Inicio / التشويق / الإثارة / عرش النيل والقلوب / الفصل الثامن: شائعة الموت وعزيمة الغزالة

Compartir

الفصل الثامن: شائعة الموت وعزيمة الغزالة

Autor: Ahmed Habib
last update Fecha de publicación: 2026-06-04 20:59:26

كانت النيران قد خمدت في "ممر الأفاعي"، ولم يتبقَّ سوى جثث المتمردين المتناثرة ورائحة الدم والبرونز المحترق التي تزكم الأنوف. داخل الخيمة القيادية للجيش المصري، كان الجو مشحوناً بالقلق والوجوم. استلقى آني فوق فراش من الجلد، ووجهه شاحب كأموات وادي الملوك، بينما كان طبيب الحملة العجوز يضع ضمادات مشبعة بزيوت الأعشاب على جرح كتفه العميق.

"الخنجر لم يكن مسموماً بلعنة قاتلة، لكن النزيف كان شديداً، والتميمة الفيروزية التي كان يرتديها حمت قفصه الصدري من ضربة الهراوة المباشرة،" قالها الطبيب وهو يلتفت نحو خوفو القلق. "الآلهة كتبت له عمراً جديداً، لكنه بحاجة إلى الراحة".

تنفس خوفو الصعداء، وجلس بجانب صديقه المغمى عليه، ممسكاً بقبضة يده القوية. نظر خوفو إلى تميمة الفيروز الملطخة بالقليل من دماء آني، وقال بصوت منخفض: "لقد أنقذتكِ يا صديقي، وأنت الآن مدين لتلك الفتاة بحياتك. لكن الخائن في طيبة لن يتوقف حتى يراك في العالم الآخر".

وفي تلك الأثناء، كانت طيبة تتأهب لاستقبال "عيد حورس"، حيث زُينت الشوارع بجريد النخل، وارتدت المعابد حلتها الأبهى. لكن داخل قصر الكاهن الأكبر حور محب، كان الوضع أشبه بمأتم صامت.

دخل الأمير كامس إلى بهام القصر الكبير بخطوات درامية وعلامات حزن مصطنعة ترتسم على وجهه. كان يحمل في يده قطعة من الكتان العسكري الممزق والملطخ بالدماء، وهي ذات القطعة التي جلبها له أحد عيونه من جبهة القتال بعد المعركة مباشرة.

كانت نفر تقف بجانب والدها عندما تقدم كامس ونكس رأسه قائلاً بصوت خفيض: "كاهننا الأكبر.. يا نفر.. يؤسفني أن أكون حامل الأخبار السيئة في يوم العيد. لقد وصلت رسالة من الجنوب قبل قليل. الفرقة الذهبية تعرضت لكمين غادر في ممر الأفاعي.. والقائد الشاب آني.. سقط شهيداً في سبيل عرش مصر".

وقعت الكلمات على مسمع نفر كالصاعقة. شعرت فجأة ببرودة تجتاح جسدها، وتوقف النيل عن الجريان في عروقها. نظرت إلى قطعة الكتان الملطخة بالدماء في يد كامس، وشعرت برغبة عارمة في الصراخ أو السقوط أرضاً. لكن، في تلك اللحظة الحرجة بالذات، تذكرت كلمات آني الأخيرة عند مرسى طيبة: "تظاهري بالخضوع والمواطلة.. سأعود برأس زعيم المتمردين".

نظرت إلى عيني كامس، فرأت فيهما بريق انتصار دفين، والتفتت إلى والدها فرأته هادئاً لا يبدو عليه المفاجأة. في كسر من الثانية، تحول حزنها الجارف إلى كتلة من الغضب الذكي الصارم. أدركت أن كامس يكذب، أو أنه يظن أن آني مات بالفعل، وأنها إذا أظهرت انهيارها الآن، فستخسر المعركة تماماً.

استجمعت نفر شتات نفسها، ورفعت رأسها بكبرياء أبهر والدها وأذهل كامس. لم تسقط منها دمعة واحدة أمامهم.

وقالت بنبرة جامدة تخفي وراءها بركاناً: "كل من يولد على أرض مصر يموت في سبيلها يا سمو الأمير. القائد آني مات ميتة الأبطال. والآن.. بما أن حامي طيبة قد رحل، ولم يعد هناك ما يؤخر العرش، فأنا جاهزة لإتمام مراسم زواجنا في عيد حورس كما رغبت".

