LOGINجلست إلى جواره في السيارة. أغلق آسر الباب، ثم دار إلى الجهة الأخرى وجلس خلف المقود. ما إن أدار السيارة حتى امتلأت المساحة بينهما بصمت غريب. صمت لم يكن مريحًا تمامًا... ولا مزعجًا. بل كان يحمل شيئًا لا يستطيع أي منهما تفسيره. كانت إيلين تنظر من النافذة، تراقب أضواء المدينة وهي تمر أمامها، وتحاول أن تنشغل بأي شيء بعيد عنه. لكن وجوده إلى جوارها كان كافيًا ليجعلها تشعر بكل تفصيلة. رائحة عطره. صوته. حتى الطريقة التي يمسك بها المقود. كل شيء كان مألوفًا بصورة تؤلمها. بعد دقائق، قال آسر: — هل هذه أول مرة تذهبين فيها إلى ذلك المول؟ — تقريبًا. — انتقلتِ حديثًا؟ التفتت إليه. — نعم. — إلى شنغهاي؟ — إلى هذه المنطقة. أومأ. ثم عاد الصمت من جديد. لم يسألها عن سبب انتقالها. ولم تسأله لماذا يهتم. لكن كلاهما كان يفكر في الآخر أكثر مما ينبغي. ---ظل الصمت يخيم بينهما خاصة بعدما أصر على إيصالها إلى المنزل وهاتف السائق ليعيد سيارتها من المول.حتى لا يتركها بمفردها مع الكم الكبير من الأشياء التي طلبتها.ويتعذر عليها حملها أو الصعود بها. فجأة... بدأ صو
لم يجبه.كانت إيلين تقف أمام متجر للأثاث المنزلي، تحاول حمل صندوق كبير إلى جانب عدة أكياس.رفعت الصندوق بصعوبة.حاولت تثبيته بين ذراعيها، لكنه بدا أثقل مما توقعت.راقبها آسر لثوانٍ.ثم قال للرجل دون أن يبعد عينيه عنها:— سنتابع الحديث لاحقًا.تفاجأ الرجل.— لكن الاجتماع...التفت إليه آسر بنظرة حاسمة.— قلت لاحقًا.ثم تحرك نحوها.ولم يكن يعرف لماذا شعر برغبة مفاجئة في مساعدتها.ربما لأن منظرها وهي تحاول حمل الصندوق وحدها ذكره بشيء لا يستطيع تحديده.أو ربما...لأنها ببساطة جعلته يتصرف بطريقة لم يعتدها مع الغرباء.---كانت إيلين قد نجحت أخيرًا في رفع الصندوق.تنفست براحة، ثم استدارت.وفي اللحظة التالية...اصطدمت بشيء صلب.أو بالأحرى...بشخص.تراجعت خطوة بسرعة، ورفعت عينيها.وتجمدت.آسر.كان يقف أمامها مرتديًا معطفًا داكنًا، ويداه في جيبيه، ونظرته ثابتة عليها.للحظة، شعرت إيلين أن المول كله اختفى.لم تعد تسمع الأصوات من حولها.ولا الموسيقى.ولا خطوات الناس.فقط هو.الرجل الذي كان قلبها يعرفه جيدًا، رغم أن عقلها يصر على أنه أصبح غريبًا.قال بهدوء:— يبدو أنني سأراكِ كثيرًا الفترة القادمة.
لماذا حدث كل شيء بهذه الطريقة؟ من قتل يامن؟ ومن جعل الجميع يصدق أنها القاتلة؟ ومن سرق منها حياتها؟ قالت لنفسها بصوت ثابت: — لا ينبغي لي أن أضعف. شدت أصابعها حول حافة الطاولة. هذه المرة، لم تكن تحاول إقناع نفسها. كانت تصدر أمرًا لنفسها. — يجب أن أواصل. رفعت عينيها إلى انعكاسها. لم تعد ترى امرأة مكسورة. بل امرأة أمضت خمس سنوات في إعادة بناء نفسها من جديد. — يجب أن أثبت براءتي. ساد الصمت. ظلت تنظر إلى نفسها للحظات، ثم رفعت يدها ولمست انعكاسها في المرآة. في الماضي... كانت تنتظر أن ينقذها آسر. أما الآن... فلم تعد تنتظر أحدًا. ستصل إلى الحقيقة بنفسها. حتى لو قادتها الحقيقة في النهاية إلى الرجل الذي ما زالت تحبه. حتى لو اضطرت إلى الوقوف أمامه يومًا وكشف كل ما أخفته عنه. حتى لو اكتشفت أن الحقيقة ستدمر ما تبقى من مشاعرها تجاهه. فهي لم تعد تملك رفاهية الهروب. خمس سنوات مرت. خلالها ماتت لارين في نظر العالم. لكن الحقيقة... لم تمت. بل ظلت تنتظرها. وانتظرت معها اللحظة التي سيقف فيها آسر أمامها من جديد... لا كزوج وزوجة. ولا كعاشقين. بل كاثنين فرّقت بينهما جريمة لم تُ
