LOGINتوقفت يد رهى لحظة فوق ظهره.لم تفهم من يقصد.لكنها لم تسأله.ظل نديم يبكي، ثم قال بصوت متقطع:— كنت أظن أنني أستطيع…ابتعد عن كتفها قليلًا، لكن وجهه ظل منخفضًا.— كنت أظن أنني سأتمكن من إنقاذها.مسحت رهى دمعة علقت على خده.— لا أعرف ما الذي حدث، لكن…قاطعها بصوت مكسور:— كان يجب أن أفعل شيئًا.عاد وجهه إلى كتفها.— كان يجب أن أعرف.ارتجفت أنفاسه.— كان يجب أن أنتبه.شدت رهى ذراعيها حوله أكثر، بينما ظل هو يردد الكلمات كأنه يحاكم نفسه بها.— لم أكن أعرف أنها وصلت إلى هذه الدرجة…صمت لحظة، ثم خرج صوته مختنقًا:— وعندما عرفت… كان كل شيء قد انتهى.اتسعت عينا رهى.لم تكن تفهم شيئًا.لكن قلبها انقبض بشدة وهي تسمع صوته.قالت بهدوء:— نديم، لا تلُم نفسك.ضحك ضحكة قصيرة مكسورة وسط بكائه.— وكيف لا ألوم نفسي؟ثم رفع رأسه إليها، وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.— كانت أختي.لم تجد رهى ما تقوله، لكنها فهمت من يقصد بحديثه.نظر إليها للحظات، ثم انهار من جديد.— كان يجب أن أكون إلى جوارها.أمسكت رهى بوجهه بين يديها.— أنت كنت تحبها إلى هذه الدرجة.أغمض عينيه.— نعم، وأكثر من ذلك، كانت أختي الوحيدة.سقطت
خرج نديم من الغرفة بخطوات سريعة، وأغلق الباب خلفه بعنف، حتى ارتجف المقبض في مكانه.كانت رُبى تقف في الممر، وما إن رأته حتى رفعت عينيها إليه، وابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تتقدم نحوه.— نديم…لم يتوقف.تجاوزها مباشرة، وكأنه لم يسمعها أصلًا.توقفت رُبى في مكانها، والتفتت خلفه بدهشة.كان وجهه غاضبًا بصورة لم تعهدها فيه، وفكه مشدودًا، وخطواته سريعة ومضطربة.لكن شيئًا آخر لفت انتباهها.عيناه.كان فيهما لمعان غريب، كأنهما امتلأتا بالدموع، إلا أن نديم أخفى وجهه عنها قبل أن تتمكن من التأكد.عبست رُبى، وتبعت خطواته بعينيها.— ما الذي حدث له؟دخل نديم الحمام وأغلق الباب خلفه بقوة.بقيت رُبى واقفة في مكانها لحظات، ثم بدأ القلق يتغلب على استغرابها.تقدمت نحو الباب.ومن الداخل، سمعت صوت الماء.ثم صمت.وضعت يدها على الباب.— نديم؟لم يجب.انتظرت لحظة.— هل أنت بخير؟ظل الصمت قائمًا.ثم سمعت أنفاسًا متسارعة.اقتربت أكثر.كان يتنفس بصعوبة، كأنه يحاول استعادة السيطرة على نفسه، لكن أنفاسه كانت تزداد اضطرابًا.— نديم، افتح الباب.لم يجبها.ثم فجأة…دوّى صوت ارتطام عنيف من الداخل.انتفضت رُبى.— نديم!جاء صو
لم يجب.نظرت إليه طويلًا، ثم سألته بصوت أخفض:— هل كانت مريضة؟هز رأسه.— لا.— هل كانت تعاني من شيء؟بقي صامتًا لحظة، ثم قال:— لا تسألي أكثر.لكن إيلين لم تستطع التوقف.— هل تعرضت لحادث؟أجابها دون أن ينظر إليها:— لا.تغيرت ملامحها أكثر.— هل قتلها أحد؟توقف نديم عن التنفس للحظة، أو هكذا بدا لها.رفع عينيه إليها ببطء.لكنه لم يجب.ازدادت حيرة إيلين، واقتربت منه خطوة.— نديم…لم يرد.— هل قتلها أحد؟ظل صامتًا.كان الصمت هذه المرة مختلفًا.لم يكن مجرد رفض للإجابة.كان هناك ألم واضح يمر في عينيه، وغضب قديم بدأ يظهر خلف ملامحه الجامدة.خفض رأسه قليلًا، وكأنه يحاول إخفاء ما ظهر على وجهه.لكن إيلين رأت ذلك.— إذن ماذا حدث لها؟رفع نديم رأسه، إلا أنه لم ينظر إليها مباشرة.— لا أريد الحديث عن هذا.قالها ببطء، وكأنه يحاول للمرة الأخيرة أن يمنع نفسه من استعادة شيء دفنه منذ سنوات.لكن إيلين لم تتراجع.— نديم، أنا لا أحاول إيذاءك.ابتسم ابتسامة قصيرة بلا أي أثر للفرح.— أعرف.— إذن أخبرني.أدار وجهه عنها.— لا أستطيع.اقتربت إيلين أكثر، وصوتها أصبح أكثر إصرارًا:— تستطيع.ساد الصمت بينهما.وظل