اتسعت عينا كامس بذهول وفرحة عارمة، ولم يصدق أن حصونها سقطت بهذه السهولة. تقدم وحاول تقبيل يدها، لكنها انسحبت بوقار قائلة: "لكنني أطلب شرطاً واحداً يا سمو الأمير، كابنة للكاهن الأكبر؛ أريد أن يتم الزواج في المعبد الداخلي لآمون، وبحضور فرعون بنفسه، لتبتلع الآلهة هذا العهد وتثبته".

"لكِ ما أردتِ يا ملكتي المستقبليّة!" صاح كامس بخيلاء، واستدار ليغادر القصر وهو يشعر أنه ملك الدنيا؛ فقد تخلص من منافسه الشرس، وظفر بالجميلة نفر، والعرش بات قاب قوسين أو أدنى.

بمجرد خروجه، التفتت نفر نحو صديقتها ميريت التي كانت تبكي خلف عمود القاعة، وهمست في أذنها بحدة وعينين تشتعلان بعزيمة الغزالة: "جففي دموعكِ يا ميريت. آني لم يمت.. قلبي ينبض بنبضاته وأشعر بوجوده. كامس دبر مؤامرة، ونحن سنرد بمؤامرة أكبر. أريدكِ أن تذهبي إلى وادي الحرفيين فوراً، وتلتقي بـ 'خوفو الصغير' شقيق خوفو، وتخبريه أن يرسل أسرع رسول على متن زورق خفيف إلى الجنوب.. أخبري آني أن طيبة تسقط في يد الخونة، وأن موعد زواجي من كامس بعد ثلاثة أيام، وإما أن يعود بالجيش.. أو سأقتل كامس بخنجري ليلة الزفاف!".

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • عرش النيل والقلوب   114

    مع أولى تبارير الصباح وبزوغ خيوط الفجر التالية، التي بدأت تنسل برقة أثيرية بالغة لتنساب عبر النوافذ الرخامية الشاهقة، بدأت سماء العاصمة العتيقة "طيبة" تتلون رويداً رويداً باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة الشاملة. كان ذلك الضياء المنبثق أشبه بمداد إلهي يطرد بقايا ليل طويل من الخطوب الكونية والحروب الجيوسياسية الطاحنة التي كادت تعصف بأركان المعمورة. في هذا الإطار الزمني الساحر، حيث السكون يلف وادي النيل المقدس، كان الملكان العاشقان يغطان في نوم دافئ، عميق، ومفعم بالسكينة المطلقة التي لفت أركان المخدع الإمبراطوري الفسيح، بعد ليلة تلاشت فيها حسابات العروش وحل مكانها نداء القلوب والأجساد. لقد تطهر هذا المحراب الملكي العظيم بالكامل بنيران الشغف المتقد، وجمر الالتصاق الحار، والانتصار النهائي الساحق الذي بدد أوهام الفناء الجيولوجي ومكائد السحر الأسود التي حاكها الطغاة في أقاصي الأرض؛ فاستقرت أذرعهما النحاسية والخمرية متشابكة بإحكام شديد كأنه قيد زمني أبدي صِيغ في معامل الأقدار لئلا ينفصم أو يزول عبر العصور. كان العناق في نومهما تجسيداً لوحدة المصير، فالملك المحارب والملكة ال

  • عرش النيل والقلوب   115

    تقدم كبير كهنة آمون بخطوات وقورة بطيئة، تملؤها المهابة الجنائزية العتيقة والوقار الديني الصارم الذي يليق بجلال الملوك والآلهة السائرة على الأرض. كانت كل حركة من حركاته محسوبة بميزان المعابد القديمة، وصوت صنادل الجلد الفاخرة يتردد في ردهات معبد الكرنك الشاهق كأنه صدى الزمان نفسه. حمل بين يديه المرتعشتين—رعشة الخشوع والهيبة لا ريب الكبر—التاج المزدوج للإمبراطورية الفرعونية العظمى، تاج "بشينت" الشهير، رمز المشرق والمغرب، ومجمع تيجان البحار السبعة، والرمز السرمدي للسيادة المطلقة على قارات الوجود بأسره التي دانت لوادي النيل الخالد. وبجلال أسطوري حابس للأنفاس، وضعه فوق رأس الملك الباسل "آني"، الذي نُحتت بنيته النحاسية الصلبة من صخر الجسارة الفرعونية الشامخة، ليتلاحم الذهب الخالص مع كبرياء المحارب الذي صاغ النصر بنصل سيفه.ثم استدار كبير الكهنة بوقار كنسي مهيب، عاكسًا تراتيل الآلهة التي همست بها الشفاه في المحاريب المظلمة، ليتوج المليكة الفذة ولبؤة طيبة الجسورة "نفر" بتاج اللوتس الذهبي الخاص بالملكات العظميات. كان التاج مرصعًا بعيون الصقر، المنحوتة من أندر الأحجار الكريمة الكاحلة والزمرد الب