اقترب منها قليلًا.— لأنني اكتشفت شيئًا.ضحكت بخفة، وما زالت آثار النوم واضحة على ملامحها.— ماذا؟مد يده وأبعد خصلة شعر عن وجهها.— أنكِ أجمل عندما تستيقظين.احمر وجهها قليلًا.— أنت تكذب.ابتسم.— وهل أحتاج إلى الكذب على زوجتي؟ثم جذبها نحوه، فاستقرت رأسها على صدره.أغمضت عينيها.استمعت إلى نبضات قلبه الهادئة.ذلك الصوت الذي كانت تشعر معه بالأمان.في تلك اللحظة، لم تكن هناك أسرار.ولا اتهامات.ولا دماء.كان هناك فقط رجل تحبه، وبيت اعتقدت أنه سيكون مأواها إلى الأبد.مرر آسر يده على شعرها برفق.ثم قال بعد لحظات:— أتعلمين ما الذي أريده؟رفعت رأسها لتنظر إليه.— ماذا؟ابتسم.لكن ابتسامته هذه المرة كانت مختلفة.أكثر دفئًا.وكأن هناك أمنية ظل يحملها داخله طويلًا قبل أن يقرر أن يخبرها بها.— أريد طفلًا يشبهك.اتسعت عيناها.— طفل؟ضحك بخفة.— نعم.ثم لمس أنفها بطرف إصبعه.— فتاة صغيرة تمتلك عينيك وتزعجني طوال اليوم.ضحكت.— ولماذا فتاة؟— لأنني سأفسدها بالدلال.ثم أضاف:— وبعدها ربما يأتي ولد يشبهني.رفعت حاجبها.— وربما يشبهني أنا.— مستحيل.ضربته بخفة على صدره.فضحك، ثم أمسك يدها وقبّل أ
صمتت إيلين. كانت كلماته قاسية... لكنها تعرف أنه محق. لقد أمضت خمس سنوات وهي تتدرب على أن تكون شخصًا آخر. تعلمت كيف تتحكم في صوتها، ونظراتها، وردود أفعالها. تعلمت كيف تخفي خوفها. كيف تكذب دون أن ترتجف. وكيف تدخل أي غرفة وكأنها تملك السيطرة الكاملة على ما يحدث فيها. لكن أمام آسر... كان الأمر مختلفًا. يكفي أن يقترب منها قليلًا حتى تبدأ ذاكرتها في خيانتها. ويكفي أن تراه مع امرأة أخرى حتى تنسى للحظة كل القواعد التي وضعتها لنفسها. قالت بعد لحظة: — أنا فقط... توقفت. لم تجد ما تقوله. لأن الحقيقة التي عجزت عن الاعتراف بها حتى لنفسها كانت تقف أمامها بوضوح. ابتسم نديم ابتسامة خفيفة. — غرتِ. اتسعت عيناها. — لم... قاطعها فورًا: — لا تبرري. ثم فتح لها باب السيارة. — أنا لا ألومكِ. ترددت قبل أن تركب. ظلت واقفة للحظة، تنظر إليه وكأنها تريد أن تجادله، لكنها لم تجد حجة واحدة مقنعة. فقط خفضت عينيها. نظر إليها نديم وأضاف: — لكن إذا كنتِ تريدين إكمال ما عدتِ من أجله، فعليكِ أن تتذكري شيئًا واحدًا دائمًا. نظرت إليه. — ماذا؟ قال بجدية: — آسر يجب أن يراكِ إيلين... وليس المرأ
ما إن أُغلق باب المصعد خلفهما، حتى وقفت إيلين أمام المرآة المعدنية، بينما ضغط نديم زر الطابق الأرضي.انطلق المصعد إلى الأسفل ببطء، وانعكس الاثنان في المرآة اللامعة أمامهما.هبط المصعد في صمت.لكن وجه إيلين لم يكن هادئًا.كانت ملامحها لا تزال تحمل أثر الضيق الذي حاولت إخفاءه أمامه، وعيناها ثابتتين أمامها، كأنها تحاول إقناع نفسها بأن المشهد الذي رأته قبل دقائق لم يكن يعنيها.لكنها كانت تعرف في أعماقها أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.ما أن ظهرت تالا...وهي تشعر بشيء لم تستطع السيطرة عليه.اقتربت تالا من آسر.ثم قبلته على خده بكل عفوية.مجرد قبلة قصيرة...لكنها كانت كافية لإفساد هدوء إيلين بالكامل.لم يكن ما رأته مجرد قبلة.بل الطريقة التي استقبل بها آسر وجود تالا، والنبرة التي تحدث بها معها، والراحة الواضحة بينهما.كل ذلك يجعلها تفكر في حقيقة تود محوها من رأسها.آسر لم يتوقف عن الحياة بعد موتها.بينما هي...قضت خمس سنوات كاملة تحاول أن تتعلم كيف تعيش من جديد.شدت أصابعها حول الملف الذي تحمله، ثم أخذت نفسًا بطيئًا.كان عليها أن تتذكر سبب عودتها.الحقيقة.فقط الحقيقة.لاحظ نديم انعكاس وجهها







