LOGIN
استيقظتُ على اهتزاز الهاتف تحت الوسادة قبل أن يرنّ المنبّه بدقيقتين. مددتُ يدي بعينين نصف مغمضتين، فأضاءت الشاشة وجهي بضوء أزرق بارد. ثلاثة إشعارات: إعجاب بصورتي الأخيرة، وتعليق ضاحك من مريم، ورسالة من حساب لا أعرفه.
كنتُ قد نشرتُ ليلة أمس صورة لكتاب مفتوح على حافة نافذتي، وبجانبه كوب الشاي، وكتبتُ تحتها بيتًا من قصيدة أحبها. لم يكن حسابي كبيرًا؛ ألف وثمانمائة متابع، أغلبهم زميلات من كلية الإعلام وقريبات وبعض القرّاء الذين نتبادل معهم التوصيات. لكنه كان ركني الصغير الذي أملكه وحدي، بلا أمٍّ تسأل ولا أخٍ يقتحم.
«ليلى! الفطور!» جاء صوت أمي من المطبخ، ومعه رنين الملعقة في الكوب. دسستُ الهاتف تحت الغطاء بغريزة لا أذكر متى تعلّمتُها، ثم أخرجتُه وضحكتُ من نفسي. لم يكن عندي ما أخفيه بعد.
في المطبخ كانت أمي، نجوى، تقلّب البيض في المقلاة وقد شدّت على رأسها وشاحًا رماديًّا باهتًا. منذ رحيل أبي قبل ثلاث سنوات صارت تحدّث الأشياء أكثر مما تحدّثنا. وكان يوسف، أخي ذو الخمسة عشر عامًا، جالسًا قبالتها ينقر شاشته بإبهامين سريعين، فمدّت يدها وسحبت الهاتف دون أن تنظر إليه.
— الأكل أولًا يا سيدي.
— يا ماما، كنتُ في منتصف الجولة!
— الجولة ستنتظرك. أما معدتك فلا.
ابتسمتُ وجلستُ بينهما. كان في المشهد دفءٌ لا أنكره، لكنه كان دفئًا ضيّقًا، كغرفة أُغلقت نوافذها خوفًا من البرد. أمي تخاف من كل شيء؛ من الطريق والغرباء والهواء البارد، وحتى من نشرات الأخبار التي لا تشاهدها. وأنا أحبها، وأختنق بحبها في اللحظة نفسها.
«لا تتأخري اليوم»، قالت وهي تناولني كوب الحليب. «والطريق مزدحم، فاجلسي في مقدمة الترام.»
أومأتُ كما أفعل كل صباح، وحملتُ حقيبتي، وقبّلتُ رأسها الذي لم يعد يرتفع إلى وجهي كما كان.
في الترام، بين ازدحام الأكتاف ورائحة الصباح المبلّل بالبحر، فتحتُ الرسالة أخيرًا. كان الحساب باسم «آدم ريان»، وصورته لمشهد بحرٍ ليلي بلا وجه. كتب:
«صباح الخير يا ليلى. أعتذر عن الإزعاج، لكن الكتاب الذي في صورتكِ أهداني إياه أبي قبل وفاته، بالغلاف المهترئ نفسه. لم أتوقع أن أراه من جديد على نافذة في الإسكندرية.»
توقّف إبهامي فوق الشاشة. حين يذكر غريبٌ «وفاة أبيه» في أول رسالة، يخفت شيء من الحذر داخلك رغمًا عنك. قرأتُ الجملة مرتين، وشعرتُ بوخزة خفيفة في صدري، كمن سمع اسم أبيه يُنادى في زحام.
كتبتُ ببطء، ثم حذفتُ، ثم كتبتُ من جديد: «رحمه الله. شكرًا لك، فالنسخة كانت كذلك لأبي.» لم أكن أقصد أن أقول أكثر من هذا. لكنني ضغطتُ زر الإرسال، وتلاشى الحذر تمامًا.
ردّ بعد ثوانٍ، كأنه كان ينتظر: «إذن يجمعنا شيء، حتى لو كان الحزن. لن أثقل عليكِ. أحببتُ فقط أن أقول لكِ إن ذوقكِ نادر.»
ابتسمتُ للشاشة ابتسامة سرقتُها من الطريق كله. رفعتُ عينيّ فوجدتُ امرأة عجوزًا تنظر إليّ باسمة، فخجلتُ وأخفيتُ الهاتف في حقيبتي.
عند بوابة الكلية لوّحت لي مريم من بعيد بيدها المثقلة بالأساور. صرختُ باسمها، وتعانقنا عناقًا قصيرًا كما نفعل كل صباح.
