Se connecterفي قلب حي شعبي عريق بالقاهرة، حيث تختبئ الأسرار خلف جدران البيوت القديمة، تقف المحامية نور الزهراني وحيدة أمام باب شقة جدتها الراحلة، حاملة مفاتيح ستفتح أكثر من مجرد أبواب خشبية. خلف خزانة ملابس قديمة، تكتشف نور غرفة نُسيت عمدًا لثلاثين عامًا كاملة، تحوي صورًا لطفلة تحمل ملامحها هي بالضبط، طفلة تُدعى سارة اختفت من الحي نفسه عام 1994 دون أن تترك أثرًا واحدًا. من هذه اللحظة، تبدأ رحلة نور في نبش ماضٍ ظنّت عائلتها بأكملها أنه دُفن إلى الأبد. بمساعدة الصحفي الاستقصائي كريم عادل، تتبع نور خيوطًا متشابكة تقودها من عمّ يتهرب بعصبية غريبة، إلى ضابط شرطة متقاعد يحمل ندمًا ثلاثينيًا لم يفارقه، وصولًا إلى رجل أعمال نافذ يخفي خلف ابتسامته الدافئة تهديدًا صريحًا لا لبس فيه. كل باب تفتحه نور يقودها إلى باب آخر أكثر إظلامًا: رسائل مجهولة تصل إلى عتبة بيتها في جنح الليل، شهادة ميلاد مزوّرة بعناية فائقة، واعتراف مؤلم من عمّها يقلب كل ما عرفته عن نفسها رأسًا على عقب. فهل كانت جدتها الحبيبة تحميها من خطر حقيقي داهم، أم تخفي جريمة لا تُغتفر؟ وهل نور نفسها هي سارة التي اختفت، أم أن هناك حقيقة أعمق وأكثر إيلامًا تنتظرها في الفصول القادمة؟ كل شخصية في هذه الرواية تحمل قناعًا: العم الذي يهرب من كل سؤال، ورجل الأعمال الذي يبتسم بينما يهدد، والضابط الذي يحمل سرًا أثقل من أن يحتمله وحده لثلاثين عامًا. ووسط كل هذا، تكتشف نور أن الحب الحقيقي أحيانًا يتنكر في ثوب الكذب، وأن جدتها ربما لم تكذب عليها يومًا من قسوة، بل من رغبة صادقة في حمايتها من عالم لم يكن مستعدًا لتقبّل الحقيقة. "سر الاسم الآخر" رواية غموض وتشويق نفسي محكمة الحبكة، تأخذ القارئ في رحلة بين الماضي والحاضر لا تهدأ، حيث كل فصل يكشف طبقة جديدة من الخداع، وكل صفحة تقترب أكثر من إجابة كانت مدفونة منذ ثلاثة عقود
Voir plusلم تكن نور الزهراني تتخيل أن جنازة جدتها ستنتهي بهذا الشكل الهادئ الموحش. وقفت وحيدة أمام باب الشقة القديمة في حي شعبي بالقاهرة، تحمل حفنة مفاتيح صدئة سلّمها لها محامي الأسرة قبل ساعة واحدة فقط، دون أن ينبس بكلمة زائدة، وكأنه هو الآخر يحمل شيئًا لا يريد البوح به.
كانت الجدة زينب قد عاشت في تلك الشقة منذ أكثر من أربعين عامًا، ولم تغادرها إلا في نوبات نادرة لزيارة أقاربها في الصعيد. أما نور، فلم تدخل ذلك البيت منذ كانت طفلة صغيرة، إذ انشغلت بدراستها في كلية الحقوق، ثم بعملها كمحامية في مكتب كبير وسط البلد، حتى أصبحت الزيارات مجرد اتصالات هاتفية سريعة قبل النوم، وأصبح صوت جدتها في الهاتف هو كل ما تبقى من علاقة كانت يومًا دافئة.
