LOGINأخذ جون إيما في جولة داخل القصر حتى وصلا إلى غرفته.
كانت إيما تتجول بعينيها داخل الغرفة ببطء، وكأنها تحاول جمع صورة جديدة لذلك الشاب المستفز الذى تعرفه.
الغرفة لم تشبه جون الذى اعتادته داخل الشركة أبدًا. لم تكن تشبه الرجل الساخر الذى يقضى يومه فى استفزازها وإلقاء التعليقات الباردة عليها، بل بدت وكأنها تخص شخصًا آخر بالكامل… شخصًا يحمل عالمًا مختلفًا خلف تلك الابتسامة المستفزة.
الجدران كانت مغطاة بصور لفرق موسيقية قديمة، وبالقرب من النافذة تراصّت عشرات الكتب فوق الرفوف الخشبية بشكل منظم بشكل مدهش، بينما علقت عدة ميداليات وجوائز رياضية بجانب مكتب أسود ضخم. حتى رائحة الغرفة نفسها كانت هادئة… خليطًا من العطور الرجالية والورق القديم والموسيقى.
اقتربت إيما أكثر من مكتبة الكتب، ومررت أطراف أصابعها على عناوين الروايات بفضول حقيقى، قبل أن تلتفت نحوه أخيرًا.
"أقصد أنك لا تبدو محبًا للموسيقى أو الكتب أو حتى الرياضة"
قالتها وهى تتأمل الجوائز المعلقة بينما انعكس ضوء المصباح الخافت داخل عينيها الخضراوين اللتين كانتا تلمعان بطريقة جعلت جون يتوقف عن التفكير للحظة.
كانت عيناها تشبهان عيون القطط فعلًا… حادتين أحيانًا، وباردتين فى أغلب الوقت لكنهما حين تلمعان بذلك الشكل تصبحان خطيرتين على قلبه أكثر مما يرغب بالاعتراف به.
راقبها بصمت لثوانٍ ثم خلع قميصه الأسود دون تفكير وهو يبحث داخل خزانته عن ملابس مريحة، لكن صوت شهقتها الخافتة جعله يلتفت إليها.
اتسعت عينا إيما فور أن رأته عارى الصدر فاستدارت بسرعة للجهة الأخرى وكأنها ارتكبت جريمة.
"واللعنة… ما الذى تفعله؟!"
ارتفع صوتها بتوتر واضح، بينما احمرّت أذناها بخجل حاولت إخفاءه عبثًا.
ابتسم جون بخبث وهو يلاحظ ارتباكها ثم قال بسخرية متعمدة:
"لا تقلقى، لن أغتصبك أنا فقط أغير ملابسى"
التقط أحد قمصانه القطنية البيضاء وألقاه نحوها بهدوء فسقط بين ذراعيها.
"يمكنك ارتداؤه"
نظرت إلى القميص ثم إليه بتردد بينما جلس هو على طرف السرير وكأنه غير مدرك أصلًا لما يفعله وجوده معها داخل الغرفة بقميص نصف مفتوح وقربه الشديد منها.
"ألن تغادر؟"
سألته وهى تعقد حاجبيها وتضم ذراعيها أمام صدرها بحذر، رفع حاجبه باستمتاع واضح.
"إنها غرفتى… لماذا علىّ المغادرة؟"
كان يستمتع بإغاظتها أكثر مما يجب.
شيء ما فى ارتباكها فى طريقتها وهى تحاول الحفاظ على برودها المعتاد بينما تفشل، كان يثير داخله شعورًا غريبًا وخفيفًا لم يختبره منذ وقت طويل.
"واللعنة هل سأغير ملابسى أمامك يا هذا؟!"
صاحت بغضب لكن غضبها بدا مرتبكًا أكثر منه حقيقيًا.
وقف جون أخيرًا واتجه نحو الباب ببطء ثم التفت إليها قبل خروجه مباشرة، وعيناه تلمعان بمكر واضح.
"سأذهب لأتحدث مع والدىّ بالأسفل… على كل حال، هناك كاميرات بالغرفة لذا سأرى كل شيء"
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
"منحرف!"
