابت:“أنا اخترت الأفضل… صح؟ كل هاد منشان العالم وتوازنه…”لم تنتظر جوابًا.لكن الفراغ نفسه بدا وكأنه يستمع.كأن كلماتها لم تعد مجرد صوت، بل أصبحت تترك أثرًا في المكان.---الظل الذي كان قريبًا منها لم يتحرك فورًا.كان يراقبها بصمت، وكأنه يحلل التغير الذي حدث فيها، ليس فقط في طاقتها… بل في قرارها نفسه.ليان تنفست ببطء، ثم التفتت نحوه بالكامل هذه المرة، نظرتها أكثر ثباتًا من قبل.“اسمع…”قالتها بهدوء.“بتقدر تتشكل بصورتك الحقيقية؟”---ساد صمت ثقيل.لم يكن صمت انتظار عادي… بل صمت كأن شيئًا قد توقف ليفهم معنى السؤال.الظل بدأ يتحرك ببطء.ليس ككائن عادي… بل كفكرة تتحول إلى وجود.الفراغ حوله ارتجف، وكأن الواقع نفسه لا يحب ما سيحدث.ثم جاء الصوت.هادئ… عميق… لكنه مختلف هذه المرة.“صورتي الحقيقية؟”---توقفت ليان عن الحركة.لم تشعر بالخوف.

  • ظل لا يرى    ما ليس لك… صار منك

    الصمت الذي تلا دفع ليان لآدم لم يكن طبيعيًا.لم يكن مجرد غياب صوت… بل كان غياب معنى.كأن العالم قرر لثانية واحدة أن يتوقف عن تفسير ما يحدث، كأنه رفض أن يعترف بما رأته العيون قبل لحظات.آدم كان على الأرض.أنفاسه ثقيلة، وعقله يرفض تصديق ما حدث للتو.رفع نظره إليها ببطء…كأنه يخاف أن تكون الصورة التي أمامه هي الحقيقة.لكنها كانت هناك.ليان.واقفة.ثابتة.بينه وبين ذلك الشيء.لكنها لم تكن نفسها.---“ليان…” خرج اسمه منخفضًا، متكسرًا، كأنه لا يريد أن يجرح الهواء.لم تلتفت فورًا.كانت عيناها مثبتتين على الظلام خلفها، على ذلك الكيان الذي بدأ يكتمل أكثر… أكثر من مجرد ظل، أكثر من مجرد حضور، كأنه بدأ يأخذ شكل فكرة قديمة جدًا… فكرة لا يجب أن تُستدعى.ثم قالت بهدوء:“قلتلك… لا تقرب.”---آدم شدّ يده على الأرض، وقف ببطء، لكنه لم يقترب.“هذا مش إنتِ…”صوته ارتفع قليلًا، هذه المرة فيه ألم أكثر من غضب.“إنتِ عم تسمحي له يدخل فيك.”---عند هذه الجملة…تغير شيء.ليان أغمضت عينيها لثانية واحدة فقط.وكأن كلماته وصلت لمكان أعمق مما يجب.لكنها عندما فتحتهما مجددًا…لم يعد هناك ارتباك.فقط هدوء.مخيف.---“

  • ظل لا يرى    ما بيني وبينك الهاوية

    لم يكن الصوت الذي تبع فتح الباب عاليًا…بل كان أخطر من ذلك بكثير.كان صامتًا.صامت لدرجة أن العالم نفسه بدا وكأنه توقف للحظة، كأن كل شيء—الهواء، الزمن، حتى نبضات القلب—تردد قبل أن يقرر إن كان سيكمل… أم سينهار.آدم لم يتحرك.يده ما زالت ممدودة، أصابعه متشابكة مع أصابع ليان، لكن الشعور لم يعد كما كان قبل ثوانٍ، لم يعد دافئًا أو مألوفًا، بل صار غريبًا… ثقيلاً… كأن شيئًا آخر يتسلل بينهما، شيء لا يُرى، لكنه يُحس.نظر إليها.أول ما لاحظه… عيناها.لم تكن كما يعرفها.لم تكن خائفة فقط… بل كان هناك شيء أعمق، شيء ساكن خلف نظرتها، كأنه يراقبه من خلالها، كأنه لا ينظر إلى ليان… بل إلى شيء يرتديها.“ليان…” خرج صوته منخفضًا، حذرًا، وكأنه يخشى أن ينكسر هذا الخيط الرفيع الذي ما زال يربطها به.لكنها لم تجب فورًا.فقط نظرت إليه… طويلًا.طويلًا لدرجة جعلت قلبه ينقبض.ثم… ابتسمت.ابتسامة خفيفة… لكنها لم تكن لها.لم تكن ابتسامة تلك الفتاة التي تعثرت بين يديه في أول لقاء، ولا تلك التي كانت تقاوم الألم وتحاول أن تبدو قوية، هذه الابتسامة كانت هادئة… أكثر من اللازم… وباردة بطريقة لم يستطع تفسيرها.“آدم…” قالت ا