وقفت أمام الباب الخشبي العتيق، ولاحظت أن يدها ترتجف وهي تدير المفتاح في القفل الصدئ. لم يكن الارتجاف من البرد، فالشمس كانت لا تزال معلّقة في سماء القاهرة الخريفية، بل من إحساس غامض بأنها على وشك عبور حدٍّ لا رجعة منه. فتحت الباب ببطء، فاستقبلتها رائحة الغبار والخشب القديم، ممزوجة برائحة خافتة من العطر الذي اعتادت جدتها استخدامه، وكأن الزمن توقف في تلك الغرفة منذ سنوات طويلة، ينتظر من يعيد تشغيله من جديد.
مشت نور بين الأثاث القديم، تتفحص الصور المعلقة على الجدران، وتتذكر كل زاوية من زوايا طفولتها: الأريكة ذات المخمل الأحمر الباهت، الساعة الحائطية التي توقفت عقاربها منذ زمن بعيد، ورائحة القهوة التركية التي كانت تملأ المكان كل صباح. توقفت أمام صورة كبيرة لجدتها في شبابها، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وابتسامة لا تخلو من حزن دفين لم تفهمه نور قط. كانت تلك الابتسامة تطاردها منذ صغرها، سؤالٌ صامت لم تجرؤ يومًا على طرحه.
جلست على الأريكة القديمة، وبدأت تستعرض في ذهنها الأوراق التي يجب أن تنجزها خلال الأيام القادمة: تصفية التركة، وتوزيع الأثاث، وربما بيع الشقة إن لم يرغب أحد من الأقارب في السكن بها. كانت المهمة تبدو بسيطة من الناحية القانونية، فهي محامية بارعة اعتادت على مثل هذه الإجراءات، تفاوضت على عقود بملايين الجنيهات دون أن يتسارع نبضها، لكن شيئًا ما في داخلها الآن كان يهمس بأن هذه المرة مختلفة، بأن القوانين والأوراق لن تكفي لفهم ما ينتظرها خلف هذه الجدران.
نهضت وتوجهت نحو غرفة النوم الرئيسية، حيث كانت خزانة الملابس الكبيرة التي طالما أثارت فضولها في طفولتها، تلك الخزانة الخشبية الضخمة التي كانت جدتها تمنعها دومًا من الاقتراب منها بحجة أنها "مليئة بأشياء الكبار". فتحت الأبواب الخشبية بيد مترددة، فوجدت الملابس مرتبة بعناية فائقة، طيّات دقيقة وألوان داكنة، وكأن الجدة كانت تستعد لرحلة لم تكتمل أبدًا.
وبينما كانت تبحث بين الأدراج عن أي أوراق مهمة، لاحظت أن الجدار الخلفي للخزانة يبدو مختلفًا قليلًا عن بقية الجدران، لونه أفتح قليلًا، وخشبه أحدث عهدًا، وكأن هناك مساحة فارغة خلفه أُخفيت عمدًا عن الأعين. دفعت الخزانة بقوة، فتحركت ببطء وسط صرير خافت، كاشفة عن باب صغير خشبي، بالكاد يتسع لشخص واحد، مغطى بطبقة سميكة من الغبار وخيوط العنكبوت التي تشير إلى أنه لم يُفتح منذ عقود.
شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها، فقد كانت تعرف تمامًا أن هذا الجزء من الشقة لم يكن ضمن المساحة التي اعتادت رؤيتها في طفولتها. حاولت أن تتذكر مخطط الشقة كما كانت تعرفه، لكن هذه الزاوية بالذات كانت دومًا غامضة في ذاكرتها، وكأن عقلها الصغير تجنّب تسجيلها عمدًا.
حاولت فتح الباب، لكنه كان مغلقًا بإحكام. بحثت في جيبها عن المفاتيح التي أعطاها لها المحامي، فوجدت مفتاحًا صغيرًا نحاسيًا لم تنتبه له من قبل، مختلفًا تمامًا عن باقي المفاتيح الحديثة، بحجمه الصغير ونقوشه القديمة التي تشبه مفاتيح الصناديق أكثر من مفاتيح الأبواب. أدخلته في القفل الصدئ، وبعد محاولات عدة ويد بدأت تتعرق من التوتر، سمعت صوت الطقطقة المألوف، وانفتح الباب أخيرًا بصرير حاد كسر صمت الشقة الموحش، وكأنه يعلن أن سرًا طال كتمانه أوشك أن يُكشف.
