Home / التشويق / الإثارة / ظلال الطفولة / الفصل الخامس:- حطام ونور

Share

الفصل الخامس:- حطام ونور

Author: هبوس
last update publish date: 2026-10-07 02:34:43

خرجت رهف من منزل عائلتها والخطوات تترنح بها تحت سماء الليل الحالمة، لكن روحها كانت تشتعل. بمجرد أن أغلقت باب سيارتها وانعزلت عن العالم، انهار ذلك الدرع الحديدي الذي طالما تظاهرت به. بكت.. بكت كما لم تبكِ منذ سنوات. كانت تحارب بكل قوتها النفسية كي لا تدخل في حالة إنكار، تحارب لتعترف بوجعها ولا تكبته. أعادتها هذه اللحظة إلى تلك الليلة المشؤومة من طفولتها؛ الليلة التي تعرضت فيها للاعتداء خلف الباب الخشبي المغلق، حيث بكت بنحيب مرير واستغاثت بدموع حارقة حتى جف حلقها، لكن أحداً لم يأتِ لنجدتها، ولم تمتد يد واحدة لتمسح على رأسها الصغير. تذكرت أيضاً نظرات والدتها الباردة بعدها، وإنكارها التام والمستميت لفكرة أن ابنتها مريضة نفسياً أو بحاجة لعلاج، مفضلة دفن الحقيقة لحماية المظاهر الاجتماعية.

قضت رهف ليلتها في شقتها الخاصة، تتقلب على فراش السهاد، ينهشها التفكير وتتقاذفها أشباح الماضي والحاضر. ومع خيوط الفجر الأولى، قررت العودة إلى منزل والدتها لتفقد الأوضاع بعد العاصفة. لكن الصدمة كانت بانتظارها عند العتبة.

دلت رهف الصالة لتجد والدتها مع عمها عادل، والدموع ما زالت ترقرق في عينيها، وهي تتحدث بتوسل وانكسار مع عمها عادل صديق الأسرة المقرب. كانت الأم تبكي وتترجاه قائلة: "أرجوك يا عادل.. أنت صديق عمره والوحيد الذي يستمع إليه، كلمه واثنه عن قراره بالزواج، لا تترك بيتنا يخرب!"

في تلك اللحظة، التفت عادل الذي كان متواجداً بالفعل في المنزل، وصوب نحو رهف نظرة سلمت رهف علية تحت نظرات التذلل من والدتها ، وتصاعدت دماء الغضب في عروقها. التفتت نحو والدتها وصرخت بعصبية عارمة: "ماذا تفعلين يا أمي؟ تتوسلين إليه وكأنه سنموت بدونة؟ استمعي إليّ جيداً.. أقسم لكِ، لو أن أبي تزوج وتجرأ بعد ذلك على خطو خطوة واحدة داخل هذا البيت، فلن أبقى فيه لدقيقة واحدة! سأترككم جميعاً وأرحل بلا عودة!" ولم تنتظر سماع الرد، بل حملت حقيبتها وهرعت خارجة متوجهة إلى عملها.

لكن أثر الصدمة النفسية القديمة كان قد تغلغل في تفاصيل يومها بشكل مرعب. أثناء سيرها في ردهة المشفى المؤدية لعيادتها، كانت رهف تحمل كوباً من القهوة الساخنة، شاردة الذهن. وفجأة، مرّ أحد الموظفين مسرعاً واصطدم بكتفها دون قصد. كان تلامس الأكتاف العابر هذا كافياً ليفجر داخلها نوبة ذعر انشقاقية. انتفض جسدها بعنف، وسقط كوب القهوة من يدها ليرتطم بالأرض وينسكب السائل الساخن، بينما اتسعت عيناها بهلع وهي تتراجع للخلف، وشعرت بأنفاس المعتدي القديم تحاصرها مجدداً. تنحنح الموظف معتذراً ومضى، بينما وقفت رهف تلتقط أنفاسها المتسارعة، وضغطت على كفيها بقوة مرعبة وهي تأخذ قراراً حاسماً غير قابل للتراجع: لن تظل ضحية بعد الآن.. يجب أن تكون أقوى من هذا الضعف، وحان الوقت لتنتقم شر انتقام من ذلك الشخص النذل الذي دمر طفولتها وسلبها أمانها.