حدقت إيلين فيه لثوانٍ، وكأن عقلها رفض أن يستوعب الجملة.كانت ملامحه هادئة ظاهريًا، لكن شيئًا في عينيه تبدّل للحظة، شيء لم تستطع إيلين تحديده، قبل أن يعود إلى ذلك الجمود الذي اعتاد أن يخفي خلفه كل ما لا يريد الحديث عنه.خرج صوتها ضعيفًا من بين شفتيها:— ماتت؟أومأ نديم ببطء، دون أن يضيف شيئًا.— نعم.ظلت إيلين تنظر إليه، وكأنها تنتظر منه أن يقول إن الأمر لم يكن بهذه البساطة، أو أن يشرح لها ما الذي حدث.لكن نديم بقي صامتًا.اقتربت منه خطوة، وقد تبدلت ملامحها تمامًا.— ماتت… كيف؟لم يجبها.اكتفى بإشاحة نظره عنها، وكأن مجرد السؤال أعاده إلى مكان لا يريد العودة إليه.راقبت إيلين صمته، ثم أعادت السؤال بإصرار أكبر:— ماتت كيف يا نديم؟ ومتى؟تنفس نديم ببطء، ثم أجاب بعد لحظة:— منذ ست سنوات.توقفت إيلين قليلًا.ست سنوات.كررت الرقم في عقلها، ثم بدأت تربطه بكل ما تعرفه عن يامن.رفعت عينيها إليه سريعًا.— قبل موت يامن؟رفع نديم عينيه إليها، وبقيت نظرته ثابتة للحظة قبل أن يجيب:— نعم.شعرت إيلين بارتباك شديد.ست سنوات…قبل موت يامن.إذن كانت أخت نديم موجودة في حياة يامن قبل الحادث الذي قلب حياتها
ظل نديم صامتًا للحظات، وعيناه ثابتتان على إيلين، بينما كان واضحًا أنه يحاول أن يقرر إلى أي مدى يستطيع أن يخبرها بالحقيقة دون أن يكشف أكثر مما ينبغي.ثم أخذ نفسًا هادئًا، وأجابها بنبرة حاول أن يجعلها عادية:— هذه قصة طويلة، ولن تفيدكِ معرفتها بشيء الآن.اتسعت عينا إيلين، وكأن جملته استفزتها أكثر مما هدأتها، فمالت نحوه قليلًا.— كيف لا تفيدني؟هز نديم رأسه بهدوء، محاولًا إنهاء الموضوع قبل أن يتشعب أكثر.— إيلين، ليس هذا هو الوقت المناسب للحديث عنها.لكنها لم تتراجع، بل ازدادت نظراتها حدة، وكأن اسم يامن وحده كان كافيًا لفتح كل الجراح القديمة.— كيف تقول إنها لا تفيدني؟توقفت للحظة، ثم تابعت، وقد بدأ صوتها يحمل ألم السنوات الماضية:— يامن… هذا هو الشخص الذي اتُهمتُ بقتله.خفض نديم عينيه للحظة، بينما واصلت إيلين دون أن تمنحه فرصة لمقاطعتها.— والذي دُمّرت حياتي وانتهت بسببه.ارتجف صوتها قليلًا، لكنها تماسكت وأكملت:— والذي جعلني أفقد حياتي القديمة كلها وأصبح بدلًا من لارين… إيلين.تغيرت ملامح نديم فورًا.رفع عينيه إليها بسرعة، ثم أشار إليها بيده إشارة صغيرة، وخفض صوته بوضوح:— إيلين، اخفضي
ما إن خرجت إيلين من مكتب آسر وأغلقت الباب خلفها، حتى ظلت واقفة للحظات في الممر، وملامحها تحمل ذلك الاضطراب الذي لم تستطع إخفاءه.لم تكن صورة الملف تفارق ذهنها.صورة سليم…ثم صورة الفتاة التي كُتب أسفلها أنها ابنته…ثم صورتها مع يامن.كلما حاولت أن ترتب ما رأته، ازدادت الأسئلة في رأسها.لم ترغب في الاتصال بسليم مباشرة.كانت تعرفه جيدًا بما يكفي لتدرك أن مكالمتها له الآن قد تنتهي بشجار. وربما يرفض الإجابة، أو يتهرب من أسئلتها، أو يخبرها بنصف الحقيقة ويتركها تغرق في النصف الآخر.لذلك قررت أن تتحدث مع نديم أولًا.اتجهت إلى الغرفة المخصصة لها أثناء وجودها في الشركة، وهي غرفة هادئة في أحد الطوابق الإدارية، أُعدّت لها لتستطيع العمل أو عقد الاجتماعات الخاصة بعيدًا عن صخب المكاتب.دخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم أخرجت هاتفها واتصلت بنديم.كان نديم في الطابق السفلي، في الغرفة المخصصة لمساعدي الإدارة والموظفين المساندين، حيث يجتمعون عادةً لمتابعة المهام اليومية والتنسيق فيما بينهم.ما إن رأى اسم إيلين على هاتفه حتى أجاب سريعًا.— نعم، إيلين؟قالت بهدوء، وإن كان صوتها يخفي توترًا واضحًا:— تعال إليّ