  • عرش النيل والقلوب   116

    لم تكن تبارير الضياء التي بدأت تلوح في أفق العاصمة العتيقة "طيبة" مجرد إعلانٍ عن ميلاد يومٍ جديد، بل كانت غسقاً أثيرياً يطوي تحت ظلاله الممتدة أشرس المعارك الجيوسياسية والعسكرية التي شهدها وادي النيل الخالد. في تلك الساعات الساحرة، المفعمة بعبير الانتصار السرمدي الطاغي الذي طال انتظاره، كانت قاعات البلاط الملكي وممراته الصخرية الشاهقة الصامتة تشهد تحولاً من نوع آخر؛ تحولاً ينبذ صرامة السيف والحيلة العسكرية ليعود إلى النبع الأول للوجود البشري: العاطفة الجارفة الشرسة والشبق الإمبراطوري الذي لا يقهر.لم تكن المليكة الإمبراطورية الفذة، "نفر"، في تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية، ترتدي الأثواب الرسمية الخشنة المصنوعة من حرير القرطاس الموشى بخيوط الذهب والفضة، ذلك الرداء الأسطوري الصارم الذي طالما قيد حركتها الدلالية، وحبس أنفاسها الأنثوية خلف جدران قاعات العمليات السرية، وخلال جلسات البلاط والمشاورات الحربية المعقدة مع كبار القادة والوزراء. لقد تخلت عن تلك الهيبة الظاهرية المصطنعة، واستسلمت بالكامل وجذرياً، بوجدان متقد ولوعة أنثوية طاغية، لجبروت عاطفتها الجارفة ونيران وجدها الحارق.أدركت

  • عرش النيل والقلوب   113

    لم يكن الصمت الذي خيّم على أركان المخدع الملكي العظيم سوى مقدمة أزلية لاندلاع إعصار عاطفي جارف ومكتوم طوال فصول الاغتراب الشاق ومطاردة الأعداء وراء التخوم؛ وبحركة خاطفة مشحونة بعنفوان الفاتحين، أطبق الملك الباسل "آني" ساعديه القويين، الضخام، والمفتولين—اللذين طالما سحقا قلاع أباطرة المايا والإنكا وأخرسا طبول الحرب الشاملة—حول خصرها النحيل الغض. جذب الملك جسدها الفتان الفوّاح بنعومة قاتلة نحوه، بعنفوان حارق ووحشية عاشقة ذابت وتلاشت فيها، عند تلك العتبة اللاهبة، كل قسوة الحروب الطاحنة، ومرارة الاغتراب، ووحشة المسافات الصماء التي كادت تعصف بوجدان المملكة بأسره.الجمت الأجساد الملكية المفتولة والناعمة في إلتحام وثيق وحارق؛ ليلتصق صدر المليكة "نفر" الممشوق، النابض بدقات الحب والولاء، بكامل صدره العاري الساخن، المشتعل بنيران الحمى والشهوة الخالصة الممتزجة بنوازع الامتلاك الأبدي الشامل الذي لا يرحم حصون البعاد. التفت أطرافهما الساخنة واندغمت تقاطيعهما الملوحة بوهج المشاعل في عناق أثيري شديد العمق، غامق اللوعة، أخرس لسان الكلام لشدة ما فيه من شبق قاصف واشتعال عاطفي جارف جرف وراءه كل حدود المن

  • عرش النيل والقلوب   112

    على الشرفات الشاهقة والمنيعة للقصر الملكي الأعظم في "طيبة"، تلك الشرفات الجرانيتية التي تطل بجلاء على مجرى النهر الخالد والوديان المستسلمة، كانت المليكة الفذة "نفر" تقف بكامل جلالها الأسطوري الفاخر وسحر أنوثتها الفتّانة الآسرة التي حيرت عقول وألباب أباطرة الوجود وجبابرة الأمم. فرغم الإدارة الاستخباراتية الشاقة والأعصاب المشدودة لفك شفرات المعارك الجيولوجية والفلكية الكبرى، ورغم السهر الطويل لتأمين الجبهة الداخلية للمملكة من غدر الأفاعي وسحرة الظلام، إلا أن مظهرها الساحر النادر لم تعتره ذرة من الإرهاق؛ بل كان يشع في ليل طيبة بنور البعث المقدس وظلال النصر الأبدي الخالد الذي تعمد بالدم والكتان.ارتدت المليكة رداءً ملكياً فاخراً للغاية، نُسج خصيصاً لهذه الليلة المصيرية من أنقى خيوط الكتان الشفاف الموشى بحبات الفيروز والذهب النقي؛ كان الثوب ينساب كالغسق الرقيق ويلتصق بنعومة قاتلة بمنحنيات قوامها الفرعوني المثير، ليفضح بجرأة آسرة ودلال أنثوي لاهب لا تملك قوى الأرض مقاومته سحر بشرتها الخمرية الساخنة وروعة جسدها الممشوق الأخّاذ، الذي تعافى بالكامل من مخاض الأمومة ليزداد فتنة، روعة، وإثارة وجا