— وجهكِ يلمع اليوم. ماذا حدث؟
— لا شيء. نمتُ جيدًا.
— أنتِ لا تنامين جيدًا أبدًا.
— هذه المرة نمتُ.
ضحكتْ وشدّتني من ذراعي إلى القاعة. لم أذكر لها شيئًا عن الرسالة؛ فما الذي يستحق الذكر في إعجابٍ من غريب وكلمتين عن كتاب؟
لكنني طوال المحاضرة الأولى كنتُ أعيد قراءة جملته في رأسي: «ذوقكِ نادر». لم يقلها لي أحد منذ زمن بعيد. أمي تقول «عنيدة»، ويوسف يقول «ثقيلة»، وزميلاتي يقلن «مثقفة» بنبرة من يقصد العكس. وما كنتُ أعلم أن الكلمة الواحدة تصلح، إذا قيلت في اللحظة المناسبة، أن تكون الخيط الأول.
تذكرتُ قاعدة أمي القديمة التي تكررها كلما رأتني أمسك الهاتف: «الغريب غريب، مهما كان لطيفًا.» كنتُ أسمعها منذ المرحلة الإعدادية كما نسمع نشرة الطقس؛ تُقال فلا نبدّل ثيابنا. ثم إن آدم لم يكن غريبًا تمامًا، فقد أحبّ ما أحب، وحزن على ما حزنتُ عليه. وما أسهل أن يُقنع المرء نفسه بأن الغريب الذي يشبهه ليس غريبًا!
في الاستراحة فتحتُ صفحته من جديد. منشور واحد، وصورة بحر، وسيرة قصيرة من ثلاث كلمات: «مهندس. قارئ. صامت». لم أرَ فيها غموضًا ولا ريبة. رأيتُ رجلًا خجولًا يشبهني، وقلتُ لنفسي إن الخجل لا يؤذي أحدًا.
في المساء، بعد أن غسلتُ الأطباق وساعدتُ يوسف في مسألة رياضيات استعصت عليه، جلستُ على حافة سريري وفتحتُ المحادثة. لم أكن أنوي الرد، لكن أصابعي سبقتني: «أي كتب أخرى تحب؟»
جاء الجواب سريعًا، مصحوبًا بقائمة من أربعة عناوين. ثلاثة منها على رفّي بالضبط، والرابع كنتُ أنوي شراءه هذا الشهر. اتسعت ابتسامتي، ثم ضاقت قليلًا؛ فتشابه الأذواق لا يكون عادةً بهذا الإتقان.
— ثلاثة من هذه عندي!
— قلتُ لكِ: يجمعنا شيء.
— والرابع؟
— لم أقرأه بعد. لكنني أظنه سيعجبني إن أعجبكِ.
ضحكتُ بصوت خافت وغطّيتُ فمي بكفي. ثم طردتُ الحذر الذي كان يتململ في صدري كما يُطرد ذباب الصيف؛ بحركة يد كسولة، وأنا أعلم في أعماقي أنه سيعود.
بعد ثمانية أشهر، في صباح ربيعي مبلّل بالندى، وقفتُ أمام مرآة غرفتي أحكم دبوس حجابي، وأنا أقول لنفسي جملة واحدة أعدتُها مئة مرة منذ الفجر: «لا تنظري إلى الأرض.»كان اليوم يوم النطق بالحكم. لم أكن قد نمتُ إلا قليلًا، وعلى مكتبي أوراق شهادتي التي أدليتُ بها قبل شهرين. جاء يوسف وقف عند الباب، وقد صار أطول مني بأكمله، بذقن ينبت عليها شيء يشبه الزغب وصوت استقر أخيرًا على نبرة رجل.— أمي جاهزة، قال. وتقول إن الشاي بارد.— هي دائمًا تقول ذلك.— لأنها دائمًا محقة.ضحكنا. ثم نزلنا معًا.كانت قاعة المحكمة أوسع مما تخيلتُ، وأقل رهبة. جلست عائلتي في الصف الأول: أمي بعباءتها السوداء وشالها الرمادي القديم، وإلى جوارها خالتي هدى التي علمتْ أخيرًا، وبكت في حضن أمي ثلاث ساعات ثم أعلنت أنها ستشهد إن لزم. وخلفهم جلست مريم وأبوها وأمها، وهبة وسلمى وأخريات لم أعرف أسماءهن كلها، والدكتورة سلوى في الجانب تحمل دفترها الأحمر، والمقدّم هاني واقفًا عند الباب بزيّه الرسمي.وتذكرتُ جلسة الشهادة قبل شهرين: وقفتُ أمام القاضي وأمام مازن نفسه، وقلتُ كل شيء بلا ارتجاف، حتى الجملة التي كنتُ أخشاها: «نعم، أرسلتُ الصورة ب
