LOGINالصمت الذي ملأ المكان بعد اختفاء ليان لم يكن مجرد هدوء عابر، بل كان أشبه بفراغ ثقيل ابتلع كل شيء، حتى الهواء نفسه بدا وكأنه توقف عن الحركة، وآدم بقي في مكانه للحظات طويلة لا يستطيع التمييز إن كانت ثوانٍ أم ساعات، يحدّق في الفراغ الذي كانت فيه قبل لحظات، وكأن عينيه ترفضان تقبل الحقيقة، وكأن جزءًا منه لا يزال ينتظر أن تعود، أن تتشكل من جديد أمامه، أن يحدث شيء يعكس ما حصل… لكن لا شيء حدث، ولم يبقَ سوى ذلك الإحساس القاسي الذي استقر في صدره، إحساس الخسارة التي لم يستطع منعها مرة أخرى.ببطء شديد، بدأ ينهض، جسده كان مثقلًا وكأنه يحمل وزن العالم كله، لكن عينيه… لم تكونا كما قبل، لم يكن فيهما فقط الحزن، بل فراغ مخيف، فراغ يدل على أن شيئًا داخله انكسر بطريقة لا يمكن إصلاحها بسهولة، رفع يده قليلًا وكأنه يحاول أن يلمس بقاياها في الهواء، ثم شدّ قبضته فجأة وضرب الجدار بقوة، الصوت ارتد في المكان كصرخة مكبوتة خرجت أخيرًا، لكنه لم يكن كافيًا ليخفف ما بداخله."مو هيك لازم تنتهي…" قالها بصوت مبحوح، وكأن الكلمات نفسها تؤلمه، ثم مرّت الذكريات دفعة واحدة، ليلة تحوله، الألم الذي مزّق جسده، الشعور بالعجز، ثم
الليل لم يكن كأي ليلة… القمر كان مكتملاً، ضخمًا في السماء، يسكب ضوءه الفضي على المدينة وكأنه يكشف كل الأسرار المخفية. الهواء بارد، لكنه يحمل توترًا غير طبيعي، كأن العالم كله يحبس أنفاسه انتظارًا لشيء سيغيّر كل شيء.آدم كان يمشي بخطوات ثابتة، لكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا. كل خطوة تقرّبه من المواجهة… وكل فكرة في رأسه كانت تصرخ فيه ليتوقف. لكنه لم يتوقف. لم يعد هناك مجال للتراجع."هاي آخر مرة…" همس لنفسه، وعيونه انعكست فيها صورة القمر. "يا أنا… يا هي."وصل إلى المكان.مبنى قديم، مهجور، لكن الطاقة التي تنبعث منه لم تكن ميتة. بالعكس… كانت أقوى من أي مكان مرّ فيه من قبل. كأن الأرض نفسها تعرف ما سيحدث هنا.دفع الباب.فتح ببطء، وصوت احتكاكه كسر الصمت.في الداخل…الشموع كانت مضاءة، مصطفة حول دائرة ضخمة مرسومة على الأرض. رموز قديمة، نفس الرموز التي رآها من قبل… لكنها الآن أكثر وضوحًا، أكثر إشعاعًا.وفي المنتصف—كانت واقفة.---ليان.أو…إيفا.---رأسها مرفوع، عيونها مغلقة، وكأنها تستقبل ضوء القمر. جسدها ثابت، لكن الطاقة حولها تتحرك، تلتف، وتزداد قوة مع كل ثانية.آدم وقف عند المدخل، نظر إليها،
ما وصل.الصوت اللي كان يصرخ داخلها… اختفى قبل ما يخرج، وكأن المسافة بينها وبين العالم صارت أكبر من قدرتها على العبور. ليان كانت هناك… تشوف، تسمع، تحس… لكنها لم تعد قادرة تتحكم بأي شيء. جسدها صار ساحة، وصوتها صار صدى بعيد لا يسمعه أحد.إيفا اقتربت من آدم بخطوات هادئة، نظرتها ثابتة، وابتسامتها خفيفة لكنها مليئة بيقين مخيف. وقفت أمامه تمامًا، قريبة لدرجة إنه كان قادر يشوف الفرق… الفرق بين ليان اللي يعرفها، وبين الشيء اللي واقف قدامه الآن."هاي آخر مرة بتشوف ليان… انكسرت اللعنة عنك."الكلمات خرجت منها بهدوء، لكن وقعها كان كضربة مباشرة على صدره.آدم تراجع خطوة للخلف، وكأن الأرض نفسها خانته. إيديه ارتفعت لرأسه، شدّ عليها بقوة، وكأنه يحاول يمنع الأفكار من الانفجار داخله. أنفاسه تسارعت، والغضب بدأ يغلي فيه بشكل واضح، لكنه كان ممزوج بشيء أخطر… العجز."لا… لا… لا… مش كمان مرة… مش كمان مرة!"صوته انكسر، ووقع على ركبتيه بقوة، كأن جسده لم يعد قادر يحمل كل هذا الثقل. رفع عيونه نحوها، ونظرته كانت مليانة حقد دفين، حقد تراكم عبر سنين، عبر خسارات متكررة ما قدر يمنعها."إنتِ دمرتيني يا إيفا… أنا حبيتها…