  • ظل لا يرى    حين يتقاطع الطريقان

    الليل لم يعد مجرد ليل… بل صار ساحة مفتوحة للفوضى، والمدينة التي كانت تنبض بالحياة قبل ساعات فقط تحولت إلى مكان لا يُعرف، أصوات الصراخ تتداخل مع خطوات الهروب، والظلال تتحرك بطريقة غير طبيعية، وكأن شيئًا قد انكسر في قلب العالم نفسه، ولم يعد أحد يعرف كيف يعيده كما كان.آدم كان يركض وسط كل ذلك، يتجاوز الناس، يتفادى الاشتباكات، وعيناه لا تبحثان عن النجاة… بل عن شيء واحد فقط، إحساس خافت يقوده، يجرّه نحو نقطة لا يعرفها، لكنه متأكد أنها مرتبطة بها، وكأن جزءًا منه لا يزال متصلًا بها رغم كل ما حدث.أنفاسه كانت ثقيلة، وجسده بدأ يتعب، لكن لم يكن هناك خيار للتوقف، لأن كل لحظة تمر… قد تعني أنه يتأخر أكثر، قد تعني أنه يفقدها للأبد، وهذا الشيء تحديدًا… لم يعد مستعدًا لتحمله مرة أخرى."ليان… استني…" همسها بين أنفاسه، وكأنه يرسلها عبر المسافة، عبر الفراغ، عبر شيء لا يفهمه، لكنه يشعر به بقوة.لكن فجأة—توقف.ليس لأنه أراد… بل لأن الطريق أمامه لم يعد مفتوحًا.ثلاثة مصاصي دماء وقفوا في طريقه، لكنهم لم يكونوا طبيعيين، عيونهم حمراء بالكامل، حركاتهم غير متزنة، وكأنهم فقدوا أي وعي بشري داخلهم، مجرد كائنات تتح

  • ظل لا يرى     الحداد (آدم بعد خسارة ليان)

    الصمت الذي ملأ المكان بعد اختفاء ليان لم يكن مجرد هدوء عابر، بل كان أشبه بفراغ ثقيل ابتلع كل شيء، حتى الهواء نفسه بدا وكأنه توقف عن الحركة، وآدم بقي في مكانه للحظات طويلة لا يستطيع التمييز إن كانت ثوانٍ أم ساعات، يحدّق في الفراغ الذي كانت فيه قبل لحظات، وكأن عينيه ترفضان تقبل الحقيقة، وكأن جزءًا منه لا يزال ينتظر أن تعود، أن تتشكل من جديد أمامه، أن يحدث شيء يعكس ما حصل… لكن لا شيء حدث، ولم يبقَ سوى ذلك الإحساس القاسي الذي استقر في صدره، إحساس الخسارة التي لم يستطع منعها مرة أخرى.ببطء شديد، بدأ ينهض، جسده كان مثقلًا وكأنه يحمل وزن العالم كله، لكن عينيه… لم تكونا كما قبل، لم يكن فيهما فقط الحزن، بل فراغ مخيف، فراغ يدل على أن شيئًا داخله انكسر بطريقة لا يمكن إصلاحها بسهولة، رفع يده قليلًا وكأنه يحاول أن يلمس بقاياها في الهواء، ثم شدّ قبضته فجأة وضرب الجدار بقوة، الصوت ارتد في المكان كصرخة مكبوتة خرجت أخيرًا، لكنه لم يكن كافيًا ليخفف ما بداخله."مو هيك لازم تنتهي…" قالها بصوت مبحوح، وكأن الكلمات نفسها تؤلمه، ثم مرّت الذكريات دفعة واحدة، ليلة تحوله، الألم الذي مزّق جسده، الشعور بالعجز، ثم

  • ظل لا يرى    ليلة اكتمال القمر

    الليل لم يكن كأي ليلة… القمر كان مكتملاً، ضخمًا في السماء، يسكب ضوءه الفضي على المدينة وكأنه يكشف كل الأسرار المخفية. الهواء بارد، لكنه يحمل توترًا غير طبيعي، كأن العالم كله يحبس أنفاسه انتظارًا لشيء سيغيّر كل شيء.آدم كان يمشي بخطوات ثابتة، لكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا. كل خطوة تقرّبه من المواجهة… وكل فكرة في رأسه كانت تصرخ فيه ليتوقف. لكنه لم يتوقف. لم يعد هناك مجال للتراجع."هاي آخر مرة…" همس لنفسه، وعيونه انعكست فيها صورة القمر. "يا أنا… يا هي."وصل إلى المكان.مبنى قديم، مهجور، لكن الطاقة التي تنبعث منه لم تكن ميتة. بالعكس… كانت أقوى من أي مكان مرّ فيه من قبل. كأن الأرض نفسها تعرف ما سيحدث هنا.دفع الباب.فتح ببطء، وصوت احتكاكه كسر الصمت.في الداخل…الشموع كانت مضاءة، مصطفة حول دائرة ضخمة مرسومة على الأرض. رموز قديمة، نفس الرموز التي رآها من قبل… لكنها الآن أكثر وضوحًا، أكثر إشعاعًا.وفي المنتصف—كانت واقفة.---ليان.أو…إيفا.---رأسها مرفوع، عيونها مغلقة، وكأنها تستقبل ضوء القمر. جسدها ثابت، لكن الطاقة حولها تتحرك، تلتف، وتزداد قوة مع كل ثانية.آدم وقف عند المدخل، نظر إليها،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status