صرخت بها قبل أن تغلق الباب خلفه بقوة جعلته يضحك وهو يسند رأسه للحائط خارج الغرفة.
وللمرة الأولى منذ فترة طويلة… شعر بخفة غريبة داخل صدره.
....
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت آنا تغادر الشركة أخيرًا برفقة هارولد بعد انتهاء الدوام، كانا يتحدثان بهدوء وهما يسيران نحو موقف السيارات.
فجأة انكسر كعب حذائها الرفيع، والتوى كاحلها بقوة. تأوهت بألم وكادت تسقط لكن هارولد أمسك بها بسرعة وثبات.
"آلمكِ؟ هل أنتِ بخير؟" تسائل هارولد فأومأت آنا ولكن كان يبدو من ملامحها المتألمة انها ليست بخير، حملها هارولد بين ذراعيه سريعًا.
"هارولد… أنزلني، أنا بخير" صاحت آنا.
لكنه لم يستمع حملها بين ذراعيه بسهولة كأنها لا تزن شيئًا، احمر وجه آنا خجلاً شديدًا وهي تضع يدها على صدره محاولة التوازن.
"هارولد! الناس ينظرون!"
"دعيهم ينظرون" قال بهدوء وهو يبتسم
"لن أترككِ تمشين وكاحلكِ ملتوٍ"
اتجه بها نحو سيارته وهي تشعر بدفء جسده ونبض قلبه تحت أصابعها، كان هارولد يسير ببطء متعمد كأنه يريد إطالة اللحظة.
"أنتِ خفيفة جدًا" علّق بابتسامة.
"وأنت تستغل الفرصة" ردت آنا بخجل لكن بنبرة مرحة، فتح باب السيارة وأجلسها برفق على المقعد ثم ركع أمامها ورفع قدمها بلطف.
"دعيني أرى"
فحص كاحلها بحرص، أصابعه باردة على بشرتها الساخنة.
"منتفخ قليلاً لكنه ليس سيئًا، سنضع ثلجًا عندما نصل"
نظرت إليه آنا وهو منحنٍ أمامها شعره يتمايل مع الهواء وعيناه مركزتان على قدمها باهتمام حقيقي، شعرت بقشعريرة غريبة تمر في جسدها.
"لماذا تفعل كل هذا؟" سألته بهمس رفع نظره إليها "لأنني أريد"
ثم أضاف بابتسامة خفيفة "ولأنني أحب أن أكون قريبًا منكِ حتى لو اضطررت لحملكِ كل يوم"
احمر وجهها أكثر، ساعدها على ارتداء حذائه الرياضي الاحتياطي الذي كان في السيارة ثم ربط الرباط بنفسه ببطء.
" هارولد…" همست آنا
"همم؟"
" شكرًا" رددت آنا ثم ابتسم ابتسامة ناعمة وهو ينظر إليها.
انطلقا بالسيارة وأثناء الطريق كان هارولد يلقي النكات الخفيفة ليخفف عنها الألم، وآنا تضحك رغم ألم كاحلها.
لأول مرة منذ فترة طويلة شعرت آنا بالأمان والراحة مع شخص آخر غير إيما.