الهدوء الذي ملأ الغرفة لم يكن مريحًا، بل كان ثقيلاً بطريقة غريبة، كأن الجدران نفسها تحتفظ بما حدث قبل قليل. ليان كانت مستلقية على السرير، أنفاسها أهدأ من قبل، لكن ملامحها لم تستقر بعد، وكأن شيئًا بداخلها لا يزال يتحرك، ينتظر لحظة أخرى ليظهر. آدم جلس بجانبها دون أن يبتعد، يده ما زالت ممسكة بيدها، ليس فقط ليطمئنها… بل ليطمئن نفسه أيضًا أنها لا تزال هنا، لم تختفِ، لم تُسحب منه كما خاف قبل لحظات. نظر إلى وجهها طويلاً، وكأن ملامحها بدأت تختلط عليه بين ما يعرفه… وما بدأ يراه الآن.تنفس ببطء، ثم أغمض عينيه للحظة، وكأن ذاكرته قررت أن تعود دون استئذان. لم يكن يحب تذكر الماضي، لأنه لم يكن يحمل شيئًا جميلًا، لكنه في هذه اللحظة… شعر أنه مضطر. ربما لأنها تمر بما مرّ به، أو ربما لأنه خائف أن يخسرها بنفس الطريقة التي خسر بها نفسه يومًا."أنا ما كنت هيك…" قالها بصوت منخفض، بالكاد يُسمع، لكنه كان واضح بما يكفي ليصل لها.ليان فتحت عينيها ببطء، نظرتها كانت مرهقة لكنها مركزة عليه. لم تقاطعه، فقط انتظرت."قبل كل هذا… كنت إنسان عادي. ما كان عندي أي فكرة إنو في عالم تاني عايش معنا، ولا كنت مهتم أعرف. كنت أع
الصمت الذي تلا كلمات ليان لم يكن عاديًا… كان ثقيلًا لدرجة أن آدم شعر به يضغط على صدره. عيناها بقيتا مثبتتين على تلك الزاوية الفارغة من الغرفة، وكأنها ترى شيئًا حيًا يتحرك هناك، شيئًا لا يستطيع هو رؤيته مهما حاول. لكن الإحساس… كان موجودًا. إحساس بوجود شيء غريب، ببرودة غير طبيعية تسللت إلى المكان دون إذن.آدم اقترب منها خطوة، حذرًا، كأنه يخشى أن أي حركة مفاجئة قد تجعلها تنكسر أمامه. يده ارتفعت ببطء، ثم وضعها على كتفها، يحاول يعيدها للواقع."ليان… ركزي معي، احكي معي، شو عم تشوفي بالضبط؟"صوته كان ثابت، لكنه أخفى توترًا واضحًا.ليان لم ترد فورًا. شفتاها تحركتا ببطء، وعيناها لم ترمشا تقريبًا. كانت كأنها منقسمة بين مكانين… هذا الواقع، وشيء آخر يسحبها نحوه."هي مش عم تختفي… بالعكس… عم تقرب."الكلمات خرجت منها بهدوء مرعب.آدم شدّ على كتفها أكثر."مين هي؟"هذه المرة، رمشت ليان ببطء، وكأنها عادت لجزء بسيط من وعيها، ثم همست:"أنا… بس مو أنا."الجملة سقطت بينهما كشيء ثقيل لا يمكن تجاهله.قبل أن يستطيع الرد، شهقت فجأة، وجسدها انحنى مرة أخرى، يدها رجعت تضغط على صدرها بقوة. الألم عاد، أقوى من قبل،
تجمّد الوقت للحظة… كأن كل شيء انكسر ثم توقّف. الضوء الأحمر المنبعث من الرموز تحت ليان بدأ ينتشر في الغرفة، يزحف على الجدران، ويعكس ظلالًا مشوهة على وجوه الجميع. القائد تراجع خطوة دون وعي، لأول مرة يفقد سيطرته، وعيناه مثبتتان على ليان وكأنه يرى شيئًا لم يكن يتوقعه بهذه السرعة. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المربوطة أمامه، بل شيء آخر بدأ يظهر من تحت هذا الضعف… شيء أقدم، أعمق، وأكثر خطورة.ليان رفعت رأسها ببطء، وكأن جسدها لم يعد يخضع لنفس القوانين. أنفاسها استقرت فجأة، واختفى ذلك الارتجاف الذي كان يسيطر عليها قبل لحظات. عيناها فتحتا بالكامل، لكن اللون فيهما لم يكن كما كان… لم يكن الخوف هو الذي يملؤهما الآن، بل هدوء مرعب، هدوء لا يخص إنسانة عادية. نظرت حولها ببطء، كأنها ترى المكان لأول مرة… أو ربما تتذكره.ليان تفنح عيونها وهي متألمة وتقول "خلص ... قلت خلص الصوت خرج منها… لكنه لم يكن صوتها بالكامل. كان أعمق، أثقل، وكأنه يحمل صدى شخص آخر يتكلم من داخلها. الكلمات كانت واضحة، لكنها لم تكن تحمل ضعفًا أو ترددًا، بل أمرًا.آدم، الذي كان قد اندفع نحوها قبل لحظات، توقّف فجأة في مكانه. جسده ما زال مش