دخلت مكتبها الفخم بحالة من التشتت، ولحقت بها صديقتها ومديرة أعمالها "سارة". كانت سارة ترتب الأوراق وعلامات التردد تكسو وجهها، ثم نظرت إلى رهف وقالت بنبرة حاولت جعلها هادئة لتخفيف التوتر: "رهف.. هناك موضوع شخصي يجب أن نتحدث فيه. أحمد.. صديقنا المقرب وطبيب الأطفال في المشفى، تحدث معي مطولاً اليوم. إنه يحبكِ يا رهف.. يحبكِ بصدق منذ سنوات، ويريد التقدم لخطبتكِ والزواج منكِ رسمياً. لقد صدمت عندما رأيت مدى تمسكه بكِ."توقفت رهف مكانها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة ممزوجة بالوجع الساخر، وقالت بنبرة حزينة وجافة: "أتزوج؟ كيف تتخيلين أنني يمكن أن أتزوج يا سارة؟"

قاطعتها سارة مقتربة منها وقالت بحنان: "ولماذا لا تتزوجين؟ الجميع في المشفى وفي محيطنا يعلمون علم اليقين أنه يعشق الأرض التي تمشين عليها، وينتظر إشارة منكِ ليثبت لكِ أمان العالم كله!"

التفتت رهف نحو النافذة، وأنزلت دموعها المكتومة وقالت بصوت مخنوق يملؤه الانكسار: "أنتِ صديقتي وتعرفين حقيقتي يا سارة.. أتريدينني أن أظلمه معي؟ أحمد رجل نقي ويستحق امرأة كاملة تمنحه الحب والأمان. كيف أقبل أن يتزوج بحطام أنثى؟ امرأة مكسورة من الداخل، تطاردها الكوابيس وتخاف من تلامس الأكتاف العابر؟ أنا مجرد بقايا مشوهة، ولن أسمح لنفسي بأن أهدم حياته بحطامي!"

ساد الصمت الثقيل أرجاء المكتب، وجلست رهف خلف مكتبها واضعة رأسها بين يديها، بينما وقفت سارة عاجزة عن الرد، لتنتهي جدران الفصل على صوت دقات قلب رهف المثقلة بالانتقام والوجع والرفض.توقفت رهف مكانها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة ممزوجة بالوجع الساخر، وقالت بنبرة حزينة وجافة: "أتزوج؟ كيف تتخيلين أنني يمكن أن أتزوج يا سارة؟"

قاطعتها سارة مقتربة منها وقالت بحنان: "ولماذا لا تتزوجين؟ الجميع في المشفى وفي محيطنا يعلمون علم اليقين أنه يعشق الأرض التي تمشين عليها، وينتظر إشارة منكِ ليثبت لكِ أمان العالم كله!"

التفتت رهف نحو النافذة، وأنزلت دموعها المكتومة وقالت بصوت مخنوق يملؤه الانكسار: "أنتِ صديقتي وتعرفين حقيقتي يا سارة.. أتريدينني أن أظلمه معي؟ أحمد رجل نقي ويستحق امرأة كاملة تمنحه الحب والأمان. كيف أقبل أن يتزوج بحطام أنثى؟ امرأة مكسورة من الداخل، تطاردها الكوابيس وتخاف من تلامس الأكتاف العابر؟ أنا مجرد بقايا مشوهة، ولن أسمح لنفسي بأن أهدم حياته بحطامي!"

ساد الصمت الثقيل أرجاء المكتب، وجلست رهف خلف مكتبها واضعة رأسها بين يديها، بينما وقفت سارة عاجزة عن الرد، لتنتهي جدران الفصل على صوت دقات قلب رهف المثقلة بالانتقام والوجع والرفض.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظلال الطفولة   الفصل الثاني عشر:-حبيسة طفولتها

    في عتمة تلك الليلة الثقيلة، كانت رهف مستلقية على فراشها، وعقلها لا يكف عن الدوران حول فكرة غامضة؛ ماجد مختفٍ تماماً منذ فترة، وكل محاولاتها للوصول إليه أو فهم غايته باءت بالفشل. بدأت تتقلب على سريرها بين اليقظة والنوم، ينهشها القلق وتتقاذفها كوابيس طفولتها المرعبة التي عادت لتجسد الكف الخشنة والباب المغلق. عجزت تماماً عن النوم، فنهضت بجسد مرتجف وتوجهت إلى غرفة والدتها، وطرقت الباب بخفة. فتحت الأم عينيها وقالت بقلق: "خير يا بنتي؟ ما بكِ؟" أجابتها رهف بصوت خافت: "مش عارفة أنام يا أمي.. تعبانة جداً." سحبتها الأم بحنان قائلة: "تعالي هنا جنبي."أخذتها الأم في حضنها الدافئ، ومسدت على شعرها ثم قالت بنبرة حانية: "مالك يا رهف؟ حساكي مش مرتاحة بقالك فترة." تنهدت رهف وقالت: "تعبانة بس يا أمي." لكن الأم هزت رأسها وقالت: "لا، مش تعب جسدي.. أنا ساعات بحسكِ شايلة هم الدنيا كله فوق كتافكِ، قولي لي إيه اللي مزعلكِ ومغير حالكِ؟" صمتت رهف لثوانٍ، ثم نظرت إلى والدتها وقالت بجدية: "ماما.. عايزاكي تبقي قوية، وماتعتمديش على راجل في حياتكِ تاني أبداً، حتى لو كان الراجل ده هو بابا." نظرت إليها الأم باستغراب و