"أوه، لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة أتيت فيها." قال الشاب الأشقر وهو يبتسم لجون بالألمانية ابتسم جون وحك مؤخرة رأسه."أجل، أعلم كنت مشغولًا"انتقلت نظرات الشاب إلى إيما، فتأملها للحظات قبل أن يقول شيئًا آخر بالألمانية.لم تفهم إيما كلمة واحدة، لكنها شعرت أنه يتحدث عنها خصوصًا مع نظراته التي انتقلت بينها وبين جون.فجأة أمسك جون بيدها وسحبها لتقف إلى جواره، قال الشاب الأشقر بابتسامة ذات مغزى"إنها المرة الأولى التي تحضر فيها رفيقة معك يبدو أنها مميزة"لم تفهم إيما شيئًا مما قيل، لكنها حدقت في جون وكأنها تنتظر ترجمة فورية لما يحدث حولها.أجاب جون دون تردد:"أجل، إنها فتاة مميزة بالنسبة لي."توقفت إيما للحظة، رغم أنها لم تفهم الكلمات، إلا أن نبرة جون جعلت قلبها يخفق بطريقة غريبة.ثم التفت الشاب إليها وقال:"صباح الخير، سيدتي."نظرت إليه إيما بحيرة فأمال جون رأسه نحوها وهمس"إنه يقول صباح الخير"ابتسمت إيما، ثم كررت الكلمة التي سمعتها منه بالألمانية، اتسعت ابتسامة جون."أنتِ تتعلم
مرت تلك الليلة ثقيلة على الجميع، وكأن النوم قرر أن يبتعد عن غرفهم جميعًا.كانت بيلا أكثرهم قلقًا، كلمات ويليم أرعبتها حقًا فهو لم يتصرف معها بهذه الطريقة من قبل، لطالما كان يقف إلى جانبها، ويتحمل رفضها ومراوغتها، ولم يهددها يومًا بأنه سيتوقف عن ملاحقتها أو عن حبها.لكن ما أخافها أكثر من كلماته هو معرفتها بأن ويليم لا يتحدث عبثًا؛ فعندما يتخذ قرارًا، ينفذه.أما إيما فقد قضت جزءًا كبيرًا من الليل تفكر في هدية مناسبة لجون، كانت تريد أن تختار له شيئًا مميزًا لعيد ميلاده، وربما هدية أخرى للعام الجديد.لم تكن تعرف لماذا أصبح الأمر مهمًا لها إلى هذه الدرجة، لكنها أرادت بشدة أن ترى ابتسامته مجددًا.كانت سعادة جون محببة إلى قلبها بشكل غريب، وتمنت ولو للحظة أن تراه سعيدًا لبقية حياته.استيقظ جون مبكرًا للغاية مع أول خيوط الشمس، كان متحمسًا بصورة لم يشعر بها منذ وقت طويل.أراد أن يقضي يومًا مختلفًا مع إيما يومًا يجعلها تضحك من قلبها وينسيها كل ما مرّت به مؤخرًا.لم يكن قد سامح نفسه حتى الآن لأنه تسبب في ألمها مرتين، و
دخلت إيما الغرفة وهي تغلي من الغضب، وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى التفتت إلى جون."واللعنة يا جون، لا تورطني في أمورك اللعينة مجددًا!" قالت بغضب، رفع جون حاجبه بهدوء وكأنه لا يرى سببًا لكل ذلك الانفعال."ماذا؟ أليس من الأفضل أن يظنوا أننا نتواعد؟ ليس من المنطقي بقاء رجل وامرأة في غرفة واحدة من دون علاقة عاطفية تربطهما، كما أنني لن أشارك الغرفة مع جينا أبدًا" حاول تبرير موقفه.عقدت إيما ذراعيها أمام صدرها وقالت بغيظ:"بالضبط، هذا ما أتحدث عنه! لذا جد غرفة أخرى تنام فيها"لكن جون لم يهتم كثيرًا، بل تمدد على الفراش ببرود وأغمض عينيه"أنا متعب حقًا"حدقت به إيما لثوانٍ غير مصدقة لمدى بروده."حسنًا، سأذهب إلى غرفة آنا، لا يمكنني البقاء معك هنا" صفق جون بضع مرات بكسل وهو ما يزال مستلقيًا."هذا حل جيد إيما" اتسعت عيناها من شدة الغيظ."هناك حل أفضل! ما رأيك أن تأخذ أغراضك اللعينة وتذهب إلى غرفة هارولد؟" تنهد جون ونهض من الفراش وهو يلتقط حقيبته."واللعنة، أنا لا أقدم هذه الخدمات مجانًا أيتها الفتاة"ثم خرج من
