تسجيل الدخوللماذا لا ننتقل إلى تطبيق آخر؟ كتبها آدم في مساء يوم ممطر، وكنتُ أحتمي بمظلة قديمة عند محطة الترام. قرأتُ الرسالة مرتين.
— لماذا؟
— إنستغرام يراقب كل شيء. الرسائل تُحفظ، والحسابات تُخترق. أفضّل أن يكون بيننا مكان لا يدخله أحد؛ تطبيق مشفّر، بمحادثات تختفي تلقائيًّا.
كان الكلام معقولًا، وصوته في رأسي مطمئنًا. لكن شيئًا في الطلب أقلقني، كأنني أُدعى إلى غرفة يُغلق بابها من الداخل.
— لا أعرف يا آدم. أنا لا أحب الأسرار.
— ولا أنا. لكنني أعرف كيف يتحدث الناس. لو علمت صديقاتكِ لتحوّل الأمر إلى إشاعة، ولو علمت أمكِ لمنعتكِ قبل أن تعرفي من أنا. لا أطلب منكِ أن تكذبي، فقط أن نؤجّل الإعلان حتى نتأكد من أنفسنا. وحين تستقر أموري في العمل سأتقدّم لأهلكِ رسميًّا.
لم يقل «أتزوجكِ»، لكنه قال شيئًا قريبًا جدًّا منها. وعبارة «أتقدّم لأهلكِ» جعلت مخاوفي كلها تبدو تافهة أمام وعد كبير كهذا.
في تلك الليلة نزّلتُ التطبيق، واخترتُ له اسمًا مختلفًا، وأغلقتُ إشعاراته حتى لا يظهر شيء على الشاشة. وحين وصلت أول رسالة منه هناك، شعرتُ بخفقان غريب، مزيج من الحماس والذنب.
«أهلًا بكِ في مكاننا.»
في الأيام التالية اعتدتُ إخفاء الهاتف. أضعه على المكتب مقلوبًا أثناء الغداء، وأخفض الصوت إلى الصفر، وأقفل التطبيق بكلمة سر خاصة. وكانت مريم تنظر إليّ في المقصف وتقول: «مع من تتحدثين طوال الوقت؟»
— مع نفسي.
— لم أعهدكِ ثرثارة مع نفسكِ.
— لقد تغيّرتُ.
نظرتْ إليّ نظرة لم أفهمها حينها. هي نظرة من رأى صديقته تخرج من دائرة الضوء إلى مكان لا تعرفه.
في ليلة السبت أجريتُ معه أول مكالمة صوتية. انتظرتُ حتى نام البيت، ثم تسلّلتُ إلى الحمّام، وجلستُ على حافة الحوض والماء يجري بخفوت ليغطي على صوتي. وضعتُ السماعة في أذني.
— ليلى؟
كان صوته أعمق مما توقعتُ، وأكثر هدوءًا. تكلمنا عن كل شيء وعن لا شيء: عن الشتاء في دبي الذي لا يشبه الشتاء، وعن حنينه إلى الكورنيش، وعن رغيف يذكّره بأمه. وحين ضحكتُ مرة بصوت عالٍ هتف: «اخفضي صوتكِ! ستوقظين البيت!» فضحكتُ أكثر، وكتمتُ فمي بكفي.
كنتُ أظن أن ما يجمعنا هو ذلك الضحك المشترك. لكنني لاحظتُ أمرًا صغيرًا لم أتوقف عنده: كان يصمت أحيانًا قبل أن يجيب، وقفات قصيرة، كمن يقرأ من ورقة أو يراجع شيئًا. قلتُ في نفسي: «رجل حذر، يزن كلامه.»
— ليلى، أعدكِ أن ما بيننا سيكون نظيفًا.
— أعرف.
— وأن أحدًا لن يؤذيكِ ما دمتُ حيًّا.
لم أسمع وعدًا كهذا في حياتي. ولم أتساءل: ممّن سيحميني؟
ثم أضاف بصوت أكثر خفوتًا: «وسنحتفظ بسرّنا كنزًا. لا تُطلعي عليه أحدًا مهما بدا قريبًا منكِ. فمن أقرب الناس تأتي الغيرة.» قلتُ إنني فهمتُ، وأنا لا أفهم إلا أن قلبي يخفق أسرع من أن يُحاسب الكلام.
حين أنهينا المكالمة كانت الساعة قد تجاوزت الثانية. عدتُ إلى الفراش على أطراف أصابعي، وضغطتُ زر مسح المحادثة كما طلب. اختفت الكلمات كلها من الشاشة، ولم يبقَ إلا رنين صوته في رأسي.