  • ظلال الطفولة   الفصل الحادى عشر:- خيارات بطعم الرماد

    مع شروق صباح يوم جديد يحمل في طياته خيوط الأمل والبدايات الواعدة، خطت الدكتورة رهف داخل ممرات المستشفى بخطوات واثقة، لتستقبلها صديقتها ومديرة أعمالها سارة بملامح بَدت أكثر راحة وتصميماً. اقتربت سارة منها وقالت بنبرة خفيضة ولكنها حاسمة: "رهف.. لقد اتخذت قراري النهائي، سأطلب الطلاق رسمياً وأنهي هذا الجحيم البارد. أنا أعتذر منكِ بشدة لأنني سأقيم في شقتكِ لفترة مؤقتة حتى أتمكن من ترتيب أموري وتنظيم حياتي الجديدة." ابتسمت رهف بحنان وضغطت على يدها قائلة دون أي تردد: "أرجوكِ يا سارة، لا داعي لأي انزعاج أو كسوف بيننا، الشقة شقتكِ والمكان يتسع لنا معاً، وهذا أقل ما يمكنني تقديمه لكِ في رحلة استعادة كرامتكِ."تنفسَت سارة براحة، بينما باشرت رهف عملها وبدأت في تصفح ملفات الحالات الجديدة بجدية. استوقفها ملف مريض استثنائي؛ دكتور جراح شهير، تعرض لحادث سيارة مروع خسر فيه زوجته وابنه الصغير بينما خرج هو من الحادث سليماً بجسده، لكن روحه تحطمت بالكامل، ليدخل بعدها في حالة صمت اختياري تام ورفض مطلق للتواصل مع العالم. شعرت رهف بوجع إنساني عميق، وأخذت الملف وتوجهت إلى غرفته لتلقي نظرة عليه. وجدته جالساً بج

  • ظلال الطفولة   الفصل العاشر:- شرارة التمرد

    وقفت الدكتورة رهف في منتصف مكتبها، وعيناها متسمرتان فوق ورقة صغيرة مطوية بعناية كانت قد عثرت عليها. بدأت تقرأ أسطرها بملامح شاحبة، وكان خط "ملك" الضعيف يرتجف بين أصابعها وهي تقول: "دكتورة رهف، أنا آسفة جداً لأنني خذلتكِ ورحلت.. لكنني فكرت ملياً ووجدت أن أهلي على حق. أنا لا أملك الجرأة ولا القوة لمواجهة المحاكم ونظرات الناس، وسماع كلماتها الجارحة. الفضيحة ستقتلني قبل أن ينال هو عقابه. سأحاول التعايش مع قذارة ما حدث في صمت، أرجوكِ سامحيني ولا تبحثي عني."أطبقت رهف يدها على الورقة بعنف وجسدها كله يرتجف من فرط العجز والوجع؛ لقد انتصر الخوف الاجتماعي مجدداً، ودفنت ضحية أخرى سرها في العتمة لتلوذ بالفرار هرباً من مواجهة مجتمع لا يرحم.وفي تلك اللحظة المشحونة بالمرارة، انفتح باب المكتب فجأة ودخل الطبيب أحمد وعيناه تحملان ذلك الإصرار النقي ليفتح معها موضوع ارتباطهما ومساندته لها مجدداً. التفتت إليه رهف، وفجأة انفجر بركان الغضب المكبوت داخل صدرها؛ تلاقت خيبة خذلان ملك مع ضغط مشاعرها، فصرخت في وجه أحمد بعصبية عارمة وهي تنتفض: "أحمد! ألم تفهم كلامي السابق؟! أرجوك اخرج من مكتبي ومن حياتي فوراً! أن