نزلت إيما إلى الأسفل ثم وقفت أمام جون وهي تتصنع الغضب قدر استطاعتها.لأول مرة في حياتها كان هناك شخص يراقبها فقط ليتأكد من أنها نامت جيدًا، كان الأمر لطيفًا... ودافئًا بطريقة لم تعتدها لكنها لم تكن تريد أن يستمر.هي لن تقع في الحب.ولا تريد أن تتألم.كان جون أول شخص في حياتها في أشياء كثيرة؛ أول صديق حقيقي، أول وغد استطاع استفزازها إلى هذا الحد، أول شخص غير متوقع على الإطلاق، وأول شخص خذلها مرتين وسامحته في المرتين.في العادة، كانت إيما تراقب الناس من حولها بصمت. لم تكن تكوّن الكثير من الصداقات، ولذلك اعتادت مراقبة الجميع وتحليل تصرفاتهم حتى أصبحت قادرة على التنبؤ بردود أفعال معظم من حولها.ربما كانت تلك مجرد آلية دفاع، طريقة تحمي بها نفسها من الخذلان لكن جون كان مختلفًا تمامًا.لم تستطع توقعه ولو لمرة واحدة، كان دائمًا يفاجئها بردود أفعاله الغريبة تجاه المواقف والأشخاص وكأنه الشخص الوحيد الذي لا تستطيع قراءته مهما حاولت، لقد كان صادمًا بكل معنى الكلمة.وبينما كانت غارقة في أفكارها شعرت فجأة بشيء دافئ يحيط برقبت
في اليوم التالي لم تستطع إيما التركيز في العمل كما ينبغي، فقد قضت الليل كله تقريبًا تتقلب في فراشها بسبب جون، وكلماته التي ظلت عالقة في رأسها حتى بعد أن أغلقت عينيها.جلست آنا إلى جوارها في المكتب ثم ألقت عليها نظرة فاحصة قبل أن تهمس"لماذا تبدين كدب الباندا هكذا؟" تنهدت إيما وقالت وهي تفرك عينيها "لم أستطع النوم أمس"ضيقت آنا عينيها وسألت مجددًا"أهذا بسبب جون؟" أجابتها إيما بسرعة"أجـ... لا، ليس كذلك"ابتسمت آنا بسخرية وقالت"إنه بسببه، حالتك تُرثى لها."تجاهلتها إيما وعادت إلى عملها، محاولة إقناع نفسها بأن آنا مخطئة لكن الحقيقة أنها كانت تعرف جيدًا أن نومها لم يكن ليضطرب لولا ذلك الرجل وكلماته الغامضة.لم يمر وقت طويل حتى قطع الصمت المحيط بالمكان صوت المديرة جينا التي وقفت أمام الموظفين وهي تبتسم."لدي خبر مهم لكم يا رفاق"رفعت جينا صوتها قليلًا لتلفت انتباه الجميع ثم تابعت"لقد قررت الشركة منحنا رحلة مدفوعة التكاليف لمدة ثلاثة أيام إلى سويسرا، تقديرًا لعملنا الجاد على المنتج الجديد"
كان شعر إيما المبلل يلتصق بوجهها، بينما انعكست خضراوتها تحت قطرات المطر المتساقطة، وكانت رموشها البنية تزداد قتامة بسبب البلل.ظل جون يحدق بها للحظات، وشعر بقلبه يخفق بجنون وكأنه يرفض الاستماع إلى أي منطق.قال بهدوء، محاولًا أن يشرح ما عجز عن قوله من قبل"أنا آسف... لقد قلتِ إنه ليس من السهل أن تثقي بشخص وهو لا يبادلك الثقة، أليس كذلك؟ هكذا كنت أفكر أنا أيضًا في ذلك اليوم، كنت أثق بك لكن ليلة الحفل، وبسبب سوء الفهم شعرت أنني فقدت تلك الثقة، وشعرت أنكِ لا تثقين بي لذلك أتمنى منك أن تتفهمي ما حدث، أنا لا أبرر تصرفاتي الحمقاء لكنني أردت فقط أن أخبرك أنني تألمت أنا أيضًا، لأنني ظننت أنكِ أنتِ من خذلتني، لم أكن لأتألم بهذا الشكل لو كان شخصًا آخر لأنني في النهاية أتوقع الخذلان من الجميع... عداكِ"ظل ينظر إلى عينيها الخضراوين دون أن يستطيع إبعاد نظره عنهما وكأن شيئًا بداخله يجبره على التحديق بها.كان الثلج يهطل بغزارة من حولهما وسرعان ما بدأت المدينة بأكملها تتغطى باللون الأبيض.نظرت إيما من نافذة السيارة وقالت بصوت خافت"أنت حقًا غريب... وتج