كانت الغرفة الصغيرة خلف الباب مظلمة تمامًا، فأشعلت نور مصباح هاتفها المحمول، وتقدمت بحذر، وقلبها يخفق بشدة تكاد تسمعها في ذلك الصمت المطبق. اصطدمت قدمها بصندوق خشبي قديم موضوع في المنتصف، وحوله أكوام من الأوراق والصور المتناثرة على الأرض، وكأن أحدًا كان يبحث عن شيء ما هنا قبل سنوات طويلة ولم يكمل بحثه، أو ربما فوجئ في منتصف الطريق وغادر مسرعًا.
انحنت نور والتقطت إحدى الصور الفوتوغرافية، فتجمد الزمن للحظة وهي تحدّق في الوجه الذي تظهره الصورة. كانت الصورة لطفلة صغيرة، ربما في الرابعة أو الخامسة من عمرها، ترتدي فستانًا صيفيًا، وتقف أمام هذا البيت نفسه. لم يكن ما أثار دهشة نور هو ملابس الطفلة أو المكان، بل ملامح وجهها التي بدت مطابقة تمامًا لملامحها هي، وكأنها تنظر إلى صورة قديمة لنفسها لم تلتقطها من قبل.
قلبت الصورة بيد مرتجفة، فوجدت خلفها كلمة واحدة مكتوبة بخط يد أنيق تعرفت عليه فورًا بأنه خط جدتها: "سارة". لم تكن نور تعرف أي طفلة بهذا الاسم في تاريخ العائلة، ولم تسمع به قط في أي حديث عائلي طوال حياتها، رغم أنها كانت تظن أنها تعرف كل فرع من فروع شجرة عائلتها.
جلست على الأرض وسط الغبار والظلام، تحدّق في الصورة، بينما بدأت أسئلة كثيرة تتزاحم في ذهنها. من هي سارة؟ ولماذا تشبهها إلى هذا الحد المخيف؟ ولماذا أخفت جدتها هذه الغرفة بكل ما فيها طوال هذه السنوات، ولم تذكرها ولو مرة واحدة في أي حديث بينهما؟
في تلك اللحظة بالذات، ودون أن تدري، بدأت نور الزهراني أول خطوة في رحلة لن تعرف نهايتها، رحلة ستهز كل ما تعرفه عن نفسها وعن عائلتها إلى الأبد.
الفصل الثاني: الغرفة المغلقة
قضت نور بقية ذلك المساء جالسة على أرضية الغرفة الصغيرة، تنقل بصرها بين الصندوق الخشبي والأوراق المتناثرة حولها، غير قادرة على تحريك ساق واحدة من شدة الصدمة. كان الصمت من حولها ثقيلًا، يقطعه بين الحين والآخر صرير خفيف يصدر عن أثاث البيت القديم، وكأن الشقة نفسها تتنفس بعد سنوات من السكون. لم تكن محامية تتعامل مع الوقائع بمنطق بارد فحسب، بل كانت أيضًا امرأة تحاول أن تستوعب أن حياتها كلها ربما قامت على أساس مختلف عما اعتقدت، وأن كل ذكرى طفولة كانت تظنها كاملة قد تكون في الحقيقة نصف حكاية.
فتحت الصندوق الخشبي بحذر، فتصاعدت منه رائحة ورق قديم ممزوجة بخشب متعفن، فوجدت بداخله كومة من الأوراق الصفراء المتهالكة، بعضها يبدو كأنه أوراق رسمية قديمة تحمل أختامًا باهتة، وبعضها الآخر رسائل مكتوبة بخط اليد بحبر تلاشى معظمه مع الزمن. كانت هناك أيضًا شهادة ميلاد ممزقة الأطراف، حاولت نور قراءتها في ضوء الهاتف الخافت، فاقتربت بالورقة من الشاشة، لكن الحبر كان باهتًا يصعب فك رموزه بالكامل، ولم تستطع أن تميز منه سوى تاريخ ميلاد يعود إلى أكثر من عشرين عامًا مضت، وحرف واحد من اسم لم يكتمل.