وفي الصباح، حين قالت أمي: «تبدين متعبة»، أجبتُ بابتسامة واثقة: «كنتُ أذاكر.» ولم أرتجف حين قلتُها.
وفي منتصف مكالمتنا الثانية، بعد ليلتين، سمعتُ صوت نقرٍ سريع على لوحة مفاتيح، ثم همسة رجالية بعيدة كأنها من غرفة أخرى.
— هل معك أحد؟
— لا، إنه التلفاز. زميلي في السكن يشاهد مباراة.
— لم أسمع صوت مباراة.
— لعلّه أخفض الصوت. لا تشغلي بالكِ.
قالها بضحكة قصيرة، فضحكتُ معه لأن الضحك أسهل من السؤال. لكنني حين أغلقتُ الخط ظللتُ أُصغي إلى صدى تلك الهمسة. كانت جملة كاملة لا شك، وإن لم أفهم حروفها؛ أشبه بتعليمات.
في الأسبوع نفسه صرتُ أدير ثلاثة عوالم متوازية بلا خطأ: تطبيقًا أخفيه عن أمي، وكلمة سر جديدة أخفيها عن يوسف، وابتسامة أخفيها عن مريم. وقد أعجبتني براعتي. ولم يخطر ببالي أن البراعة في الإخفاء هي بالضبط ما يحتاج إليه من يريد أن يصنع لكِ قفصًا: أن تبنيه أنتِ بيديكِ، وتُحكمي إغلاقه من الداخل.
في الاستراحة التقطت مريم هاتفي من فوق المقعد وهي تمازحني: «سأتجسس قليلًا!» حاولتُ انتزاعه لكنها كانت أسرع. فتحته، ونقرت على الرسائل، ثم رفعت عينيها.
— لا شيء؟ لا رسالة ولا مكالمة ولا حتى تطبيق غريب؟
— قلتُ لكِ إنني أتحدث مع نفسي.
— هاتفكِ نظيف كأنه خرج من المتجر اليوم. الناس العاديون لا يمسحون كل شيء يا ليلى.
— أنا أحب النظام.
ضحكتْ وأعادت الهاتف، لكنها لم تصدقني. رأيتُ ذلك في نظرتها، وشعرتُ بالنار في وجنتيّ. كنتُ قد صرتُ ماهرة في الإخفاء أكثر مما تصورت، وأقلّ مهارة في الاحتمال.
في المساء التالي جلستُ مع يوسف أساعده في واجب اللغة العربية، فقال وهو يقلّب دفتره:
— ليلى، لماذا صرتِ تغلقين الباب بالمفتاح؟
— أحب أن أتركز.
— على ماذا؟
— على الدراسة.
نظر إليّ ثم إلى هاتفي المقلوب على الطاولة، لكنه لم يقل شيئًا. وكنتُ أعرف أن الصمت بين إخوة كهذا هو الجملة الأخيرة قبل السؤال
بعد ثمانية أشهر، في صباح ربيعي مبلّل بالندى، وقفتُ أمام مرآة غرفتي أحكم دبوس حجابي، وأنا أقول لنفسي جملة واحدة أعدتُها مئة مرة منذ الفجر: «لا تنظري إلى الأرض.»كان اليوم يوم النطق بالحكم. لم أكن قد نمتُ إلا قليلًا، وعلى مكتبي أوراق شهادتي التي أدليتُ بها قبل شهرين. جاء يوسف وقف عند الباب، وقد صار أطول مني بأكمله، بذقن ينبت عليها شيء يشبه الزغب وصوت استقر أخيرًا على نبرة رجل.— أمي جاهزة، قال. وتقول إن الشاي بارد.— هي دائمًا تقول ذلك.— لأنها دائمًا محقة.ضحكنا. ثم نزلنا معًا.كانت قاعة المحكمة أوسع مما تخيلتُ، وأقل رهبة. جلست عائلتي في الصف الأول: أمي بعباءتها السوداء وشالها الرمادي القديم، وإلى جوارها خالتي هدى التي علمتْ أخيرًا، وبكت في حضن أمي ثلاث ساعات ثم أعلنت أنها ستشهد إن لزم. وخلفهم جلست مريم وأبوها وأمها، وهبة وسلمى وأخريات لم أعرف أسماءهن كلها، والدكتورة سلوى في الجانب تحمل دفترها الأحمر، والمقدّم هاني واقفًا عند الباب بزيّه الرسمي.وتذكرتُ جلسة الشهادة قبل شهرين: وقفتُ أمام القاضي وأمام مازن نفسه، وقلتُ كل شيء بلا ارتجاف، حتى الجملة التي كنتُ أخشاها: «نعم، أرسلتُ الصورة ب