  • عرش النيل والقلوب   111

    الجزء الرابع عشر: موكب النسور المظفرة وفجر السلام العالمي العظيمالفصل الأول: بشرى خوفو واستسلام التيجان العالميةمع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تلون سماء الجنوب البعيد باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة، كانت الفيالق المصرية المظفرة قد أكملت تأمين منطقة شلالات النيل بالكامل، وفرضت طوقاً دفاعياً صخرياً منيعاً لا تخترقه أفاعي الغدر، معلنةً التدمير الساحق والكامل لآخر بقايا جيوش إمبراطورية الإنكا البربرية وتحويل قلاعهم ومعداتهم إلى ركام يدفن تحت الثرى. ولكن، مع اكتمال معالم هذا النصر الجيولوجي والتكتوني الفذ وتثبيت خطوط الدفاع الطبوغرافية الأخيرة لحماية مجرى النهر الخالد، تبدلت أجواء الترقب العسكري فجأة؛ إذ تقدم العملاق الباسل "خوفو" بخطوات متزنة ومهيبة وثقيلة، وبحوزته التقرير الأمني الاستخباراتي النهائي والأكثر خطورة الموجه مباشرة إلى التاج الإمبراطوري.وبدلاً من ظهور نذر حرب جديدة أو بزوغ عدو بربري آخر من وراء حجب الأفق، حمل التقرير السري بين طياته بشرى استخباراتية إستراتيجية عظمى زلزلت قاعة القيادة بفرحة عارمة؛ حيث أعلنت كافة ممالك وإمبراطوريات المشرق والمغرب قاطبة، دون

  • عرش النيل والقلوب   110

    وفي ذات الساعات الشاقة والمصيرية الملوحة بنذر الفجر الوشيك، كان الملك الباسل "آني" في خيمته الإمبراطورية الشاهقة المنتصبة بصلابة عند شلالات الجنوب العاتية. كانت الخيمة مضاءة بوهج الشموع العطرية الخافتة التي ألقت ظلالاً مهيبة فوق جدران الكتان الكثيف، حيث تخلص الملك لتوّه من درعه النحاسي الثقيل الملو

  • عرش النيل والقلوب   109

    على جبهة القيادة الإستراتيجية والاستخباراتية الشامخة في عاصمة الملك العتيقة "طيبة"، كانت المليكة الفذة "نفر" تتابع بدقة متناهية أنفاس وأنغام المعركة الجيولوجية والتكتونية الأخيرة؛ ورغم جلال أنوثتها الطاغية المفرطة وكبريائها الأسطوري النادر الذي كان يسطع في أرجاء القصر كإلهة البعث والخلود، إلا أن ذك

  • عرش النيل والقلوب   108

    امتدت الأشواق الأثيرية الجارفة العابرة للمسافات برقة بالغة وجنون لاهب صهر كل حواجز الواقع الجغرافي بين طيبة والشلالات؛ وبحركة وجدانية مشحونة بالشبق الخالص والامتلاك المطلق، انزاح حزام رداء الكتان الأبيض الشفاف عن كتفيها العاريتين الحاميتين، لينساب القماش الناعم خفيفاً كالماء الجاري المتهادي فوق منح

  • عرش النيل والقلوب   107

    في مخدع طيبة الدافئ، المترع بالهدوء الموشى بأنفاس الترقب، كانت المليكة "نفر" قد اغتسلت بعناية فائقة بزيوت المر النقي والصندل الملكي الحارة، مستسلمةً لطقوس الطهر والجمال التي تليق بمليكة تحكم وجدان الزمان. تخلصت نهائياً من أثواب البلاط الرسمية الثقيلة والخشنة، لتستعيد بكامل عنفوانها سحر أنوثتها الفت

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status