بين الأوراق، عثرت على عشرات الصور الأخرى للطفلة نفسها، سارة، في مراحل عمرية مختلفة: طفلة رضيعة في مهدها بعينين واسعتين تحدّقان في العدسة، ثم في الثانية من عمرها تلعب في حديقة صغيرة لم تتعرف نور على مكانها، ثم في الرابعة ترتدي زي المدرسة وتبتسم ابتسامة عريضة تكشف عن سنّين ناقصتين. كانت كل صورة أشبه بلوحة من ماضٍ لم تعشه نور، لكنها تشعر بغرابة أنها تعرفه بطريقة ما، وكأن جسدها يتذكر ما نسيه عقلها، وكأن رائحة تلك الحديقة أو صوت ذلك الضحك كانا يومًا جزءًا من حياتها هي.
في إحدى الصور، ظهرت سارة وهي تجلس في حضن امرأة شابة، لم تتعرف نور على ملامحها بوضوح بسبب اهتراء الصورة وتلاشي جزء من الوجه، لكن شيئًا في طريقة جلوسها وابتسامتها بدا مألوفًا بشكل غريب، وكأنها رأت هذا الوجه من قبل في مكان ما لا تستطيع تذكره، ربما في صورة قديمة على جدار، أو في حلم متكرر لم تعره اهتمامًا من قبل. قلّبت الصورة عدة مرات بحثًا عن اسم أو تاريخ، لكنها لم تجد شيئًا سوى بقعة رطوبة قديمة في الزاوية.
استمرت في البحث حتى عثرت على مغلف بني كبير، مختوم بشمع أحمر لم يُفتح من قبل، وكأن أحدًا قد قرر أن مضمونه يجب ألا يرى النور أبدًا. حاولت فتحه بحذر شديد، وأصابعها ترتجف وهي تكسر الشمع القديم، فوجدت بداخله رسالة طويلة، لكن الأجزاء الأولى منها كانت قد تآكلت بفعل الرطوبة، ولم يبقَ منها سوى سطور متناثرة غير مترابطة تتحدث عن "خطأ لا يُغتفر" و"حماية الطفلة مهما كلف الأمر"، وسطر واحد بدا شبه مكتمل يقول إن "الصمت كان الخيار الوحيد المتاح حينها".
لم تكن هناك توقيعات واضحة، لكن الخط كان يشبه خط جدتها إلى حد كبير، تلك الحروف المائلة المنمقة التي كانت نور تراها على بطاقات المعايدة كل عام. جلست تقرأ السطور مرارًا وتكرارًا، تحاول أن تجمع الأجزاء المتناثرة في معنى واحد متكامل، لكنها لم تصل إلى شيء واضح سوى إحساس متزايد بأن جدتها كانت تخفي سرًا ثقيلًا طوال حياتها، سرًا كلّفها على ما يبدو ثمنًا باهظًا من الصمت والعزلة.
نظرت إلى ساعتها فوجدت أن الوقت قد تجاوز منتصف الليل دون أن تشعر. قررت أن تجمع كل الأوراق والصور بعناية، تلف كل مجموعة منها بقطعة قماش وجدتها بجانب الصندوق، ووضعتها في حقيبتها بحرص شديد كما لو كانت تحمل دليلًا في قضية حقيقية، ثم أغلقت الباب الصغير خلف الخزانة كما كان، وأعادت الخزانة إلى مكانها الأصلي. عادت إلى الصالة لتجلس على الأريكة القديمة محاولة استيعاب ما حدث، بينما كانت عقارب الساعة المتوقفة على الحائط تبدو وكأنها تسخر من محاولاتها لفهم زمن لم يعد يشبه ما تعرفه.