بعد الثالثة فجرًا هدأ المبنى الرمادي كما تهدأ سفينة بعد عاصفة. كان الأهالي قد ذهبوا في مجموعات صغيرة إلى بيوتهم، ووعد هاني كل واحد منهم بأن الأقوال ستُستكمل غدًا. بقيتُ أنا وأمي ويوسف والدكتورة سلوى، ومريم التي لم تشأ أن تغادر قبلي، وأبوها الذي نام على الكرسي الخشبي بجلبابه الرمادي وفمه مفتوح قليلًا كطفل كبير.جاء هاني وجلس إلى جواري على المقعد الطويل، وقد فكّ أزرار قميصه العليا، وبدا لأول مرة كرجل في الخمسين لا كضابط.— قبضنا عليه، قال. كان يحاول أن يهرب من الباب الخلفي حين وصلنا. اسمه مازن. عمره ثلاثة وعشرون عامًا.— ثلاثة وعشرون؟— أصغر من زياد بسنة. هذا هو «النهار». وجدنا في شقته ثلاثة أقراص صلبة، واثنين وعشرين هاتفًا، وسجلًا ورقيًّا صغيرًا بخط اليد فيه أسماء الفتيات وتواريخ الدفع، كأنه محاسب في دكان.حاولتُ أن أربط الاسم بالصوت الخشن الساخر الذي كان يسخر مني في الهاتف. لم يتلاصق الاثنان.— هل يمكنني أن أراه؟ سألتُ.نظر هاني إلى أمي. كانت متجهمة، لكنها لم تقل لا.— لن تتحدثي إليه وحدكِ. سأكون معكِ، وستبقين خلف الزجاج إن أردتِ.— سأدخل.— ليلى، قالت أمي.— دقيقتان يا ماما. أريد أن
كانت الساعة الجدارية أكبر ما في الغرفة، أكبر من الحواسيب والوجوه، وكان كل ما عداها يتضاءل كلما نقص العدّاد الأحمر دقيقة. جلس شريف أمام الحاسوب المحمول الذي حُمل من شقة ميامي، وأصابعه تتحرك فوق المفاتيح كعازف لا يرى، وحوله ثلاثة ضباط يقفون بلا حراك، وهاني خلفه يضع يديه في جيبيه كمن يخشى أن يمسّ شيئًا فينفجر.— المهمة المجدولة تعمل على خادم سحابي بحساب مستقل، قال شريف بصوت مخنوق. لا أستطيع إيقاف الخادم، فهو خارج البلاد، وطلب الإيقاف الرسمي يحتاج إلى أيام.— كم بقي؟— أربع وثلاثون دقيقة.— وماذا نملك؟— كلمة مرور المدير. ولا شيء غيرها.ساد صمت قصير. ثم رفع شريف رأسه فجأة، وقد لمعت في عينيه فكرة.— المهمة تسحب ملفات من مجلد محدد وترسلها إلى قائمة أرقام. لا أستطيع مسح المجلد، فقد تكون له نسخة أخرى في مكان لا أراه. لكنني أستطيع أن أبدّل ما فيه قبل السحب. وأبدّل نص الرسالة أيضًا.— أي أن الأرقام كلها ستتلقى ما نكتبه نحن؟ قال هاني ببطء.— بالضبط. ينفّذون خطتهم، لكن بمحتوانا.نظرتُ إلى أمي، ثم إلى الدكتورة سلوى التي كانت تقف عند الباب. شعرتُ بشيء ينهض في صدري كما ينهض الماء إلى حافة الكوب.— أ
قال لي هاني قبل أن يغادر: «أنتِ وأمكِ ويوسف ستبقون هنا. هذا شرط لا نقاش فيه.» لكنه لم يستطع أن يمنعني من أن أصعد إلى غرفة العمليات الصغيرة في المبنى الرمادي، حيث جلستُ على كرسي في الزاوية بجانب الدكتورة سلوى التي وصلت على عجل، وأمامنا شاشة كبيرة تنقل، عبر كاميرا صغيرة على صدر أحد الضباط، صورة مرتجفة لشارع مظلم على الكورنيش.