بعد الثالثة فجرًا هدأ المبنى الرمادي كما تهدأ سفينة بعد عاصفة. كان الأهالي قد ذهبوا في مجموعات صغيرة إلى بيوتهم، ووعد هاني كل واحد منهم بأن الأقوال ستُستكمل غدًا. بقيتُ أنا وأمي ويوسف والدكتورة سلوى، ومريم التي لم تشأ أن تغادر قبلي، وأبوها الذي نام على الكرسي الخشبي بجلبابه الرمادي وفمه مفتوح قليلًا كطفل كبير.جاء هاني وجلس إلى جواري على المقعد الطويل، وقد فكّ أزرار قميصه العليا، وبدا لأول مرة كرجل في الخمسين لا كضابط.— قبضنا عليه، قال. كان يحاول أن يهرب من الباب الخلفي حين وصلنا. اسمه مازن. عمره ثلاثة وعشرون عامًا.— ثلاثة وعشرون؟— أصغر من زياد بسنة. هذا هو «النهار». وجدنا في شقته ثلاثة أقراص صلبة، واثنين وعشرين هاتفًا، وسجلًا ورقيًّا صغيرًا بخط اليد فيه أسماء الفتيات وتواريخ الدفع، كأنه محاسب في دكان.حاولتُ أن أربط الاسم بالصوت الخشن الساخر الذي كان يسخر مني في الهاتف. لم يتلاصق الاثنان.— هل يمكنني أن أراه؟ سألتُ.نظر هاني إلى أمي. كانت متجهمة، لكنها لم تقل لا.— لن تتحدثي إليه وحدكِ. سأكون معكِ، وستبقين خلف الزجاج إن أردتِ.— سأدخل.— ليلى، قالت أمي.— دقيقتان يا ماما. أريد أن
كانت الساعة الجدارية أكبر ما في الغرفة، أكبر من الحواسيب والوجوه، وكان كل ما عداها يتضاءل كلما نقص العدّاد الأحمر دقيقة. جلس شريف أمام الحاسوب المحمول الذي حُمل من شقة ميامي، وأصابعه تتحرك فوق المفاتيح كعازف لا يرى، وحوله ثلاثة ضباط يقفون بلا حراك، وهاني خلفه يضع يديه في جيبيه كمن يخشى أن يمسّ شيئًا فينفجر.— المهمة المجدولة تعمل على خادم سحابي بحساب مستقل، قال شريف بصوت مخنوق. لا أستطيع إيقاف الخادم، فهو خارج البلاد، وطلب الإيقاف الرسمي يحتاج إلى أيام.— كم بقي؟— أربع وثلاثون دقيقة.— وماذا نملك؟— كلمة مرور المدير. ولا شيء غيرها.ساد صمت قصير. ثم رفع شريف رأسه فجأة، وقد لمعت في عينيه فكرة.— المهمة تسحب ملفات من مجلد محدد وترسلها إلى قائمة أرقام. لا أستطيع مسح المجلد، فقد تكون له نسخة أخرى في مكان لا أراه. لكنني أستطيع أن أبدّل ما فيه قبل السحب. وأبدّل نص الرسالة أيضًا.— أي أن الأرقام كلها ستتلقى ما نكتبه نحن؟ قال هاني ببطء.— بالضبط. ينفّذون خطتهم، لكن بمحتوانا.نظرتُ إلى أمي، ثم إلى الدكتورة سلوى التي كانت تقف عند الباب. شعرتُ بشيء ينهض في صدري كما ينهض الماء إلى حافة الكوب.— أ
قال لي هاني قبل أن يغادر: «أنتِ وأمكِ ويوسف ستبقون هنا. هذا شرط لا نقاش فيه.» لكنه لم يستطع أن يمنعني من أن أصعد إلى غرفة العمليات الصغيرة في المبنى الرمادي، حيث جلستُ على كرسي في الزاوية بجانب الدكتورة سلوى التي وصلت على عجل، وأمامنا شاشة كبيرة تنقل، عبر كاميرا صغيرة على صدر أحد الضباط، صورة مرتجفة لشارع مظلم على الكورنيش.