في صباح اليوم التالي، استيقظت نور مبكرًا بعد ليلة لم تنم فيها إلا ساعات قليلة متقطعة، مليئة بأحلام مشوشة عن طفلة تركض في ممر طويل لا نهاية له. قررت أن تبدأ بالحديث مع أقرب شخص يمكنه أن يعطيها إجابات: عمها سامي، الأخ الأصغر لوالدها، والذي كان دائمًا قريبًا من الجدة زينب رغم خلافاتهما المتكررة على مر السنين، وكان اسمه غالبًا ما يُذكر في العائلة بنبرة حذرة، كأن هناك ما لا يُقال عنه أيضًا.
اتصلت به، وطلبت أن يلتقيا في أقرب وقت ممكن، فوافق على مضض بعد صمت طويل على الطرف الآخر من الخط، وحدّد موعدًا في مقهى قريب من منزله بعد ظهر ذلك اليوم. شعرت نور بارتياح بسيط، معتقدة أنها ستجد أخيرًا من يوضح لها بعض تفاصيل هذا اللغز الذي بدأ يتشكل حول حياتها، لكن نبرة صوته المتوترة عبر الهاتف تركت في نفسها قلقًا لم تستطع تفسيره.
لكن ما لم تكن نور تعلمه، وهي تستعد للقاء عمها، أن هناك من كان يراقب تحركاتها في البيت القديم منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها، شخصًا ظل يقف على مسافة آمنة في الشارع المقابل، متكئًا على سياج حديدي صدئ، يتابع أضواء الشقة وهي تنطفئ واحدة تلو الأخرى، ثم يغادر المكان بهدوء تام، حاملًا هاتفه ليرسل رسالة قصيرة إلى رقم مجهول، وأصابعه تكتب ببطء وحزم: "لقد وجدت الغرفة".
الفصل الثالث: وجه من الماضي
وصلت نور إلى المقهى قبل الموعد المحدد بعشر دقائق، واختارت طاولة بعيدة عن الزحام، قريبة من نافذة تطل على الشارع، حيث يمكنها أن تراقب الداخلين والخارجين دون أن يلاحظها أحد. وضعت أمامها كومة الصور التي أحضرتها من البيت القديم، مرتبة بعناية داخل مغلف بلاستيكي شفاف، وراجعت في ذهنها الأسئلة التي أعدّتها طوال الليل، تمامًا كما تفعل قبل أي جلسة استجواب مهمة. كانت تنوي أن تعرضها على عمها سامي مباشرة، دون مقدمات طويلة، لعلها تقرأ رد فعله الأول قبل أن يتاح له وقت لتجهيز إجابات مُعدّة سلفًا، فخبرتها في قاعات المحاكم علّمتها أن الصدمة الأولى غالبًا ما تكشف أكثر مما تكشفه ساعات من الحوار المدروس.
وصل سامي بعد دقائق قليلة، رجل في أواخر الخمسينيات، يرتدي بدلة رمادية أنيقة كعادته، لكن ملامحه بدت متعبة أكثر من المعتاد، وتحت عينيه هالتان داكنتان لم تكونا هناك في يوم الجنازة، وكأن خبر وفاة والدته قد أثقل كاهله أكثر مما توقعت نور. جلس أمامها، وطلب فنجان قهوة، وبدأ حديثًا عابرًا عن ترتيبات الجنازة والتعازي التي تلقتها العائلة، يتحدث بسرعة أكبر من المعتاد، وكأنه يحاول ملء الفراغ قبل أن تُثار أي أسئلة قد لا يرغب في سماعها.
قاطعته نور بلطف، وأخرجت من المغلف صورة سارة الأولى، ووضعتها أمامه مباشرة على الطاولة، بحركة هادئة محسوبة. "عمو سامي، أريدك أن تخبرني من هي هذه الطفلة."
تجمد سامي للحظة، ونظر إلى الصورة بعينين اتسعتا قليلًا قبل أن يستعيد سيطرته على ملامحه بسرعة لافتة أثارت شكوك نور أكثر من أي إجابة كان يمكن أن يقولها. "لا أعرف... ربما طفلة من الجيران القدامى، أو ابنة أحد أقارب أمي البعيدين." قالها بنبرة حاول أن يجعلها عابرة، لكن صوته خرج أخفت مما قصد.