كانت أمي تجلس إلى جواري وقد قبضت على يدي، ويوسف واقفًا خلفنا لا يتنفس. همست أمي بآيات لا أسمع كلماتها، وأخذ يوسف يعدّ الثواني بشفتيه دون صوت. مرّت ساعة كاملة بين مكالمات لاسلكية مقتضبة وأصوات أحذية على الدرج. ثم جاء صوت هاني، مشوّشًا قليلًا، عبر المكبّر:— العمارة الثالثة بعد المقهى. الطابق الرابع. النافذة المضاءة الوحيدة في الواجهة.— نتحرك، ردّ صوت آخر.رأينا الصورة على الشاشة تهتز وهم يصعدون سلمًا ضيقًا، ودرجات مكسورة، وممرًا تفوح منه رائحة الرطوبة. سمعنا أنفاسًا ثقيلة وصريرًا. ثم توقف الصوت أمام باب خشبي بسيط في نهايته مصباح خافت.— الشرطة! افتحوا!لم يأتِ رد. وفي الخارج كانت الريح تجلد الواجهات، وخلف كل نافذة مغلقة كان الناس ينامون بلا علم بأن عمارة كاملة تُحا
ضغطتُ زر الرد. لم أقل شيئًا. كان في الطرف الآخر صمت مشوب بأنفاس خفيفة، ثم جاء الصوت: خشن، أصغر سنًّا مما تخيلتُ، فيه تثاؤب ساخر أعرفه جيدًا.— أهلًا يا ليلى. طال الغياب.— أنت الصوت الذي رددتَ عليّ في النهار.— ذاكرتكِ جيدة. أحبّ هذا.وضعت أمي كوب شاي جديدًا أمامي دون كلمة، ومسحت على شعري مسحة سريعة كمن تباركني قبل امتحان. وأمسك يوسف كتفي من الخلف، وثقل يده جعلني أشعر بأن لي ظهرًا. جلستُ أعصر الهاتف بيدي، وأنا أرى هاني يشير إلي بإصبعه: أطيلي. كتب شريف على ورقة كلمة واحدة: «عشرون دقيقة». نظرتُ إلى الساعة المعلقة على جدار مطبخنا: الثامنة وإحدى وأربعون دقيقة.— لماذا اتصلتَ؟ سألتُ بصوت أجعله يرتعش. قلتَ إنك ستنشر كل شيء.— قلتُ ذلك، وسأفعله. لكن لدي رغبة في أن أسمعكِ أولًا. الفتاة التي أوقعت فريقي بأكمله، أريد أن أعرف كيف تبدو حين تخاف.— أنا خائفة.— هذا غير كافٍ. أريد أن أسمع ارتجافة في صوتكِ.أغمضتُ عينيّ. لم أكن بحاجة إلى تمثيل الخوف؛ كان يسري في صدري كتيار بارد. وقلتُ له ما هو حقيقي: «كل ما أعرفه أنكَ أقوى مني. لقد كنتَ من البداية أذكى مني. أنا لا أفهم كيف تدير كل هذا وحدك.»— من قا
جاءتني الرسالة عند الثامنة والنصف من مساء السبت، حين كنتُ أجلس في مطبخ بيتنا أشرب شايًا جديدًا بعد ساعات من الأقوال والتوقيعات. كان هاتفي الجديد، الذي أعطاني إياه شريف، قد اهتزّ على الطاولة، وعلى شاشته اسم لم أرَه من قبل: «النهار».نظرتُ إلى أمي الجالسة قبالتي، ثم إلى يوسف الذي تجمّد على كرسيه، ثم إلى الهاتف. لم يكن في المطبخ صوت إلا قرقرة الماء في الغلاية.— اتصلي بالضابط، قالت أمي بصوت جاف، وقد نهضت من مكانها ووقفت خلفي كأنها تريد أن تسدّ الباب بجسدها.اتصلتُ. جاء صوت هاني في ثوانٍ: «لا تفتحيها. أنا في الطريق. شريف سيصل خلال خمس دقائق.»لم أنتظر. كان هاني قد أوصاني ألا أفتحها، لكن يدي سبقتني، ولا أعرف ما الذي دفعني، لعلها فضول امرأة يئست من الانتظار. فتحتُ الرسالة. كانت من سطر واحد:«تظنين نفسكِ ذكية يا ليلى؟»ثم بعد لحظة، سطر ثانٍ:«لقد أخذتم زياد والوسيط. أعرف. لكنكم لم تأخذوا المخزن. وفي منتصف ليل السبت، بعد أربع ساعات، سيصل كل ما في المخزن إلى كل رقم في جامعتكم، وإلى مدارس إخوتكم، وإلى أصحاب أعمال آبائكم. فرصة أخيرة. تخلّي عن البلاغ، وأخبري رفيقاتكِ أن يفعلن مثلكِ، وإلا حدث ما س