كانت أمي تجلس إلى جواري وقد قبضت على يدي، ويوسف واقفًا خلفنا لا يتنفس. همست أمي بآيات لا أسمع كلماتها، وأخذ يوسف يعدّ الثواني بشفتيه دون صوت. مرّت ساعة كاملة بين مكالمات لاسلكية مقتضبة وأصوات أحذية على الدرج. ثم جاء صوت هاني، مشوّشًا قليلًا، عبر المكبّر:— العمارة الثالثة بعد المقهى. الطابق الرابع. النافذة المضاءة الوحيدة في الواجهة.— نتحرك، ردّ صوت آخر.رأينا الصورة على الشاشة تهتز وهم يصعدون سلمًا ضيقًا، ودرجات مكسورة، وممرًا تفوح منه رائحة الرطوبة. سمعنا أنفاسًا ثقيلة وصريرًا. ثم توقف الصوت أمام باب خشبي بسيط في نهايته مصباح خافت.— الشرطة! افتحوا!لم يأتِ رد. وفي الخارج كانت الريح تجلد الواجهات، وخلف كل نافذة مغلقة كان الناس ينامون بلا علم بأن عمارة كاملة تُحا
ضغطتُ زر الرد. لم أقل شيئًا. كان في الطرف الآخر صمت مشوب بأنفاس خفيفة، ثم جاء الصوت: خشن، أصغر سنًّا مما تخيلتُ، فيه تثاؤب ساخر أعرفه جيدًا.— أهلًا يا ليلى. طال الغياب.— أنت الصوت الذي رددتَ عليّ في النهار.— ذاكرتكِ جيدة. أحبّ هذا.وضعت أمي كوب شاي جديدًا أمامي دون كلمة، ومسحت على شعري مسحة سريعة كمن تباركني قبل امتحان. وأمسك يوسف كتفي من الخلف، وثقل يده جعلني أشعر بأن لي ظهرًا. جلستُ أعصر الهاتف بيدي، وأنا أرى هاني يشير إلي بإصبعه: أطيلي. كتب شريف على ورقة كلمة واحدة: «عشرون دقيقة». نظرتُ إلى الساعة المعلقة على جدار مطبخنا: الثامنة وإحدى وأربعون دقيقة.— لماذا اتصلتَ؟ سألتُ بصوت أجعله يرتعش. قلتَ إنك ستنشر كل شيء.— قلتُ ذلك، وسأفعله. لكن لدي رغبة في أن أسمعكِ أولًا. الفتاة التي أوقعت فريقي بأكمله، أريد أن أعرف كيف تبدو حين تخاف.— أنا خائفة.— هذا غير كافٍ. أريد أن أسمع ارتجافة في صوتكِ.أغمضتُ عينيّ. لم أكن بحاجة إلى تمثيل الخوف؛ كان يسري في صدري كتيار بارد. وقلتُ له ما هو حقيقي: «كل ما أعرفه أنكَ أقوى مني. لقد كنتَ من البداية أذكى مني. أنا لا أفهم كيف تدير كل هذا وحدك.»— من قا
جاءتني الرسالة عند الثامنة والنصف من مساء السبت، حين كنتُ أجلس في مطبخ بيتنا أشرب شايًا جديدًا بعد ساعات من الأقوال والتوقيعات. كان هاتفي الجديد، الذي أعطاني إياه شريف، قد اهتزّ على الطاولة، وعلى شاشته اسم لم أرَه من قبل: «النهار».نظرتُ إلى أمي الجالسة قبالتي، ثم إلى يوسف الذي تجمّد على كرسيه، ثم إلى الهاتف. لم يكن في المطبخ صوت إلا قرقرة الماء في الغلاية.— اتصلي بالضابط، قالت أمي بصوت جاف، وقد نهضت من مكانها ووقفت خلفي كأنها تريد أن تسدّ الباب بجسدها.اتصلتُ. جاء صوت هاني في ثوانٍ: «لا تفتحيها. أنا في الطريق. شريف سيصل خلال خمس دقائق.»لم أنتظر. كان هاني قد أوصاني ألا أفتحها، لكن يدي سبقتني، ولا أعرف ما الذي دفعني، لعلها فضول امرأة يئست من الانتظار. فتحتُ الرسالة. كانت من سطر واحد:«تظنين نفسكِ ذكية يا ليلى؟»ثم بعد لحظة، سطر ثانٍ:«لقد أخذتم زياد والوسيط. أعرف. لكنكم لم تأخذوا المخزن. وفي منتصف ليل السبت، بعد أربع ساعات، سيصل كل ما في المخزن إلى كل رقم في جامعتكم، وإلى مدارس إخوتكم، وإلى أصحاب أعمال آبائكم. فرصة أخيرة. تخلّي عن البلاغ، وأخبري رفيقاتكِ أن يفعلن مثلكِ، وإلا حدث ما س