لاحظت نور، بحسها القانوني المُدرَّب على قراءة الشهود، أن يد عمها بدأت ترتجف بشكل طفيف وهو يرفع فنجان القهوة إلى شفتيه، وأن أصابعه أحكمت قبضتها على المقبض أكثر من اللازم. "عمو سامي، انظر جيدًا إلى وجهها. أليست تشبهني بشكل مخيف؟"
ضحك سامي ضحكة قصيرة متكلفة، لم تصل إلى عينيه، وقال إن التشابه في الصور القديمة أمر شائع، وإن الإضاءة والزوايا قد تخدع العين أحيانًا، وأضاف أن كل عائلات مصر تتشابه ملامحها إذا نظرت جيدًا. لكنه لم يستطع النظر إلى عيني نور مباشرة وهو يتحدث، بل ظل يحرك فنجان القهوة بين يديه بتوتر واضح، ويلقي نظرات سريعة نحو مدخل المقهى بين الحين والآخر.
أخرجت نور الرسالة الممزقة التي وجدتها في المغلف البني، ووضعتها أمامه أيضًا بحذر، كمن يضع بطاقة أخيرة على طاولة لعب. "وهذه الرسالة؟ من كتبها ولماذا كانت جدتي تخفيها في غرفة سرية خلف الخزانة؟"
هذه المرة، لم يستطع سامي إخفاء ارتباكه. وضع الفنجان بشكل مفاجئ على الطاولة، فانسكبت بعض القهوة على المفرش الأبيض وتركت بقعة داكنة توسّعت ببطء، ونظر حوله بقلق واضح، كأنه يتأكد من عدم وجود من يسمع حديثهما، وخفض صوته إلى ما يشبه الهمس. "نور، بصراحة، أنا لا أعرف تفاصيل كثيرة عن هذا الموضوع. والدتي كانت امرأة تحتفظ بأسرارها لنفسها دائمًا، ولم تكن تشاركني كل شيء، حتى وأنا ابنها."
"لكنك تعرف شيئًا، أليس كذلك؟" أصرت نور، وهي تراقب كل حركة في وجهه، كل ارتعاشة في زاوية فمه، كل نظرة هاربة نحو الباب.
توقف سامي لبرهة طويلة، صمت ثقيل بدا وكأنه يزن فيه كل كلمة قبل أن ينطقها، ثم قال بصوت منخفض متهدج: "كل ما أعرفه أن هناك حادثة قديمة حدثت في هذا الحي منذ أكثر من ثلاثين عامًا، طفلة اختفت في ظروف غامضة، وأثارت ضجة كبيرة وقتها، حتى إن الشرطة فتّشت البيت أكثر من مرة. والدتي كانت من ضمن الأشخاص الذين استُجوبوا في القضية، لكنني كنت صغيرًا جدًا حينها، ربما في العاشرة من عمري، ولم أفهم تفاصيل الموضوع، ولم أرغب يومًا في السؤال عنه بعد ذلك، فقد كان اسمًا ممنوعًا في بيتنا، وكل من يذكره يقابَل بصمت طويل يشبه العقاب."
شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها، وبردٍ مفاجئ رغم دفء المقهى. "هل كان اسم تلك الطفلة سارة؟"
نظر إليها سامي بعينين مليئتين بشيء أشبه بالخوف الحقيقي، لا التوتر العابر، وقال بصوت متهدج يكاد لا يُسمع: "أرجوك يا نور، لا تفتحي هذا الملف. بعض الأشياء من الأفضل أن تبقى مدفونة في الماضي. هناك من قد يتأذى، وهناك من قد يؤذيكِ أنتِ."
ثم نهض فجأة، ووضع بعض النقود على الطاولة دون أن يحسب المبلغ بدقة، واعتذر بحجة موعد عمل طارئ، وغادر المقهى بخطوات سريعة متوترة، متجنبًا النظر إليها مرة أخيرة، تاركًا نور وحيدة مع أسئلتها التي تضاعفت بدلًا من أن تُحل.