  • ظلال الطفولة   الفصل التاسع:- ملامح الغد

    في الجانب الآخر من العائلة، كان "خالد" شقيق رهف الأكبر يعيش تفاصيل حياته اليومية بطريقة مختلفة تماماً عن القسوة والبرود اللذين نشأ في ظلهما. رزقه الله بطفلين جميلين، وكان يرى في ملامحهما الصغيرة فرصة لترميم أنقاض ماضيه. لقد أخذ عهداً على نفسه ألا يذوق أبناؤه ذرة واحدة من الجفاف العاطفي الذي مارسه والدهم عليهم؛ فكان يقضي ساعات المساء يمازح طفليه، ويغمرهما بحضن دافئ يفتقدانه في ذكريات طفولته، كما كان يقف مع زوجته في المطبخ بابتسامة صامتة، يساعدها في أعمال البيت ويفك عنها عبء اليوم، مؤمناً بأن الرجولة الحقيقية هي احتواء وسند.رغم انشغال رهف العارم بقضية الطفلة ملك، إلا أن واجبها نحو والدتها ظل يدفعها للتحرك. توجهت رهف إلى منزل عائلتها، وهناك اتفقت مع شقيقتها "رغد" على خطة عاجلة لانتشال والدتهما من مستنقع حزنها. واجهت الفتاتان رفضاً قاطعاً واستسلاماً مريراً من الوالدة التي كانت ترى أن حياتها قد انتهت، ولكن بإصرار رهف الحاد وعزيمتها، رضخت الأم وأقنعاها بالخروج.انطلقن جميعاً إلى مركز تسوق راقٍ في المدينة. بدأت الجولة بالتجول بين المحلات التجارية الكبرى، وكانت رهف ورغد تختاران بعناية قطع مل

  • ظلال الطفولة   الفصل الثامن:- ثمن الاستقامة

    الصباح التالي والصلابة ترتسم على ملامحها، متوجهة مباشرة نحو الغرفة التي تقبع فيها الطفلة "ملك".عند باب الغرفة، كان والدا ملك يجلسان والوجوم والقلق الشديد يكسوان وجهيهما. تنحنحت رهف وطلبت منهما الدخول معها إلى الغرفة لإجراء مناقشة طبية هامة وحاسمة بخصوص الحالة النفسية لابنتهما. دخل الجميع، وأغلقت رهف الباب خلفهم ببطء، ليعود ذلك الصمت الثقيل الذي تألفه جيداً في مواجهة الحقائق المرة. نظرت رهف إلى ملك المستلقية على السرير، فأومأت الطفلة برأسها الصغير في إشارة شجاعة تدل على موافقتها على كسر حاجز الصمت، والبدء في مواجهة عائلتها بما حدث لها.التفتت رهف نحو الأبوين، وأخذت نفساً عميقاً ثم قالت بنبرة هادئة ورصينة، لكنها حملت وزناً طبياً وقانونياً لا يقبل الشك: "لقد جلست مع ملك مطولاً بالأمس، واستمعت إلى مكنونات صدرها وما يؤرق روحها الصغيرة. الحقيقة التي يجب أن تواجهوها بشجاعة هي أن ابنتكما لم تحاول إنهاء حياتها بسبب ضغط دراسي أو اكتئاب عابر.. ملك تعرضت لاعتداء وحشي وجريمة نكراء، وهذا هو السبب الحقيقي وراء محاولتها التخلص من حياتها لشعورها بالذنب والعجز."سقطت الكلمات كالصاعقة في الغرفة، لتجمد

  • ظلال الطفولة   الفصل السابع:- خيوط الحقيقة

    بعد تلك الليلة العصيبة المليئة بالدموع المنهمرة والانهيار النفسي الحاد خلف الجدران المغلقة لشقتها الخاصة، استيقظت الدكتورة رهف وفي أعماق وجدانها إصرار جديد وقاسٍ، تولد من رحم المعاناة الطويلة. وقفت أمام مرآتها الكبيرة، ورممت شتات نفسها وجففت آخر قطرات الضعف المتبقية في عينيها، ممسكة بزمام قوتها وصلابتها كطبيبة بارعة وامرأة قررت ألا تترك ماضيها المظلم أو حاضر عائلتها المتهالك يتهاوى أكثر من ذلك. كان قرارها الأول والأقرب إلى قلبها المثقل بالهموم هو إنقاذ والدتها المنكسرة من مستنقع التبعية العمياء والإنكار النفسي المدمر.توجهت رهف إلى منزل عائلتها بخطوات ثابتة وثقيلة، ووجدت والدتها تجلس في زاوية الصالة والوجوم الشديد يكسو ملامحها الشاحبة كالموت. جلست رهف بجانبها على المقعد، وأمسكت بيديها الباردتين المرتجفتين وضغطت عليهما بحنان دافئ، ثم بدأت تتحدث إليها بنبرة هادئة، رصينة وعميقة، بعيدة تماماً عن لغة الهجوم الحادة السابقة: "أمي، استمعي إليّ جيداً وبكل جوارحكِ. الحياة لا تنتهي أبداً عند عتبة رجل اختار بكامل إرادته وبأنانية أن يرحل ويترك خلفه كل شيء، وكرامتكِ الإنسانية أثمن بكثير من أن تُهدر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status