جلست نور لدقائق طويلة تراقب الباب الذي خرج منه عمها، وهي تدرك أن رد فعله لم يكن ردّ رجل لا يعرف شيئًا، بل رد رجل يخفي شيئًا يخشى مواجهته، وربما يخشى أن يتذكره من الأساس. أخرجت هاتفها، وبدأت تبحث في محرك البحث عن أي أخبار قديمة تتعلق باختفاء طفلة في ذلك الحي منذ ثلاثين عامًا، تجرب كلمات مفتاحية مختلفة مرة تلو الأخرى، لكن البحث لم يُظهر أي نتائج واضحة، وكأن القضية بأكملها قد مُحيت من الذاكرة الرقمية للمدينة عمدًا.
قررت في تلك اللحظة أنها بحاجة إلى مساعدة متخصصة، شخص يعرف كيف يبحث في الأرشيفات القديمة والصحف المنسية التي لم تصل بعد إلى الإنترنت. وبينما كانت تفكر في الأمر، وهي تحدّق في فنجان قهوتها الذي بردت دون أن تلمسه، تذكرت اسمًا سمعته من إحدى زميلاتها في المحاماة أثناء حديث عابر عن قضية فساد قديمة: كريم عادل، الصحفي الاستقصائي المعروف بقدرته على كشف القضايا القديمة المنسية، والذي قيل إنه لا يتراجع أبدًا حين يشمّ رائحة سرّ حقيقي
لم تمضِ سوى أيام قليلة على لقاء نور بالعقيد المتقاعد، حتى تلقت مكالمة غير متوقعة من سكرتيرة تعرّفت عن نفسها بأنها تعمل لدى "الحاج عادل نصّار"، وطلبت تحديد موعد للقائه في مكتبه بأسرع وقت ممكن بخصوص "أمر عاجل يتعلق بشقة المرحومة زينب الزهراني". شعرت نور بقشعريرة حين سمعت الاسم، فهي لم تخبر أحدًا بعد بأنها تبحث عن هذا الرجل تحديدًا، وها هو يتواصل معها بنفسه دون سابق إنذار، وكأنه يراقب كل خطوة تخطوها منذ البداية.اتصلت فورًا بكريم لتخبره بالأمر، فنصحها بالذهاب إلى اللقاء كما هو مطلوب، لكن مع أخذ الحيطة الكاملة، واقترح أن يبقى هو قريبًا من المكان في تلك الأثناء تحسبًا لأي طارئ، دون أن يظهر بشكل مباشر حتى لا يثير الشكوك، واتفقا على أن ترسل له نور رسالة نصية قصيرة كل نصف ساعة لتطمئنه أن كل شيء على ما يرام.في اليوم المحدد، توجهت نور إلى برج إداري فخم وسط القاهرة الجديدة، حيث يقع مقر شركة عادل نصّار للاستثمارات العقارية. كان المكتب فسيحًا وفخمًا، بأثاث جلدي داكن وأعمال فنية باهظة الثمن معلقة على الجدران، ونافذة زجاجية ضخمة تطل على أفق المدينة بأكمله، وسجادة سميكة تبتلع صوت خطواتها وهي تعبر ال
في صباح اليوم التالي، وصلت نور وكريم إلى القهوة الشعبية التي دلّهما عليها معارف كريم القدامى، مكان بسيط في زقاق ضيق تفوح منه رائحة الشيشة والشاي الثقيل، وطاولاته الخشبية القديمة تحمل آثار سنوات طويلة من اللعب بالطاولة والدومينو. جلسا في ركن هادئ يطل على الباب، وانتظرا في صمت مترقب، بينما كانت عينا نور لا تفارقان كل رجل مسن يدخل من الباب، وقلبها يخفق بسرعة كلما ظنت أنها تعرفت على ملامح تشبه ما وصفه لها كريم.بعد نحو نصف ساعة من الانتظار المتوتر، دخل رجل في السبعينيات من عمره، طويل القامة رغم انحناءة خفيفة في ظهره، يرتدي جلبابًا رماديًا بسيطًا، وملامح وجهه تحمل صرامة من تعوّد على إصدار الأوامر لسنوات طويلة. جلس في مكانه المعتاد قرب النافذة، وطلب الشاي دون أن ينظر إلى النادل، وكأن الروتين نفسه جزء من كيانه، بينما راقبه كريم بعينين متفحصتين قبل أن يهمس لنور: "هذا هو، أنا متأكد."اقترب كريم منه بأدب شديد، وقدّم نفسه بصفته صحفيًا يعمل على تحقيق قديم، بينما قدّمت نور نفسها كحفيدة لامرأة تُدعى زينب الزهراني. عند سماع الاسم، توقفت يد العقيد يحيى سرور في منتصف الطريق وهي تحمل كوب الشاي، ونظر إل
بدأ كريم عادل وعوده الجدي بالبحث عن اسم الضابط الذي تولى التحقيق في قضية اختفاء الطفلة سارة عام 1994، مستعينًا بشبكة علاقاته الواسعة داخل وزارة الداخلية ومصادره القديمة من رجال الشرطة المتقاعدين، أولئك الذين اعتاد الاتصال بهم كلما وصل تحقيق ما إلى طريق مسدود. استغرق الأمر يومين كاملين من الاتصالات والبحث الدؤوب، اتصالات متقطعة بأصوات حذرة ومعلومات منقوصة، قبل أن يتوصل أخيرًا إلى اسم يبدو واعدًا: العقيد يحيى سرور، الذي كان يعمل في قسم شرطة الحي نفسه في ذلك الوقت، وتقاعد منذ سنوات طويلة واختفى تمامًا عن الأنظار.اتصل كريم بنور فور حصوله على المعلومة، وكانت نبرة صوته تحمل حماسًا لم تعتده منه في لقائهما الأول، وحدّدا موعدًا لمناقشة الخطوة التالية. التقيا هذه المرة في مكتب كريم الصغير بمبنى الصحيفة، حيث كانت الجدران مغطاة بقصاصات صحفية وخرائط ذهنية لتحقيقاته السابقة، خيوط ملونة تربط أسماء بتواريخ وأحداث متفرقة، مما منح المكان طابعًا يشبه غرف التحقيق في الأفلام البوليسية، وشعرت نور للحظة أنها دخلت عالمًا مختلفًا تمامًا عن مكتبها الأنيق وسط البلد."المشكلة أن العثور على عنوانه الحالي لم يكن
لم يكن العثور على كريم عادل أمرًا صعبًا؛ فقد كان اسمه معروفًا في الأوساط الصحفية بفضل سلسلة تحقيقاته التي كشفت قضايا فساد كبيرة خلال السنوات الأخيرة، تحقيقات أطاحت بأكثر من مسؤول وأثارت جدلًا واسعًا في حينها. حصلت نور على رقمه من زميلتها، وبعد تردد استمر يومًا كاملًا، وهي تعيد صياغة الرسالة التي ستبعثها له عشرات المرات، قررت أن تتصل به وتطلب لقاءه، متوقعة أن يرفض أو يماطل كعادة كثيرين ممن يتلقون طلبات مفاجئة من غرباء.فوجئت نور بأن كريم استجاب بسرعة، بل بدا صوته عبر الهاتف مهتمًا منذ الجملة الأولى، واقترح أن يلتقيا في مقهى صغير بوسط البلد، قريب من مقر الصحيفة التي يعمل بها، مكان بدا مألوفًا له أكثر من أي مكان آخر. كان رجلًا في منتصف الثلاثينيات، يرتدي قميصًا كاجوال وسترة جلدية بسيطة، وشعره مبعثر قليلًا كمن أمضى ليلته يقرأ لا ينام، وله نظرة فاحصة في عينيه توحي بأنه معتاد على التعامل مع القصص المعقدة والأسرار المخفية، نظرة لا تفوّت تفصيلًا صغيرًا مهما بدا عابرًا.بدأت نور حديثها بحذر، فلم تشأ أن تكشف كل التفاصيل دفعة واحدة، متمسكة بحرصها المهني رغم اضطرابها الداخلي، لكنها عرضت عليه بعض